]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كانت رحلة مُغتمَّة!

بواسطة: حمد الغيداني  |  بتاريخ: 2013-12-15 ، الوقت: 09:11:34
  • تقييم المقالة:

إنتشرت أشعة الشمس في أجوازء الفضاء , ثم إقتحمت نافذتي حتى أجبرتني على الإستقاظ الباكر , فهرعت إلى المغسلة من أجل أن أطرد مابقيَ من آثار النوم العالقة على جفني , فإستقبلتني والدتي بوجهها البشوش , الذي ترتسم عليه آثار الغبطة والسرور, فكان ذلك غريب بالنسبة لي , فقد جرت العادة أن أستيقظ فآراها تصيح بصوتٍ عالٍ تنادي إختي الصغيرة "منى" لتساعدها في شأن من شؤون المنزل , أو تتجاذب أطراف الأحاديث الساخنة مع والدي فيما يخُص مصاريف المنزل , وخِلافه من هذه المشاكل الصغيرة التي لا تُساعدك على الإستيقاظ باكراً , وعندما رأتني أسير بخطواتٍ رتيبة نحو دورة المياه قالت : لا بدّ لك أن تكون على أهبّة الإستعداد ياحمد , لأننا اليوم سوف نذهب في نزهة عائليّة إلى مجمّع الحضاري , ولم يرضخ "فارس" للموافقة إلا بعد أن وعدته بأن تكون أنت أول الحاضرين معنا , لا أدري ماسر تعلّق فارس بك إلى هذا الحد العجيب .

لم أستسلم للموافقة على هذه الرحلة بسهولة , بل تمسّكت برفضي الشديد تمسُّك البائع بتلابيب سارقه , لولا أنني أشفقت عليها عندما بدأت تتوسّل إليَّ وتسترحمني بنظراتها البريئة , وقالت : نحن لا نخرج من المنزل إلا قليلاً , فحريّ بك ياحمد أن تكون أول المُرحبين بهذه الرحلة , بل وعلى رأسها , ونحن الآن في الإجازة الطويلة , والناس قد إنتشرت في المنتزهات والمجمعات والشاليهات إنتشار النمل على قطعة حلوى . فأذعنت إليها على كُرهٍ منّي .

ولَمَّا إنحدرت الشمس إلى مغربها , ونشر الظلام أجنحته في أرجاء المدينة , وعادت الطيور إلى أوكارها , وحان موعد خروجنا إلى هذه الرحلة المجهولة , فأحسنت هندامي , وتأنقت في لباسي , كما يتأنق الرجل لحفل زواجه , وجاء أخي الكبير فارس بصحبته زوجته "حصه" تتأبط ذراعه , وعندما علم بأنني قد وافقت على الذهاب معهم , إرتسمت على ثغره إبتسامة حقيقيّة , أنارت قسمات وجهه , فإنطلقنا نحو مدينة الحضاري الترفيهيّة , تحدونا الأماني العريضة , بأن تكون هذه الرحلة هيَ ضالتنا , ومصدر سعادتنا .

عندما وصلنا , ودلفنا عبر البوابة نحو المصطحات الخضراء التي يتكأ عليها نفرٌ من العائلات , وأنا أعني ما أقول عندما قُلت "العائلات" , لأنه لا مكان يلجأ إليه الشباب في مدينتي -إذا ما إستثنينا الإستراحات والمقاهي والملاعب المأجورة- , ولولا انني كنت أسير وبجانبي والدتي وإختي "منى" لظنّوا بجهلٍ منهم بأنني مادخلت إلى هنا إلا لغرض معاكسة الفتيات , وتصيّد المراهقات , كأن الله عندما خلق شباب فاسقين , لم يَخلق غيرهم صالحين , فهُم عندما يرَون فتىً متأنق , يسير نحو المجمعات بخطواتٍ وطيدة , يُخيّل إليهم بأنه نزلٌ خبيث , أو نبتةٍ فاسدة يجب أن تُجتثَّ من جذورها !

إفترشنا الزرع , وجلسنا وأساريرنا مُبتجهة , ثُمّ ألقيت نظرة باسمة على الأطفال وهم يروحون ويجيئون , من يراهم يُخيل إليه بأنهم ولدان سقطوا من السماء , فلم ترَ عيني أجمل من إبتساماتهم البريئة وهيَ تنتشر في أرجاء المكان , كأنهم كانوا الروح عندما عدمت , والقلب عندما سكنت نبضاته , بل كأنهم سِر الجمال الكامن في الأشياء الموجود , فعندما يغيبون , تنطفأ شمعة السعادة , وتذبل زهرة الأمل , فلا حياة بلا أطفال , إن لم يكن لا أطفال بلا حياة .

إجتذب نظري لعبة تقبع في آخر المهرجان على الجانب الأيمن محاذاة دورة المياه الرجاليّة , وقد كُنت أتمنى أن أمارسها مذ أن كُنت صغيراً , ولكن رَفْض والدي وتشددّه في ذلك الوقت حال دوني ودون ذلك , وكأنه حرمني من اللعبة التي أرى فيها سعادتي , بل كأنه حرمني حينها من أن أمارس حُريتي كطفلٍ يُريد أن يلهو ويمرح بما أحلَّ الله عليه من ملهيات , وكان فارس حينها يشكو ألم في بطنه , فرأيتها فرصة سانحة بأن أُسقط عصفورين بحجر , عندما أشرت عليه أن يذهب لدورات المياه , وأن أكون مصاحباً له لِكي أرى تلك اللعبة وأقترب منها إقتراب المؤمن من باب الجنّة .

دلفنا إلى دورات المياه , ودخل فارس إليها بخطوات مُتسارعة , وكنت أتمنى أن يُطيل المكوث فيها , حتى أستمتع بهذه اللحظة التي تمنيّتها في صباي , كما ينبغي للإستمتاع أن يكون , بالإقتراب من تلك اللعبة التي يقطنها عددٌ هائل من الأطفال , وبعد هنيهة من الزمن وبينما أنا أريد أن أخطو أولى خطواتي نحو ما أروم فعله , رأيتُ رجلاً غريب المنظر , بل إن في منظره من الخشونة والجمود ما يُنفّر نظر الناظر إليه , فتبيّن لي حينها بأنه من رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر , كان يقترب مني إقتراب الجلاد من سجينه , وخُيَّل إليّ بأن في عينيه جمرتان من شدة حرارتهما تغلي بهما دماغه , فوقع في نفسي أن أكون قد ضايقته في الماضي وعاد اليوم لينتقم مني , أو ربما أكون قد تشاجرت مع أحد أبنائه وأدميته بغير قصدٍ منّي , أو رُبما وقع نظري على إحدى فتياته فظنّ بأنني أعاكسها , فقاطعني من هذا الذهول بصوته الأجش : أين أهلك ياولد ؟

لم تروقني لهجته إطلاقاً , فأدركني حنقٌ عليه , وكدت أن أتصارع معه لولا أن أخي فارس في تلك اللحظة قد خرج من دورت المياه , وقال : أنا أخوه , وإن كنت تريد أن تتأكد من وجود عائلتنا , فلا مانع لدينا في ذلك . فقال الرجل بعد أن تغيّرت ملامح وجهه وسكنت وهدأ ثائرها : ليس لدي شك , وأهلاً بكما ومرحباً , ولكنّ منظر أخوك يدل على أنه شاب طائش , فأردت أن أتأكد منه لا أكثر , كما أنني أنصحكما بأن لا تتجاوزا مكانَ أهليكما درءاً للمفاسد , والسلام . ثمّ مضى من أمامنا وإنساب بن الأشجار والأحراش , وكنت أقول في نفسي حينها : إن كان هذا الرجل قد حاصرته نظرات الشك والفضول فقط لأن ثيابي نظيفة ومنظري أنيق فماذا يُريدني أن أرتدي هذا المأفون الأبله ؟ هل أرتدي قمصان مُرقعة وخُلقٌ بالية حتى أظهر بعينه رجل صالح , إنه لا يُريد أن يفهم عن الشباب , إلا مايُريد أن يفهمه بنظرته السوداويّة المُتحجرة الحمقاء , وربما لن يهدأ ثائره حقاً حتى يرى الشباب كلهم قد وضعوا خماراً على وجوههم , وغابوا عن الأنظار برُمتها , فلو كنت حقاً أريد الفساد لعرفت سبيله فسلكته , ولعرفت بابه فطرقته , دون أن أتكلّف وأخاطر في المجيء لمثل هذا المكان الذي يَعجُّ بمئات الحرّاس .

رَبَتَ أخي فارس على كتفي وحنى على ظهري بعد أن رأى غيمةً سوداء من الحزن قد هجمت على ملامح وجهي , وأشار عليَّ بأن نلزم أهالينا كما قال ذلك الرجل حتى تنتهي هذه الرحلة البائسة , لأنها رحلة عائليّة -بزعمهم- ولا يحق للشباب أن يستمتعون بها , إنساق عقلي لفكرته إنسياق النعاج لراعيها , بينما كان قلبي يشيط غضباً من هذا المُجتمع الذي أراه مُتخلفاً بعاداته وتقاليده , يظنون أنهم يتمسكون بدينهم عندما يأمرون بعدم حضور الشباب لمثل هذه المهرجانات , وهم أبعد ما يكونون عن ذلك , ولو كانوا حقاً قد تمسكوا بدينهم بحذافيره , لَمَا رأينا الحزين والمكتئب , والبائس والمنكوب , إن الله أنزل علينا الكتاب لنمشي في الأرض مرحاً , ما أنزله علينا لنشقى .

وبعد أن أغلقوا الأنوار , وعمَّ الظلام أرجاء المكان , كانت النجوم المتلألأة وحدها فقط هيَ من تضيء علينا , ألقيت نظرة أخيرة على تِلك اللعبة , التي كنت أتمنى أن أدنو منها فلم أستطع , فهيَ محرومة عليَّ مُمارستا صغيراً , وها هُم اليوم قد حرموني من لذّة النظر إليها كبيراً , ولم أسترجع تلك النظرة إلا وصارت عيني مُبللة بالدموع .

وعندما عُدنا إلى المنزل كانت الضحكات ترتفع من والدتي وأختي والخادمة من فرط سعادتهم التي نالوها في هذه الرحلة , فكانت سعادتهم هيَ تَعِلّتي وعزائي الوحيد .

6\18\2013 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق