]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سليمان فائق

بواسطة: Layla Al-Attar art  |  بتاريخ: 2013-12-15 ، الوقت: 20:09:31
  • تقييم المقالة:

 

سليمان فائق([1]) بن طالب أغا([2])  أحد أبناء المماليك الذين جُلبوا إلى العراق منذ عهد والي بغداد حسن باشا الذي يعّد مؤسس نظام المماليك في العراق. ويعود فائق بأصوله إلى بلاد الكرج([3]), المعروفة بجمال سكانها وشدة مراسهم وقوة شكيمتهم([4]), وبشكل أدق فأنه ينتسب إلى أسرة كرجية مسيحية تنتمي إلى عشيرة آجق باش([5]) أي: ذوي الرؤوس المكشوفة([6]) . ولم تسعفنا المصادر التي بين أيدينا في التعرف على أصول أسرة طالب ومكانتها الاجتماعية أو الاقتصادية أو ما شابه ذلك, سوى إشارة عابرة ذكرها فائق توضح ان والده ينتمي إلى أسرة معروفة في بلاد الكرج([7]) وتؤكد بعض المصادر أن جد فائق لأبيه كان قساً مسيحياً في موطنه الأول في قرية بجوار تفليس.([8])

ويذكر مير بصري "ان سليمان فائق كان يؤّدي الشهادة أمام القاضي، فسأله عن اسمه واسم أبيه , ثم سأله عن جدّه فأجابه بقوله: (ما أدراني، لقد كان كافراً (كاور))".([9])

 

وفيما يتعلق بأمه أن المصادر التي بين أيدينا تسكت عن أية معلومة عنها وعن وأسرتها, حتى أن فائق نفسه لم يذكر شيئاً عنها عند كلامه عن نفسه و عن والده طالب([10])،وهناك ثمة إشارة يذكرها، وهي أن جدهُ كان يشغل منصب رئيس كتاب إدارة الكمرك في بداية حكم داود باشا للعراق([11]) ولما كان جده لأبيه غير معروف
- كما مر بنا - فالظاهر أنه يقصد جده لأمه. وأكد في موضع آخر، عند كلامه عن الأسرة البابانية([12]) ان له صلة قرابة بهذه الأسرة([13]), وربما أن جده لأمه ذاك كان من البابانيين. ان نسب اسرة فائق في العراق يتوقف عند ابوه (طالب)، ولا نعرف شخصاً آخر يعود اليه أصل هذه الأسرة ونسبها لذا يعد (طالب) مؤسسها([14]).

 

ان طالب هذا كان طفلاً قد اختطف فيمن كان يختطف من صبيان القفقاس([15])، من قرية بجوار تفليس في جورجيا, هو وطفل آخر([16]) .وبيع في سوق الرقيق في اسطنبول ونشأ مسلما([17]). ونُقل إلى العراق عن طريق الشراء المعتاد,وفي بغداد اشتراه مصطفى بك الربيعي([18]) احد وجها بغداد آنذاك،([19]) ومن ثم انتقل بواسطة البيع([20]) أو الاهداء([21]) ليد والي بغداد سليمان باشا الكبير هو ورفيق له كان قد اختطف معه([22]). وكان الوالي بحاجة إلى تربية عدد جديد من المماليك, فأدخله في نظام تربية المماليك، وتربى على ذلك النسق الذي وضع منذ أيام الوالي حسن باشا([23]) ونشأ الطفلان معاً([24]) وتولى الوالي سليمان باشا تربية هذين الطفلين وتعليمهما، وقد سمى أحدهما بـ (طالب) والآخر بـ (داود) الذي أصبح والياً لبغداد([25]). وبعد أن تعلم طالب القراءة والكتابة استخدمه مولاه أي: – سليمان باشا الكبير- بمعية سليمان بك الموصلي([26]) في وظيفة كاتب خزينة([27])  ثم تقلد منصب انختارجي مهر دار،([28]) وبسبب سوء العلاقة بين الوالي الجديد علي باشا أباظة وطالب، فقد أضطر الأخير إلى ترك بغداد والتنقل ما بين اسطنبول والحجاز([29])، ومصر([30])، وفي عهد الوالي سليمان باشا الصغير([31])، عاد إلى بغداد وشغل عدة مناصب  منها أيج جوقداري([32]) ومهردار([33])، وشغل الوظيفة الأخيرة ايضاً في عهد عبد الله باشا (1811-1813م)، الذي ابعده إلى البصرة لمدة عام, لأنه من مؤيدي سعيد بك أبن سليمان باشا الكبير, لكن بعد مجيء سعيد باشا (1813-1815م)، إلى الحكم نال طالب العفو وعاد إلى بغداد([34]). وأصبح خزنة دار([35]) بالوكالة، وشغل وظائف أخرى([36]).

 

وفي عام 1816م أصبح داود باشا والياً على بغداد, فسطع نجم طالب، وزادت مكانته رفعة و سمواً، وتبوأ المناصب المهمة، وشارك في صنع الأحداث الجسام, وفي عام 1818م, منح داود باشا طالباً منصب الخزنة دار أصالة([37]). بعد أن أبعد الخزنةدارالسابق (يحيى آغا) بسبب خيانته. ويشير فائق إلى أن إلحاح الوالي لم يدع امام والده مجالا للرفض، فقبل المنصب وفق شروط, ويؤكد منحه صلاحيات واسعة من قبل الوالي، الأمر الذي ساعده على تصفية المعارضين للحكم، وابعاد مجموعة من كبار ضباط المماليك عن وظائفهم، ونفي البعض الآخر، وبذلك أستقرت الأوضاع([38]).

 

في عام 1822م أصبح طالب كتخدا([39]) لداود باشا([40]), ويعدّ هذا المنصب مهماً، ويأتي صاحبه بعد الوالي مباشرة من حيث الأهمية، ويسمى صاحبه أحيانا بـ(الوالي الثاني)([41]). ثم أصبح قائداً لجيش قوامه عشرة الآف مقاتل، لصدّ الجيش الايرانى الزاحف باتجاه شمالي العراق، الذي يقدر بأربعين الف مقاتل([42]). وبسبب خسارة الجيش المملوكي من قبل تحت قيادة الكتخدا السابق محمد آغا، ولعدم التكافؤ بين القوتين، فقد آثر الكتخدا (طالب) الانسحاب بقواته بشكل منتظم، وبذلك حاز على تقدير الوالي والمسؤولين في الدولة العثمانية لحسن تدبيره وصواب رأيه. ان حالة الوفاق بين طالب وداود باشا لم تستمر طويلاً، إذ سرعان ما ساءت العلاقة بينهما بسبب فرض الاخير ضرائب جديدة، وأتباعه أساليب قاسية في جبايتها، مما دفع بالكتخدا طالب إلى الاعتراض على تلك التصرفات وعدم التوافق مع أراء الوالي وسياسته([43]). فاستبدل الأخير طالباً بأحد المماليك، ثم منح منصب الكتخدا لأخيه أحمد باشا([44]).

 

([1]) وهو اسم مركّب, وكان هذا النوع من التسمية شائعاً في العهد العثماني وبدايات العهد الملكي في العراق وغالبا ما كان يقرن الاسم الأصلي للشخص باسم ثانٍ كلقب له للتمييز أو للشهرة، وسنشير له فيما بعد بـ (فائق). 

([2]) أغا: هي كلمة تركية معناها يدور بين الأخ الكبير, والرئيس، والسيد، وموظف الدرجة الوسطى أو العالية, وقد يكون عسكرياً أو مستخدماً في بيت ذي شأن, وإذا أضيفت إلى من دخل الجندية فتعني الضابط أو الآمر. ينظر: مجهول , مختصر تذكرة الشعراء ..., ص84؛ ستيفن همسلي لونكريك, المصدر السابق, ص345.    

([3]) الكرج: من شعوب الهند الجرمانية، وتسمى بلادهم (كرجستان), الاسم القديم لجورجيا. استولت عليهم روسيا سنة 1801م. وحاضرتهم تفليس على ضفاف نهر الكر(Kour), ومنهم مماليك بغداد الذين عرفوا بـ (بالكوله من) أو (الكولمند), ومن كرجستان وأذربيجان وأرمينيا تتألف قفقاسيا. ابراهيم الوائلي, المصدر السابق, ص11؛ محمد فريد حمدي, دائرة معارف القرن العشرون, ج8, دار الفكر,بيروت,1979,ص115.

([4]) مير بصري, اعلام اليقظة الفكرية في العراق الحديث,ج1, مطبعة الجمهورية, بغداد, د.ت, ص11.

([5]) مير بصري, اعلام السياسة في العراق الحديث, رياض الريس للكتب والنشر, لندن,1987, ص181.

([6]) سليمان فائق, مرآة الزوراء في أخبار الوزراء أو تاريخ بغداد, ترجمة: موسى كاظم نورس, مطبعة دائرة المعارف, بغداد، 1962, ص116. سنشير إلى هذا المصدر فيما بعد باسم: تاريخ بغداد.

([7]) المصدر نفسه, ص119. 

([8]) محمد حسين الزبيدي, ناجي شوكت رأي نافذ في السياسة العراقية في العهد الملكي, مجلة أفاق عربية, السنة الثالثة عشر, تشرين أول, بغداد, 1988,ص57؛ فائز سعيد عبد الله, ناجي شوكت == ودوره السياسي حتى عام 1941, رسالة ماجستير غير منشورة, كلية الاداب, جامعة بغداد, 1990, ص10.

([9]) مير بصري, اعلام السياسة..., ص181 .

([10])  سليمان فائق, تاريخ المنتفق, ترجمة : محمد خلوصي الناصري, مطبعة المعارف, بغداد, 1961, ص70؛ سليمان فائق, تاريخ بغداد, ص120-121.

([11]) المصدر نفسه, ص177.

([12]) الأسرة البابانية: هي أحدى الأسر الكردية العريقة, وتعد(بشدر) موطنها الأصلي، وأبرز رجالها الأمير بير يوداق بيئي, الذي يعد المؤسس الحقيقي للإمارة البابانية التي حكمتها عدة أسر بابانية من عام 1501م بداية حكم أول أسرة، منتهية، بعام 1851م. لمزيد من التفاصيل ينظر: جمال بابان, بابان في التاريخ ومشاهير البابانيين, مطبعة الحوداث, بغداد, 1951؛ عبد ربه سكران ابراهيم الوائلي, تاريخ الأمارة البابانية الكردية1784-1851م, رسالة ماجستير غير منشورة, كلية الاداب, جامعة القاهرة, 1979.  

([13]) سليمان فائق، تاريخ بغداد، ص135.

([14]) حنا بطاطو, العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية, الكتاب الأول, ترجمة: عفيف الرزاز, ط1, مؤسسة الأبحاث العربية, بيروت, 1990, ص247.

([15]) مير بصري, اعلام السياسة..., ص181.

([16]) كامل الجادرجي, من أوراق كامل الجادرجي, ط2, دار الطليعة للطباعة والنشر, بيروت, 1971, ص80؛ حنا بطاطو, المصدر السابق, ص247.

([17]) مير بصري, اعلام السياسة..., ص181.

([18]) عبد العزيز سليمان نوار, داود باشا والي بغداد, ص42؛ عبد الجبار عمر، مقدمته لكتاب سليمان فائق, حروب الايرانيين في العراق, مجلة افاق عربية, العدد 3-4, لسنة 1983, ص100.

([19]) علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج1، مطبعة الارشاد، بغداد، 1969، ص230.

([20]) المصدر نفسه، ص320؛كامل الجادرجى،المصدر السابق،ص80.

([21]) يوسف عز الدين, داود باشا ..., ص71.

([22]) كامل الجادرجي, المصدر السابق, ص79-80؛ محمد حسين الزبيدي, المصدر السابق, ص57.

([23]) عبد العزيز سليمان نوار, داود باشا والي بغداد, ص42.

([24]) حنا بطاطو, المصدر السابق, ص247.

([25]) كامل الجادرجي, المصدر السابق,ص80؛ مير بصري, أعلام اليقظة الفكرية..., ص11.

([26]) هو سليمان باشا محمد أمين الجليلي الذي تولّى الموصل لاربع مرات كان آخرها للمدة ما بين عامي (1786و 1789م)، وهو من الأسرة الجليلية التي حكمت الموصل مدة طويلة حتى عرفت تلك المدة باسمهم. عماد عبد السلام رؤوف, الأسر الحاكمة ورجال الأدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة 1258-1918, بغداد, 1992, ص181.

([27]) سليمان فائق, تاريخ بغداد, ص120.

([28]) كلمة تركية معناها: حامل ختم الباشا وهو المؤتمن على المفاتيح وختم الوزير. ينظر: مجهول، ترجمة سليمان بك ووالده وولده (رحمهم الله تعالى)، تحقيق: معن حمدان علي, مجلة الذخائر، العدد (5), السنة الثانية, 2001م,ص149. وسنشير إلى هذا المصدر فيما بعد باسم: ترجمة سليمان... .

([29]) المصدر نفسه,ص150.

([30]) سليمان فائق, تاريخ بغداد ,ص120.

([31]) سمي بـ (الصغير) تمييزاً عن سميه الوالي سليمان باشا الكبير الذي حكم مدة أطول منه، ويسمّى ايضاً بـ (القتيل) لانّ حياته انتهت بالقتل على يد المبعوث السلطاني حالت أفندي.

([32]) هي كلمة تركية تعني: الخدمة الداخلية، وأصحابها من أغوات الداخل وهم أعضاء الحاشية في قصر الباشا الخاص. ينظر: ستيفن همسلي لونكريك, المصدر السابق، ص345.

([33]) مجهول, ترجمة سليمان..., ص151.

([34]) المصدر نفسه,152.

([35]) الخزنة دار, اسم وظيفة مركبة من (خزنة), خزينة, و(دار) الفارسية وتعني ناظر, محافظ فيكون معناها: ناظر خزينة الولاية ولبيوت الأغنياء رجل بهذا الاسم، يقوم بحفظ الأموال و الحُلي الثمينة والفاخرة. ينظر: عبد الرحمن السويدي، حديقة الزوراء..., ص351 (هامش المحقق)؛ مجهول، مختصر تذكرة الشعراء...، ص90؛ جعفر الخياط، المصدر السابق،ج1، ص360.

([36]) سليمان فائق, تاريخ بغداد ,ص120.

([37])  مجهول, ترجمة سليمان..., ص153.

([38]) سليمان فائق, تاريخ بغداد, ص64- 65.

([39]) الكتخدا: أصل الكلمة (كدا) وتعني: دار أو بيت، و(خدا) وتعني: صاحب ورب, وهي لفظة تركية محرّفة عن الكلمة الفارسية (كد خدا) وحرّفت إلى (كخيه) و(كوخه) و (كهية)، وتكتب بالآلف في الآخر أيضا (كهيا), وكان (الكتخدا) يسمى في صدر الأسلام والدولة العباسية بـ (الدهقان)، وتطلق بوجه عام على من بيده تصريف الأمور، كالمختار والعمدة والحاكم والزوج, وأطلقه العثمانيون على رئيس العشيرة ورئيس المحلة في المدينة، ثم صار أسماً لوظيفة (مساعد الوالي ومعاونه) لمختلف الشؤون الأدارية والعسكرية والمالية، وهو المرشح لتولي الحكم بعده. ينظر: مجهول، مختصر تذكرة الشعراء...ص97؛ عبد الرحمن السويدي, حوادث بغداد والبصرة..., ص58 (هامش المحقق)؛ عبد الرحمن السويدي حديقة الزوراء..., ص143 (هامش المحقق).

([40]) عباس العزاوي, تاريخ العراق بين احتلالين, ج6,ص286؛ عماد عبد السلام رؤوف, الأسر الحاكمة..., ص83.

([41]) أحمد علي الصوفي, المصدر السابق, ص107-108.

([42]) علاء موسى كاظم نورس, حكم المماليك..., ص240؛ ستيفن همسلي لونكريك, المصدر السابق, ص233.

([43]) سليمان فائق, تاريخ بغداد, ص121؛ مجهول, ترجمة سليمان...,ص154.

([44]) عباس العزاوي, تاريخ العراق بين احتلالين, ج6,ص286؛ عماد عبد السلام رؤوف, الأسر الحاكمة..., ص83.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق