]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المقهى الأدبي .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-12-15 ، الوقت: 14:50:22
  • تقييم المقالة:
كلمة الافتتاح بقلم : الخضر الورياشي / الناظور .

 

أيها الحضور الكريم ، أودُّ أن أقول لكم إنني لن أشعر بأيِّ غَضاضةٍ ، أو نُقْصٍ ، إذا أعلنْتُ لكم أنني شخصٌ ضعيفٌ أمام السيدة الأولى (القهوة) ، وأستسلم لسِحْرِها دون أدنى مقاومةٍ ... وأنَّ مجرد رؤيتي لفنجانٍ من فناجينها ، أو شمِّي لنَكْهةٍٍ من نكهاتها ، يجعلني أطلب يدَها ، وأخطبُ وُدَّها ، بل وأندفعُ نحوها كالمجنون ، أهويِ عليها بشفتيَّ ، أشبعُ نفسي منها لثْماً ، ورشْفاً ، وكرْعاً ، وبلْعاً ، ومصَّاً ... ولا يهمُّني إن كانت سوداءَ أو بيضاءَ ، شعْبيَّةً أو أرستقراطيَّةً ، شرقيَّةً أو غربيَّةً ، عصْريَّةً أو تقليديَّةً .. يكفي أن تُضيفَ إلى طُعْمِها قدْراً مُعيَّناً من السُّكَّرِ ، وتُغْريني بسُخونتها ورقْصِ بُخارها ، حتى تحلو في عيْنيَّ ، وذوْقي ، وأُطَوِّقُ خَصْرَ فنْجانِها بيدَيَّ ... !!

أمَّا إذا رافقتْني ، وأنا أقرأ ، أو أكتبُ ، فإنها حينئذٍ تكون أجملَ رفيقةٍ ؛ تعينني ، وتُريحني ، وتمُدُّني بالقوة ، والحيويَّةِ ، والنشاطِ ...

ويومَ تغيبُ يغيبُ معها الأنسُ والانتشاءُ ، وتخورُ قوايَ ، وتضعفُ طاقتي ، ويهيمنُ عليَّ الوُجومُ والعبوسُ ، وتغيمُ في عينيَّ الكلماتُ والأشياءُ والوجوهُ ، وأعاني من صداعٍ بغيضٍ في الرأس ، وأشعر أن نفسي مسدودةٌ ، وأعصابي مشدودةٌ ، وأفكاري محدودةٌ ، ولا أعودُ إلى حالتي الطبيعية إلاَّ إذا عادت هي يسبِقُها بُخارُها الشهيُّ ...

أقول هذا عنها ، وهي مستكفيةٌ بنفسها ، مستقلَّةٌ بذاتها ، فكيف إذا تزوَّدت بزوَّاداتٍ أخرى ، وزادت إلى سحرها الشخصي سحْرَ المكان ، وفتنةَ اللقاء ، وتأثير الأصدقاء ، وفعالية الغاية والوسيلة ؟!

لا شكَّ أني سأكون مأخوذاً بها كل الأخذ ، وأُفْتن بها كل الفتنة ، وأعشقُها أكثر ، وأخلصَ لها غايةَ الاخلاص ...

فها هي تجمعني بكم في هذا المكان الجميل ، والمُميَّز ، وتفاجئني بطقْسٍ نادرٍ من طقوس الحياة الاجتماعية ، والأدبية ، في هذه المدينة ، التي لا ترتبط فيها سُمْعةُ (القهوة) إلاَّ بجلسات النساء ـ كل مساءٍ ـ للثرثرة والنميمة ، وأكلِ لحْمِ الجيران والأقارب والأباعد ..أو بلقاءات الرجال والشباب من أجل مزاولة البيع والشراء ، أو مشاهدة مباريات كرة القدم ..أو في أحسن الأحوال للاستعانة بها في اجترار الهموم والأحزان ، وكأنها مُرَطِّبٌ أو مُخَدِّرٌ  !!

إنَّ (القهوة) ـ اليومَ ـ وقد اتخذت هذا (المقهى) لتحوِّلَ رُكْناً منه (مقهى أدبيّاً) ، يلتقي فيه ثُلَّةٌ من الأدباء ، والشعراء ، والكتاب ، والمثقفين على إختلاف مُيولِهم ومَشاربِهم ، لهي بادرةٌ طيبةٌ ، وخطوةٌ مباركةٌ ، تجعل الفرحَ النبيلَ يعرفُ طريقه إلى قلوبنا ، وضوء الأمل يبرقُ في عيوننا ، ونتصوَّرُ أن عهْداً جديداً ، ومُغايراً ، يدفعُنا إلى أن نَدْفعَ عن كواهلنا اليأْسَ ، والكسلَ ، والخمولَ ، والحزنَ ، ونُدافعَ عن أنفسنا أمام الآخرين ، فنمحو تلك التهمة الراسخة في الأذهان والشعور بأننا قومٌ عقيمون في الأدب والابداع ، ولا نفلحُ إلاَّ في التجارة ، والتهريب ، وكل آفات المادة .. وأننا لا نرْتادُ إلاَّ أسواق البضائع ، والسمك ، والخرْداوات ، وجميع مواد الاستهلاك الحسيَّةِ .. أما أسواق الشعر ، والقصة ، والآداب الإنسانية ، والفنون الجميلة ، فنحن عنها بعيدون ، وغافلون ، ومنقطعو الصلة والتواصل  ... !!

لا .. لسنا ، كلُّنا ، كذلك ...

بل منَّا شعراءٌ ، وقصاصون ، وروائيون ، ومبدعون في أكثر من حقلٍ من حقول الأدب والفن ، همومهم تتجاوز هموم المادة الخالصة ، وتترفَّعُ عن الحياة (البهيميَّةِ) ، ويطمحون إلى أن يشاركوا في الحياة الأدبية الوطنية ، والعربية على السواء ، ويُدْلوا بدلائهم في آبار الإبداع الإنساني ، ويغترفوا غَرْفاتٍ قليلةً أو كثيرةً ، فائضةً أو يسيرةً ، ولكنها ظاهرةٌ للعيانِ على كلِّ حالٍ ...

ولنْ نكونَ بِدْعاً في هذا الأمر ؛ فلا يَخْفى عليكم أنَّ الوطنَ العربيَّ يعُجُّ بكثيرٍ من المقاهي الأدبية ، تحتضنُ أهل الأدب والفن والفكر والثقافة والصحافة ، وإن اختلفت من بلدٍ إلى آخر ، ولكنها جميعاً تشهدُ (على حركة التاريخ وأسراره ، وعلى من يأتي بالجديد والجيد في الفن والابداع) ـ كما قال الكاتب التونسي رشيد الذوادي ، في كتابه : (مقاهي الأدباء في الوطن العربي) .

ويضيفُ كذلك أن (المقهى الأدبي) يظلُّ شاهداً أيضاً على التقاط عمق الأحياء والطبقات الشعبية ، وعلى استقصاء المخزون من التراث ... ويُساهمُ إلى حدٍّ كبيرٍ في تحديد مسارات الأدب والفكر ، وفي توضيح الأحداث والتحولات التي يمُرُّ بها النَّاسُ .

وفي أجواء (القهوة والشاي ...) ، حفظت لنا (مقاهي الأدباء) هذا الجدل الواسع ، والكمَّ الهائل من الذكريات والأشواق والطرائف والنوادر والمِلَح .

وكثيرٌ من الأدباء العالميين ارتبطوا بمقاهي مُحدَّدة ، والتقوْا فيها بأنْدادِهم وعُشَّاقهم وتلاميذتهم ، وأجْرَوا فيها لقاءات مثمرةً ، وحوارات شيِّقَةً ، أضيفت إلى سجلِّ أعمالهم الابداعية ، منهم على سبيل الذكر الأديب العربي العالمي نجيب محفوظ (2006/1911) ، وهو نفسه أكَّد في شهادةٍ له عن (المقهى الأدبي) ، وقال :

ـ (إن المقهى في الذاكرة الشعبية كان يرْتادُهُ (الحكواتي) والأدباءُ ، وفيه حصلت أقاصيصٌ شائقةٌ ، واستأثر باهتمام المؤرخين والنقاد والأدباء ، ولعبَ دوْراً في انْهاضِ هِمَمِ الأدباء والنقاد والمبدعين ، وأسْهمَ بالتالي في (الحوار الموصول) بين المبدعين ورجالات الفكر على مرِّ الأيام .) .

ولا يفوتني ، في هذه الورقة البسيطة ، أن أذكر أنه قد يكون من بيننا من لا يَميلُ إلى شُرْبِ (القهوة) ، ويُفَضِّلُ عليها شُرْبَ (الشَّايِ) ، أو مشروباً غيرَهما ، ولكن من حَظِّنا الجيِّدِ أننا سنشربُها جميعاً في هذا (المقهى الأدبي) ...

فهنيئاً لكم يا أصدقاء هذا (المقهى الأدبي) .. وفي صحة الجميع : القهوة ، والشاي ، والأدب ، والحوار الذي نرجو أن يمتدَّ ، ويمتدَّ ، والحكايات الجديدة ، التي ستبدأ ـ إن شاء الله ـ في هذه المدينة ، ولا تنتهي فيها ...

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق