]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مدينتي بين الأمس واليوم .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-12-04 ، الوقت: 08:19:45
  • تقييم المقالة:

يبدو أنَّ المدينةَ حين تكبرُ ، تكبرُ معها المشاكلُ والأزماتُ . وأنَّ ماضيها يكون أفضلَ من حاضرِها ، خاصَّةً إذا تولَّى أمورَها رجالٌ لا يُخْلصون للتُّراثِ ، ولا يحسنون التَّجْديدََ ، ولا يحْسبونَ إلآَّ حساباتهم البنكيَّةَ !!

ومدينة الناظور من المدن التي كبرت ، في العقود الأخيرة ، وشهدت تغييراتٍ ملموسةً في بُنْيتِها وساكنيها وعاداتِها ، ولكنها تغييراتٌ غير حسنةٍ ، وغير مُرْضيةٍ !!

وتجدُ كثيراً من أبناء الناظور المخلصين يتحسَّرون على مدينتهم العريقةِ ، ويتذكَّرون معالمَها المُندثرةَ ، وشوارعَها القديمة ، ويبْكون عليها .

ولنأخذ على سبيل المثال ، شارع محمد الخامس :

فالحالةُ التي كان عليها في السنوات الماضية أحسنُ من الحالة التي صارَ إليها اليومَ ؛ فقد كانَ شارعاً أخضر ، تصطفُّ على جانبيْه أشجارٌ وارفةٌ ، يستظِلُّ تحتها روادُ المقاهي ينْعمون بجلساتٍ مُمتعة ، يشربون القهوة أو الشاي ، ويشهدونَ أحداثاً بسيطةً لا عُنْف فيها ولا صخب ، ولا قلق ولا توتُّرَ ... أمَّا اليومَ فقد صار مساحةً إسمنتيَّةً جرداءَ من الخُضرةِ ، ومن البساطة ، ومن الوداعةِ والبراءة والسَّكينةِ ، وأصبح مُلتقى لكائنات عصر الحداثة والعولمة ، وفضاءً للمهرجانات والأنشطة الزاعقة والصارخة ، ولكثيرٍ من الفضائح والفظائع .

وليس خافياً على سكان الناظور الحالةُ المُزْرِيَةُ التي يشهدُها الطريقُ السَّيَّارُ ، الممتدُّ بين الناظور وأزغنغان ؛ فبمجرَّدِ سقوط بعض كمِّياتٍ من الأمطار ، حتى تغمُرَ المياهُ جانبيْ الطريق ، وتملأُ الأحواضَ والحُفَرَ ، ويتكوَّنُ الطينُ والوحلُ ، وتتعرقلُ حركةُ المرور ، سواء للسيارات أو العابرين ، مع أن هذا الطريق شهدَ منذ سنواتٍ قليلةٍ إصلاحاً كبيراً ، استغرق وقتاً طويلاً ومالاً كثيراً ، ممَّا يدفعُنا إلى أن نُرَدِّدَ ساخرين :

ـ وهلْ يُصْلِحُ المالُ ما يُفْسدُهُ بعضُ المسئولين ؟!

أمَّا قضيةُ العقار فهي أُمُّ القضايا في هذه المدينة المُسْتباحةِ ؛ فقد استحوذَ على مِلَفَّاتِهِ رجالٌ معدودون ، يعتبرون من كبار أعيان المدينة ، ومن أكابر مسئوليها ، يتصرفون فيه على حسب أهوائهم ومصالحهم ، ويرسمون خططاً ، ويَعْقِدون صفقاتٍ ، ويَرْفعون الأسْعارَ في جِهةٍ ، ويُخْفضونها في جهةٍ أخرى ، ويُبيحون تارةً ، ويمنعون تارةً أخرى ، ويُعْلنون ويُسِرُّونَ القوانين كما يشاءون ، وكأنَّ الناظور مزرعتُهم السعيدةُ وحْدهم ، لا يُشاركهم فيها باقي المواطنين ، ويتربَّصون بكثيرٍ من المشروعات الوطنية التي تكونُ في بداية إعلانها لفائدة المواطنين جميعاً ، وبقُدْرتهم يُحوِّلونَها إلى مشروعات خاصَّةٍ ، ويتحكَّمون فيها لفائدتهم فقط ؛ فكم من بُقَعٍ للتَّعمير سمعَ الناسُ أنها تساوي مبالغَ محدَّدَةً وحين اقتربوا منها تفاجأوا أنها تساوي مبالغ خياليَّةً ، وأنها صارت محجوزةً من طرف أشخاصٍ تجْري في عُروقهم دماءٌ لها مذاقُ (كيتْشوبْ) !!

والأهالي أنفُسُهم صاروا خليطاً من السكان الأصليين ومن الوافدين من أقاليم أخرى ، بل حتى من بلدانٍ بعيدةٍ (الأفارقة على سبيل المثال) ، نزَحوا إلى مدينة الناظور بأعْدادٍ متزايدةٍ ، وقد حملوا معهم عاداتٍ وطباعاً غيرَ عاداتنا وطباعنا ، وعمَّروا مناطقَ كثيرةً ، أنشأوا فيها سَكناً عشوائيّاً ، وجعلوا يُزاولون أعمالاً غريبةً عن المنطقة ، ويعيشون معيشةً يطْغَى عليها التَّهريبُ والفسادُ والجريمةُ ، مما نتجَ عنها ظواهرٌ سلبيَّةٌ ، وسلوكاتٌ غير شريفة ومحترمةٍ ، وارتفعت معدلات الجريمة والدَّعارة والسرقة والعنف ... ولم يعدْ بإمكاننا أن نُفرِّقَ بين الأصيل والدَّخيلِ ، ونُميِّزَ بين شبابنا ورجالنا وبناتنا ونسائنا وبين غيرهم من الوافدين والوافدات ؛ فقد ضاع الجوهرُ والقديمُ كلُّهُما بضياعِ الهُوِّيَّةِ والشخصية ، وانعكسَ ذلك على الأزياء ، والأذواق ، والتصرفات ، والحفلات ، والمناسبات ، والبيوت ، كل البيوت !!

ويبقى الحديثُ ذا شجونٍ لو تطرَّقْنا إلى قضايا أخرى تمسُّ جوانب السياسة ، والاقتصاد ، والصحة ، والتعليم ، والنقل ، والرياضة ، والانتخابات ...

ولوْ سألْتَ اثنيْنَ من أبناء الناظور ، بطريقة اعتباطيَّةٍ ، فلن يخْتلفا على أنَّ كُلَّ هذه الأمور سيئةٌ . وقلَّما تُصادفُ من يقولُ لك : إنَّ فلاناً الرجل المسئول شخصٌ صالحٌ ، ولوْ كانَ إماماً يخطبُ في الناس يوم الجمعة ؛ فكثيرٌ من الأئمَّةِ أنفسهم خلطوا خُطبهم بين الدين والسياسة ، وراحوا يُخلصون لبعض الأحزاب أكثر مما يخلصون لله ، فقلوبهم مع الآخرة وأيديهم تغْرفُ من متاع الدنيا وكثيرٍ من الشبهات !!

يا حسرةً على الناظور ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق