]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

خطأ طبي.. أم قضاء ربي.!!

بواسطة: المحامي إيهاب ابراهيم  |  بتاريخ: 2013-12-13 ، الوقت: 19:35:38
  • تقييم المقالة:

تختلف نظرة البشر ومدى مقاربتهم للأمور بإختلاف مشاربهم وخلفياتهم الثقافية او الدينية وتحصيلهم العلمي ومدى الوعي سعةً او ضيقاً وخاصة في تقييمهم لحادثة وفاة شخص نتيجة خطأ طبي او علاج او عمل جراحي ما فذوي المريض وأقاربه وأحبائه يعتبرونه خطأً طبياً صرفا ًيقع على عاتق الطبيب المعالج او الجرّاح بينما أهل الطب فيلجأون في الكثير من الأحيان الى رد الأمر الى القضاء والقدر للدفاع عن سمعتهم وشرفهم المهني وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان وكلٌ يشد البساط الى طرفه وهنا تنشأ المعضلة وتتفاقم الأزمة وخاصة حال إنتشارها وتكرارها وإتساع رقعتها في طول البلاد وعرضها وقد يصل الأمر الى القضاء ليقول كلمته الفصل بين القولين وذلك وفقاً للقوانين والتشريعات الوضعية والإجتهادات وبعد إستشارة واستخارة أهل الرأي والخبرة الفنية والطبية ليصار الى إصدار القرار الحاسم أهو خطأ طبي أم قضاء ربي..

إن الجدل القائم بين الفقه والقانون هو حول طبيعة مسؤولية الطبيب هل هي مسؤولية عقدية ناجمة عن عقد بين الطبيب ومريضه أم مسؤولية تقصيرية ناجمة عن التقصير والاهمال .. لا شك ان المنطق البديهي للأمور يفترض ان مسؤولية الطبيب تجاه مريضه هي إلتزام ببذل عناية بالمفهوم العام والعريض وإن كان هناك بعض الاستثناءات الضيقة والتي لا مجال لذكرها هنا .

إن المشرع السوري فعل حسناً بأن جعل مسؤولية الطبيب تقصيرية لأن نطاقها أوسع وأعم وحمايتها أكبر فهو يشمل الضرر المتوقع والضرر الغير متوقع كما نصت عليه المادة \164\ من القانون المدني السوري (كل خطأ سبب ضرر للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض )

اما في المسؤولية العقدية فلا يشمل التعويض سوى الضرر المتوقع إضافة الى أنه في حال تعدد المسؤولين عن الضرر فلا يفترض التضامن بينهم وفقاً لقواعد المسؤولية العقدية بينما في المسؤولية التقصيرية فالتضامن مفترض وفقا لنص المادة \170\مدني سوري .
ايضاً في المسؤولية العقدية أجاز القانون في المادة \218\مدني سوري الإتفاق على إعفاء المدين (اي الطبيب) من أي مسؤولية تنشأ عن عدم تنفيذ إلتزامه العقدي إلا في حالة الغش والخطأ الجسيم اما الإعفاء من المسؤولية طبقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية فيقع باطلاً لأنها من متعلقات النظام العام .

وعليه نرى أن مسؤولية الطبيب اذا كانت عقدية فهو ملزم بموجبها بتحقيق نتيجة معينة لمريضه وإذا لم تتحقق حكم عليه بالتعويض لعدم تنفيذ إلتزامه بحسب نص المادة \216\مدني سوري اما في المسؤولية التقصيرية فيلتزم بموجبها الطبيب ببذل عناية والعناية المطلوبة هنا هي عناية الطبيب العادي بعد مراعاته لأصول مهنة الطب وبالنتيجة فهي تفترض الخطأ والضرر والعلاقة السببية مادة \164\مدني سوري .

لذلك يشترط لثبوت التقصير وجود دليل على ذلك وبما أننا أمام نشاط وعمل بشري فلا بد من وقوع الأخطاء والإهمال وخاصة عند عدم توخي الدقة والحيطة المطلوبة او السرعة المطلوبة في بعض الأحيان لذا نرى تنوع وتعدد بالاخطاء المرتكبة كالخطأ بالتشخيص او العلاج او التعقيم او الجراحة وهي من الأخطاء المهنية والإجتهاد القضائي حمّل الطبيب المسؤولية وألزمه بالتعويض عندما يتصل الأمر بالإهمال بالواجبات العامة للطبيب .

وعن المسؤولية الجزائية للطبيب في القانون السوري نرى أن الطبيب لا يسأل عن إرتكابه لجرم أثناء علاجه للمريض في حال آدى هذا العلاج او العمل الجراحي الى الوفاة او تعطيل عضو او احداث عاهة دائمة او نسبة عجز إلا في حالة الخطأ المهني الجسيم (لذلك فعدم مهارة الطبيب او جهله بأساليب وطرق العلاج الحديثة هي أمور تغفر للطبيب ولا يسأل عنها ولكنه يسأل في حال الإهمال المفرط مثل استخدام أدوات طبية غير معقمة او حالة دخول العمل الجراحي تحت تأثير الكحول او المخدر او كما في حالة الإمتناع عن الإستمرار في معالجة الطبيب.

إن نص المادة \185\عقوبات عامة أعطت للطبيب حصانة تجاه الأضرار التي تحدث أثناء مزاولة المهنة حيث نصت:
(لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة -2- يجيز القانون: ب - العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط ان تجري برضى العليل او رضى ممثليه الشرعيين او حالات الضرورة الماسة )

لذلك إعتبر تشريعنا السوري الأخطاء التي يرتكبها الطبيب بحق المريض والتي تسبب ضرراً من قبل الجرائم الغير مقصودة وبالتالي فهي ناجمة عن الإهمال او قلة الإحتراز او عدم مراعاة القوانين والأنظمة ما لم يتم إثبات العكس بالأدلة المقبولة قانوناً .

اذاً معيار مسألة الطبيب هو إنحرافه عن القواعد العامة التي تتطلبها الحيطة وحسن التقدير وأصول مهنة الطب من الناحية الفنية والمهنية وكان هذا نتيجة التطور العلمي في طرق وأساليب العلاج فقد أصبح الأطباء لا يسألون عن الأخطاء المتعمدة فقط بل عن الإهمال والخطأ الطبي المهني الجسيم الناجم عن قلة التبصر او عدم مراعاة مبادىء وأصول مهنة الطب كما ذكرنا سابقاً .

وبالتالي لتحديد مسؤولية أي طبيب عن عمل جراحي او علاجي ما لا بد لنا من تعريف الخطأ الطبي أولاً .
فالخطأ الطبي : هو الخطأ الذي يقع من طبيب نتيجة تقصيره وإهماله في إلتزامه ببذل عناية يفترض فيها العناية التي تقتضيها الأصول العلمية في الطب والتي يتوجب أن يقدمها طبيب في مستواه المهني فيما لو وجد في نفس الظروف .

وعليه فإن مسؤولية الطبيب تتحقق ويتوجب على القضاء مسألته في كل خطأ مهما كان نوعه سواء كان يسيراً او جسيماً عادياً او فنياً فهو مسؤول عن كل تقصير في مسلكه الطبي إذا لم يكن يتصور وقوعه من طبيب يكون في مستواه الطبي اذا وجد في نفس ظروفه التي أحاطت به أثناء ممارسته للعمل الطبي .

وعليه كما قلنا سابقاً ونظرياً فعل حسناً المشرع السوري بأخذه بمبدأ المسؤولية التقصيرية للطبيب المخطىء في سلوكه المهني فنرى اتجاه الإجتهاد الى توسيع دائرة الخطأ الطبي وخاصة من قبل محكمة النقض في العديد من إجتهاداتها نرى منها على سبيل المثال :( إن مسؤولية الطبيب تخضع للقواعد العامة متى تحقق وجود الخطأ مهما كان نوعه سواء كان فني او غير فني جسيم او هين فالطبيب الجراح مفروض عليه أن يتصل بالمشفى ليسأل عن مريضه وأن يترك عنوانه للاتصال به لإسعاف المريض ومخالفة ذلك تفسح المجال امام القضاء لتقدير المسؤولية والتعويض عنها ما دام الأمر يتصل بالإهمال او الواجبات العامة للطبيب وليس بمسائل فنية  )

وفي قرار مشابه صادر عن دائرة التمييز الكويتية نقرأ ( إن المناط في مسؤولية الطبيب عن خطأه المهني أن يثبت بصورة واضحة وأكيدة أنه قد خالف في سلوكه عن جهل او تهاون أصول الفن الطبي الثابتة وقواعده العلمية التي لا مجال للجدل او الخلاف عليها  )
ولكن عملياً على أرض الواقع .. لا نرى أي فعالية للحماية التي أعطاها القانون للمريض او المصاب نتيجة خطأ طبي في قضاءنا السوري فنكاد لا نسمع بأي حكم او قرار صدر بحق طبيب مخطىء او مخالف لإرتكابه خطأً مهنياً بحق مريض آدى الى وفاته او إعاقته .!! ولكن ما السبب ..؟؟

إن الإشكالية تكمن في أن القاضي الناظر في الدعوى شخص غير مختص في الأمور والمسائل الفنية والعلوم الطبية وهذا أمر واقع وليس عيباً لذلك فهو يلجأ في تحديده للمسؤولية من عدمها الى الخبرة الفنية الطبيبة عبر أطباء تابعين الى نقابة الأطباء فيقوم هؤلاء بتقديم تقريرهم الفني حول الواقعة وخبرتهم في هذا المجال ستكون محط إعتبار من قبل القضاء وذلك إمّا من باب مساندة الطبيب المخاصم من باب الزمالة او المجاملة او دفاعاً عن سمعة وشرف مهنة الطب فغالباً ما يتم وصف الخطأ بأنه من الأخطاء التقليدية التي لم تكن سبباً للوفاة او الإصابة بالمشكلة وفي النهاية يتم تمييع الموضوع وخلق الأعذار لستر عورة الطبيب المخطىء بحق الإنسان المريض او المتوفى وعائلته .

وهذا يقودنا في نهاية المطاف الى أن القضاء في سورية ومن غير قصد ونتيجة قصور في الرؤيا يقوم بعدم مسألة الكثير من الأطباء والذين إرتكبوا أخطاء طبية ومهنية قاتلة بحق المتضرر واسرته وذويه وبحق مهنة الطب ككل ولكن للأسف من وجهة نظر القانون فهم غير مدانون او مسؤولون عن أفعالهم وما سببت من أضرار للغير كون المعيار الذي يتم فيه مسألة الطبيب من عدمه هو الخبرة الفنية التي يتم إعتمادها ...؟؟

لذلك اقترح على دور القضاء الإبتعاد قدر الإمكان عن الخوض في النقاشات العلمية الطبية البحتة عند تقدير مسؤولية الأطباء وأن يقتصر دور القاضي على التثبت من خطأ الطبيب فيما إعتمده واتبعه من أساليب وطرق علاج وتشخيص وجراحة ومدى مطابقتها مع الأصول الفنية لمهنة الطب وهذا يفترض بدوره على المشرع أن يطور تشريعاته وقوانينه وذلك عبر وضع قواعد وشروط صارمة وحازمة ودقيقة ومحددة بشكل دقيق أمام القاضي (وذلك عبر جداول معتبرة وواضحة ومعتمدة من قبل هيئات ومؤسسات دولية ) ليتمكن بموجبها من تقييم الخطأ الطبي المهني ومدى مطابقة عمل الطبيب لأصول مهنة الطب والواجبات المهنية حتى لا تبقى مصائر الناس وأحلامهم وحتى تعويضاتهم التي قد لا تسكّن جراحاتهم مرهوناً بين أيدي الأطباء العابثين وتقاريرهم الجنونية والتي لا تراعي في كثير من الأحيان الموضوعية والعدالة في آراءها وأحكامها كونها مشوبة بالإنحياز وعدم الاستقلالية ...

وفي النهاية نأمل من المشرع العزيز وضع حد للتلاعب بأرواح الناس وحياتهم وعدم الاستهتار بها بشكل إعتباطي حتى نصل فيه الى وقت يتم محاسبة المخطىء ومكافأة المصيب الى أن يأتي هذا اليوم نأمل أن لا تقع أية أخطاء طبية آخرى ...


بقلم المحامي : إيهاب ابراهيم - www.facebook.com/ihab ibrahem
              e.mail:ihab_1975@hotmail.com

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق