]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ما ندركه لاحقاً

بواسطة: جمال ابراهيم المصري  |  بتاريخ: 2013-12-11 ، الوقت: 11:46:21
  • تقييم المقالة:
ما ندركه لاحقـاً

 

        كبرت وما عدت طفلاً .. كبرت ولم تعـد تـرى عينـــي لا أبـاً ولا أمّـاً .. ولـم أعـد أجد أحـداً يحنّ وينشغــل ويخاف عليّ .. كبرت واكتشفت أن الدواء مـن يــد أبي وأمي لم يكـن عصيراً .. واكتشفت أن جـدّي لــن يعــود ثانية كما كانت تقول لي أمّــي .. كبرت ولم أعــد أجد على سريــري  يــداً تمسح على رأسـي أو تقـبـّل يداي إن أصابني مرض أو ألم .. أو إذا كنت فقط  أمثـّل لأحصل على دلالاً  عندما أحتاج الحنيـن ، وبعـد الكبر اكتشفت أن هناك أشياءً تخيف أكثر من الظلام أو من ( ألعو .. حسب أمي ) ، كبرت ولـــم يعـد الحب الأوّل يبكيني ولــم تعـد ذكريات ( سلوى ) ولا ( سعاد ) تراودني .. بــل أصبحت أبكي علــى قصصي أنــا ، والآن فـقط أدركـت أن وراء ضحكة أمي كانت تختبئ ألف دمعة وأنيـن وألم أعصاب ومفاصل .. وأن جسدهـا كـــان يتآكل رويـداً رويداً دون شكوى في سبيل راحتي .. وأن وراء قوّة أبي كان يستتر ألف مرض وألم ، وخلف تبسّمه في وجهي كان يثقلـه هـمّ عيشي وحاجياتي ولم يكن ليستكين .. بلّ كان جلّ همّه كيف يدبـّر أمــره ليحضر لي مـا طلبت ولو كـان على حساب جســده وكرامتــه .

    أدركت الآن وبعد أن فقدت والديّ  أنني سأعبر الشارع وحدي ولــن يمسك بيــدي أحــد ، وعلــيّ أن أواجــه المخاطر وحيداً .. ولم أعد أسمع منه كلمات أحرفها مــن ذهـــب .. للنصح والإرشاد الصادق ، وأن مشاكلي مــا عــادت تحلّ بقطعة حلوى أو حذاء جديـد أو قرشين .. كبرت ولم أكن أعلـم أن العمــر بهذا القــدر قصير .. الآن أدركـت أن طفولتي كانت فاتورة كبيرة جداً على حساب الآخرين على حساب أبي وأمي .. وتفاصيل الفاتورة لـم تكن النقود فقط  ، بل السّهر والانشغال والشقاء والأمل والانتظار والأنين .  

       وأدركت أنهما الوحيدان فقط على ظهر هــذه الأرض ، يعطيانني دونما طلــب الاسترداد أو ســدّاد للدّين ..

كيف لا أبكي وبفقدان أمي وأبي أغلق بابان للجنـّة .. كيف لا أبكي والوحيدة التي حملتـني من جنس حوّاء هــي أمي ولن ولم تحملني بعدها أنثى .. كيف لا أبكي والوحيد الذي أعطاني دونما حساب لــم يـكن ســوى أبــي ..!! ودعوني أعتذر ( من نيوتن ) لأني اكتشفت أن ســرّ الجاذبيـّة في هذه الحياة كانت أمّـي ، وأنها امرأة لن تتكرّر .. واعتذاري ( لأديسون ) لأني أدركت أن أول مصباح أنــار درب حياتي هو أبي .. مصباح أبداً مــا كان ينطفئ لا ليلاً ولا  نهاراً .. ولا أشـهراً ولا سنينــاً .. مصباحــاً لا يعــمل بالكهرباء ولا بالزيــت .. بــل بالحـــب الحقيقي وبالمشاعر وبالدم والدموع .. حتى بعـد مماته يراودني في حلمي ليعاتبني أو يرشدني أو يبتسم لي .

     فيا من لا تزال تحظى بوالديك أو أحدهما ، اغتنم فرصة باب الجنة المفتوح لك على ذراعيه ، ولا تقل لهــما أفّ ولا تنهرهما ، وأبداً لا تبدّي عنهما أيّ أمـر ولا شخص في حياتـك ولا حتى نفسك وولدك ، فانك لا تدري ما أحدثت لهما في صغرك من عناء وشقاء .. ولـم تـك تشعـر بأنـك كنت عليهما أغلـــى مـــن روحهما .. فلا تبخـل عليهما بالسؤال ولا بالابتسامة التي كانت همهما ولا تزال بأن يفعلـوا أيّ شيء .. أيّ شيء ليشاهدوهــا دومــاً على مقلتيك .

 

   

Jamalmasri60@gmail.com

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق