]]>
خواطر :
سألت البهائم ذئبا دموعه تنهمرُ...ما أبكاك يا ذئب ، أهو العجز أم قلة الحال...في زمن كثرة الذئابُ واشتد فيه الازدحامُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التصفيق

بواسطة: أوس اللقيس  |  بتاريخ: 2013-11-29 ، الوقت: 19:54:33
  • تقييم المقالة:

.في أي لقاء جماهيري,ندوة كان أم مجاضرة أم احتفال,تكون هناك حرب خفية باردة غير معلنة بين الجالسين في الصف الأول و بين الجالسين في الصفوف الخلفية. الجالسون أماماً يريدون الحفاظ على مكانتهم،والقابعون في الخلف هدفهم اختراق الصفوف والوصول والجلوس أماماً. "الخلفيون" يحاولون التقدم بشتى الطرق.فهم يحيكون المؤامرات لعزل جالس في الأمام،ويستعملون أسلوبي الترغيب والترهيب لاحتلال مقعده. وتبدأ ألسنتهم ببث الإشاعات المغرضة عن "الأوائل": هذا جلس أولاً لأنه ابن عم عريف الحفل،آخر انتزع مكانته تحت طائلة مسؤولية المنظمين،والمسؤول حط الرحال هناك،رغم أنه آخر الواصلين،تحت وطأتي المال والسلاح. قبل الحفل، وأثناء النشيد الوطني، يرمي بعض الحضور أنفسهم وكراسيهم إلى الأمام،لا أحد ينتبه لهم،فالكل في حالة من النشوة الوطنية المطلقة. بعد أن يبدأ الحفل وبعد أن يبدأ إلقاء الكلمات يمنة ويسرة على الحضور المتهالك،تبدأ دعوات الجالسين في الظل تتوجه إلى الله:اللهم اخسف الصف الأمامي بجالسيه،اللهم قرب من صفوفنا وألحقنا بالقوم الاولين.ثم يبدأون بهجوم ممنهج مدروس لاحتلال المقدمة،كل دقيقة "يدحش" احدهم كرسيه في الأمام،فينقلب هذا "الأولي" الجديد بنظر "الخلفيين" من مناضل سابق إلى خائن،ويصير من طائفة المغضوب عليهم، وهو من كان في الأمس القريب من رفاق الدرب النضالي ومقاتلاً منهم في صفوف المعركة الأولى. الجالسون أماماً يدركون مكانة وحيثية جلوسهم،فهو يدل على روح المسؤولية و القيادة والحكمة التي يتمتعون بهم. فهم من "الأعيان" و "أم الصبي".لذا ما يبرح الواحد منهم مكانه أبداً،ولا يحرك ساكناً مهما كان المصاب جللاً ويتشبث بالأقدام والأيادي والأظافر و الأسنان بكرسيه. ويدرك المؤامرات التي تحاك ضده في العتمة،فالأضواء تغر،ونشوة الشهرة لا تعادلها نشوة. ها هي الكاميرات تومض من كل حدب وصوب،والجالسون أماماً،الذين يزيد عددهم كل دقيقة، يبتسمون ويلوحون،أو يدعون اللامبالاة. وينظرون نظرة الفاتحين ويشعرون بكينونة وجود كل منهم. عريف الحفل ذكر اسم مسؤول طويل عريض،هنا تتعالى الصيحات،وتتنافس الراحات في التصفيق.كل فرد من"الأولين" يحاول أن يثبت أحقيته بالجلوس أولاً،فيطيل من مدة التصفيق ويرفع من وتيرة رطم الكفوف،و يحاول أن يثبت أنه الرجل المناسب على الكرسي المناسب.أما القابعون في الخلف،فيفعلون كما الأوائل،لكن كي يثبت كل منهم بأنه الرجل المناسب على الكرسي غير المناسب. يستمر تدفق الحضور من الخلف إلى الأمام ويتخذ شكلاً ومضموناً عميقين ووطنيين أكثر:مع كل ذكر لاسم زعيم أو قائد،يصير النزوح إلى الأمام سباق من أجل رفع راية الوطن عالياً. وهكذا تستمر الهجرة إلى الأمام،كما الهجرة من الريف إلى المدينة،لكن لا مشكلة،الوطن يتسع لنا جميعا، التصفيق يزداد،و"الأولون" يزداد عددهم. الكل يتسابق لأن يصفق أكثر،وأن يقترب أكثر من جوهر الوطن والمواطنة والكفاح من أجل الهوية. وقبل أن ينتهي الحفل بلحظات يكون المشهد وطنياً مهيباً مثيراً للمشاعر و العواطف الجياشة: الكل،كل الحضور،حرفياً،بات في الصف الأول،لا مقاعد في الخلف، فكلنا فداء للوطن. هنا طفل بين الأقدام،هنا رأس عالق بين كرسيين وهناك يد قطعت.لا مشكلة. الكل في حال من النشوة الوطنية أنستهم مآسيهم وجعلت من أياديهم يداً واحدةً في التصفيق،مع أن اليد الواحدة لا تصفق،معنوياً وبيولوجياً.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق