]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

يامهوّن .. هوّن

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2013-11-29 ، الوقت: 21:33:15
  • تقييم المقالة:

حسبته كما الأهرامات شموخاً وقوة .. حسبته كما الوطن كبرياءاً وعزة .. حسبته كما والنيل الذى يقف  بشاطئه الغربى أصالةً وتاريخاً.. وقد ارتكز بقدمه اليُمنى على صخرة حجرية تُزخرفها لغة هيروغليفية .. ورسوم فرعونية .. قد اتضحت لناظرى عندما تسللت نحوه  خلسة  لاستيضاح أمره فضولاً واعتزازاً .. بينما فساقه اليسرى قد تركها ممدودة باستقامتها  مرتكزاً  برسغ مرفقه على قدمه اليمنى التى هى فوق الحجر .. لكنه لم يستطع أن يجعل من ظهره متناً قائماً من دون انكسار .. بعوامل الزمن التى تدل عليها خيوط المشيب التى تُزين رأسه  .. هو ذات الوجه الشاحب وعيناه اللتان راحتا تدققان فى مياه النيل الجارية  والقادمة هى من أعماق افريقيا  متجهة نحو مياه المتوسط ..

ذهب الرجل بخياله الى الماضى  القريب حيث كان مرابطاً على حدود الوطن كما ورفاقه ليرد غارات الأعداء  وقت ان كان شاباً يؤدى ضريبة الدفاع لأجل وطنه وبلاده .. تذكر يوم ان كان  حاملا سلاحه على مقربة من الحدود الشرقية  حيث هجمات العدو المتكررة على سكان القرى الملاصقة للحدود .. واذا بصراخ طفل يقدم من بعيد يخترق سكون المكان .. فتوجه نحوه مسرعاً .. فاذا بامرأة تضمه الى صدرها .. بينما الصغير فنظر اليه ساعتها ثم ابتسم وأغمض عينيه ونام.. سأل أمه وقتها عن سر صراخ صغيرها ..  قالت .. هرولت خائفة كما وغيرى عند قدوم فرق الموت  العدائية  والتى هاجمتنا  ثم عادت أدراجها بمجرد قدومك.. وقد صرخ صغيرى لخوفى ..  ثم هدىء لمجرد أن هدأت بقدومك .. فنام مطمئناً .. سألها عن ثمة شىء تحتاجه .. قالت: انى أنتظر موتى  بين الفينة والأخرى جرّاء اصابة شديدة برصاص الأعداء وقد مات زوجىالشهيد  منذ وقتٍ طويل وإنى عازمة على ارسال صغيرى الى ديارأهل أبيه من صباح الغد .. وانى  أستأمنك وصيتى .. قال : وما وصيتك ؟  قالت : هى لفافة كبيرة من نقود.. انها مال صغيرى من أبيه المقتول بأيدى الأعداء وأخاف أن يضيع منى  ان مت..  احتفظ بها  لاتعطها الى صغيرى الاعندما يرشُد..  فسألها : ولم لاترسلينها اليهم مع الصغير .. أتأمنيهم عليه ولاتأمنيهم على ماله ؟ .. قالت : انه منهم ولن يقتلوه انما أخاف أن يبددوا مال أبيه وقد أوصانى عند موته  ألا أوصى بمال صغيره ان حدث لى مكروه الا للشرفاء من جند الوطن .. هى وصيتى أرجوك فلا تُعطيه ماله الا عندما يبلغ رشده .. فسألها: وأين هى ديار أهل أبيه؟ .. قالت : فى الجهة المقابلة للصخرة الفرعونية .. قال وماإسمه  ؟.. قالت : ابن الجريح.. هكذا سموه أهل القرية  لمولده عند موت أبيه بجراحه اثر اغارة فرق الموت الشرقية من الأعداء .. (أعطته لفافة مال الصغير ورحلت عنه مستحلفة ايّاه بانفاذ وصيتها)..

وها هو اليوم قد قدم الى الصخرة الفرعونية من الجهة الغربية للنهر حيث تقابلها قرية صغير الأمس .. ابن الجريح..  والذى ينبغى اليوم أن يكون شاباً يافعاً .. انه لازال محدقاً عيناه على صفحات النيل  .. بينما فمياه النيل لازالت تواصل السير الى الشمال..  بل لازال ذو الوجه الشاحب  سارحاً بخياله .. واذا بصراخ عجوز فى الجهة المقابلة من النهر  يقطع الصمت ..انها تستغيث وقد هاجمها شاب يافع  لم يرحم شيبها أوكبر سنها أوانحناءاتظهرها.. بينما هى فراحت تستحلفه بوطنيته وشبابه ورجولته وقوته أن يرحم ضعفها وهِرمِها  وانحناءات ظهرها .. لم تُفلح استغاثة العجوز فى اقصاء الشاب عما عزم وقد نجح فى الاستيلاء على  نقودها وقد لطم وجهها وركلها بقدميه .. بينما هى فقد استماتت على كتاب قد ضمّته الى صدرها .. بينما هو فقد أصرّ على الاستيلاء على الكتاب أيضا .. وبين تمسكها هى به واصراره هو على الاستيلاء عليه .. أحدثَ بها جرحاً غائراً فارتمت مُدرّجة بدمائها..  بينما هو فراح يُمزّق أوراق الكتاب والتى انتثرت بفعل حركة الهواء القوية حيث سقطت احداها على الجهة المقابلة للنهر تحت أقدام صاحب الوجه الشاحب المُرتكز بقدمه اليمنى على الصخرة  الفرعونية .. انتفض الدم  برأس  صاحب الوجه الشاحب وكذا أنا الواقف مستترا خلفه لكننا لم نقدران على اغاثة العجوز وقد منعنا هِرمنا وانحناء ظهرينا واتساع صفحات النهر الحائلة مابينننا والعجوز المُلقاة بدمائها كماوورقات الكتاب المنثورة  .. التقط الرجل ورقة من ورقات الكتاب المتطايرة والمتساقطة تحت قدميه وراح يقرأها  .. واذا بذات الشاب فى الجهة المقابلة  يأمره بالرحيل قائلاً : ان لم ترحل الأن وكأنك لم تر شىء فسأتى اليك لأخبرك من هوأنا .. فقال له : ومن أنت اذاً .. قال : أنا ابن الجريح .. هنا صرخ ذو الوجه الشاحب بكل قوته قائلاً ثلاث كلمات .. لا .. لا .. لا . فدنوت أنا منه وسألته : لماذا قد صرخت .. وما هو سر لاءاتك الثلاث .. فقص لى سره وسر قدومه ..  ثم قال : قرأت بالورقة  ثلاث كلمات (( الوطن يحميه شبابه )) .. وبيدى وصية هى أمانة من مال  ..  وطفل الأمس هو شاب اليوم وهو ابن الجريح وقد طعن   العجوز .. ومزّق الكتاب..  فتذكرت الأمس القريب وهتفت بلاءاتى الثلاث ..

لاءتى الأولى ..لاتهددنى بأذاك وقد أذيت العجوز قبلى..وأنا القادم اليك من الأمس القريب وقد أمّنتك صغيراً فى حجر أمك..

لاءتى الثانية ..  لاتسرق مال ذويك وقد حافظت  على مالك طوال ذلك العمر بقوة شبابى ..

لاءتى الثالثة .. لاتدع أوراق الكتاب منثورة وقد بدّدتها  وبها  تاريخ بلادك  وقد حماه أبوك  من أعدائه وقد مات دونه.. ثم صمت الرجُل .. واذا بفلوكة  قادمة من الجنوب .. وقد قدم منها صوت شجى بناىٍ  جميل  يُرتل تلك الكلمات .. ((يامهون..هون هون. .هونها.. هونها وقول.. يا مهون .. هون على  طول.....(( .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق