]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المصالحة: رسالة قرآنية إلی المسلمين المتطرفين لوقف إثارۃ الحروب ووسيلة لاستعادة السلام والانسجام

بواسطة: غلام غوث  |  بتاريخ: 2013-11-26 ، الوقت: 14:53:47
  • تقييم المقالة:

إن العالم الإسلامي الراهن قد دخل في قبضة الحروب القاتلة والصراع المتبادل وشلال الدم على الأمور التافهة. وتعود الأفراد المسلمون على إثارة الخلافات والنزاعات. وقد وصلت الاضطرابات بين الشيعة والسنة إلى ذروتها خاصة في العراق وسوريا وباكستان. وارتفع عدد القتلى إلى أزيد من 110,000  شخص بمن فيهم الأطفال والنساء والمسنين. كل يوم نستمع إلى الأخبار عن الهجمات الانتحارية القاتلة التي تم تخطيطها وارتكابها من قبل الأيدولوجيين الوهابيين السلفيين في الدول الإسلامية. ويتم إحراق الأبرياء تحت الضغط غير اللازم من الانشقاق بين الشيعة والسنة. وفي مثل هذا الوقت المضطرب، نحن في أمس حاجة إلى تعزيز مبدأ الوفاق والمصالحة حتى نستعيد السلام. وعلينا ليس فقط استعادة السلام والانسجام بل أيضا الحصول على الجزاء الخير من الله سبحانه وتعالى . كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: 

 

" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ "( 8:1)

 

" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (49:10)

 

" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " (49:9)

 

" لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" (4:114)

 

وقد اتضح لنا من الآيات المذكورة أعلاه أن المصالحة لها قيمة كبيرة للغاية في التعاليم الإسلامية. ولقد أنعم الله على الذين يحبون المصالحة وتعزيز مبدأ الوفاق.

 

ومن أجل الرفاهية الاجتماعية ، فإن المصالحة هي مهمة بالغة. وإنها تنهي العداء المتبادل والحقد، مما يمهد الطريق إلى إقامة السلام والانسجام في المجمتع.

 

ومن الممكن أن يقيم المرء بسهولة الأهمية البالغة التي يعلقها الإسلام على إقامة المصالحة ، نظرا إلى جواز الكذب في الإسلام بهدف مبدأ الوفاق بين الشخصين المتشاجرين أو الجماعتين المتحاربتين. بالرغم من أن الإسلام يحرم الكذب كليا، ولكنه يجيز المرء أن يكذب إلا من أجل المصالحة. وفي الواقع ، فإن الإسلام لا يعلن أن مثل هذا الشخص كاذب.

 

" حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا" (صحيح البخاري: باب الصلح)

 

وعلى سبيل المثال ، إذا كان الزوج والزوجة لهما العداء ضد بعضهما البعض وأراد المرء أن يقول لأحد منهما بهدف إقامة المصالحة بينهما، "أنت تكره زوجتك إذ أنها تحبك وتتحدث كلاما جيدا عنك وكذالك العكس"، فإنه جائز على الاطلاق في الإسلام ، بالرغم من أنه كذب. ومثل هذه الأكاذيب لها جواز في الإسلام لاستعادة الحب والسلام بين الشخصين المتشاجرين أو الجماعتين المتحاربتين. 

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كل سلامى من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها ، أو ترفع له عليها متاعه صدقه ، والكلمة الطيبة صدقة ، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة ، وتميط الأذى عن الطريق صدقة )) متفق عليه (كتاب البخاري: كتاب الجهاد والسير)

 

2/249 ـ وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً ، أو يقول خيراً )) (رواه البخاري باب الصلح) متفق عليه.

 

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة .حديث صحيح

 

وفي رواية مسلم زيادة ، قالت (( ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : تعني : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها )) .

 

اليوم إذا تأملنا في أنفوسنا، وجدنا أن سلوكنا الاجتماعي يتعارض تماما مع مفهوم الحديث النبوي المذكور أعلاه. عندما يحارب المرء مع أهله وأقاربه على الأمور التافهة، فإن الذين يحبون الحرب بين شخصين يأتون بسرعة لإضافة الوقود على النار. ولا أحد يهتم باستعادة الحب وإعادة بناء السلام بينهم. لو لم يكن هذا الموقف الضار في مجتمعاتنا، لكانت بيوتنا في حالة السلام الكامل والهدوء.

 

بما أننا إنسان حقا بالمعنى الحقيقي ، فينبغي لنا أن نقوم بالأعمال التي تعين وجودنا. وكذالك، من واجب المسلم الالتزام بالوصايا الإسلامية للسلام والمصالحة. وإلى جانب ذالك، علينا أن نمتنع عن جميع الشرور، والبغض المتبادل سواء كان ظاهرا أو باطنا. وإذ يحبنا الله تعالى. وبعد إلقاء النظر إلى حياة النبي عليه السلام، هذا من واجبنا أخلاقيا أن نعزز فضيلة المصالحة، وذالك لأننا تعلمنا أن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يفضل المصالحة في كل مجال من مجالات الحياة. فإنه ليس فقط مارسها بل أمر المسلمين بممارسة هذا الموقف النبيل.

 

كيف يمكننا أن ننسى معاهدة السلام من صلح الحديبية؟ في ذلك الوقت أيضا، صالح النبي عليه السلام مبدأ الوفاق والصلح حتى بين الوثنيين من العرب، ناهيك عن المسلمين وحدهم. ينبغي للمرء أن يتذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان له قوة لا تقل عن الوثنيين ولكنه ، رغم ذالك ، فضل معاهدة السلام.

 

وكانت هناك ثلاثة أحداث المصالحة التي وقعت في صلح الحديبية. وأولها عندما ذهب النبي عليه السلام جالسا إلى الحديبية ومعه خمسة عشر مئة مسلم بهدف قضاء أول عمرة لهم بعد الهجرة. وحين وصل المسلمون إلى عسفان (مكان بين مكة والمدينة)، جاءهم بسر بأخبار استعدادات قريش لصد ومنع المسلمين من دخول مكة. أخيرا ، فهم اتفقوا على قواعد الصلح بأن تكون هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات.  وقد روى الإمام أحمد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدأ يُمْلي شروط الصلح، و علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ يكتب، فأملاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (" بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل : أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم،  فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عليًّا فكتبها كذلك" ، وذالك لأن النبي عليه السلام كان يرغب في استعادة السلام.

 

وثانيا عندما كتب على رضي الله عنه محمد رسول الله ، كما ذكر في الحديث "ثم أملى ـ صلى الله عليه وسلم ـ :  هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل : لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فوافق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: والله ، إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله"). و الجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر على رضي الله عنه بأن يكتب كيفما يشاء سهيل ، وذالك لأن النبي عليه السلام كان يستعيد السلام.

 

ووقع الحدث الثالث من المصالحة عندما تم الاتفاق على أنه إذا أراد غير المسلم أن يذهب إلى المدينة المنورة من أجل المنفى، فإن دولة المدينة المنورة ليس لها الحق في منحه المنفى بل يجب عليها إعادته إلى المكة المكرمة. ومن ناحية أخرى، إذا كان شخص يأتي من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة ويسعى المنفى، فلن يتم إعادته إلى المدينة المنورة. كان ذالك حالة فظيعة جاءت بالدموع في عيون جميع الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين. ولكن النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) قبل هذا الشرط فقط من أجل السلام والمصالحة. (للإطلاع على صلح الحديبية: عليكم مراجعة صحيح مسلم شريف)

 

وقد أفادت معاهدة السلام من صلح الحديبية المسلمين إفادة للغاية. أولئك الملوك والشعب النبيل الذين كانوا يقاومون الإسلام من قبل، شهدوا أن النبي عليه الصلوة والسلام وأصحابه الكرام لم يكونوا إلا المظلومين. وتحمل النبي عليه السلام المعارضة الشديدة والاضطهاد المتواصل. كما شهدوا أن اليهود كانوا يرمون النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة التي تسببت في إصابة خطيرة. وكان يضع الوثنيون الأشواك في طرق النبي عليه السلام الذي كان يعاني من الألم والمعاناة حتى خلال الصلوة. وعلى الرغم من ذالك، قام النبي عليه السلام بالصبر وعلم أصحابه الكرام للحفاظ على السلام والنظام.  

 

 

 

 وبالتالي ذكر النبي عليه السلام الرسالة القرآنية " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " (5:2)

 

وخلال معركة خيبر، عندما كان قد فاز النبي عليه السلام في الحرب ، كان يمكن أن يفعل كل شيء. ولكنه بدلا من الانتقام، قام بمبدأ الوفاق والمصالحة مع منافسيه وسلم أراضيهم إليهم. وهذا المثال للرحمة هو الذي لا مثيل له في تاريخ البشرية كله.   

 

اليوم، نحن في حاجة إلى التركيز على هذه الجوانب من حياة النبي عليه السلام ومحاكاة هذه الأمثلة الميمونة للمصالحة في حياتنا العملية اليومية. اذا قمنا بذلك، سوف يكون مجتمعاتنا آمنة  من عدة الشرور. الحاجة الملحة في هذا الوقت هي المصالحة في الأمور الدينية حتى يمكن أن تصل الرسالة الإسلامية من السلام إلى كل زاوية وركن من أركان العالم.

 

إن أحد الأسئلة التي تطرح مرارا وتكرارا هو أنه لماذا هناك القتال العنيف في البلدان الإسلامية إذ أن الإسلام هو دين السلام. وكذالك، لماذا لا يوجد التطرف والتعصب المتصاعد في المسلمين ضد المسلمين أنفسهم، ناهيك عن غير المسلمين. الرد عليه هو أن العديد من المسلمين قد غضوا الطرف عن الصورة الحقيقية للإسلام. لقد أصبحوا تماما يعتمدون على العقائد المتطرفة من الوهابية السلفية، بغض النظر عن الحقيقة أن الأيديولوجيات السلفية الوهابية هي مناقضة تماما لطبيعة الإسلام. ويسعى الإسلام لإقامة السلام والمصالحة بدلا من الحرب. وهؤلاء هم المسلمين المتطرفون الذين يشوهون صورة هذا الدين من خلال التمثيل الخاطئ. إذا كانوا راغبين في المصالحة، لن يكون هناك أي قتال ولا حرب أهلية في العالم الإسلامي.

 

وللأسف، ليس لدينا مشكلة المصالحة مع الناس للمنافع الاقتصادية، ولكن عندما يتعلق الأمر بمسائل الدين، نحن لسنا على استعداد أن نقوم بنفس العمل بالمحبة والسلام. لماذا يحدث هكذا ؟ إذ أنه واضح من القرآن الكريم والحديث النبوي أنه ينبغي أن تكون هناك المصالحة والانسجام المتبادل والسلام في جميع جوانب الحياة. فإن الدين هو مترادف للنوايا الحسنة للآخرين. علينا أن نتذكر أنه لا دين دون السلام والمصالحة.

 

26نوفمبر عام 2013

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • KHEFIF | 2013-11-26
    المصالحة = صدق النوايا+ حوار جاد+ تنازل كل طرف+ الاتفاق أولا على النقاط المشتركة+ إسناد المهمة للضالعين في علوم ذلك الجانب+ إبعاد المتعصبين المتطرفين+ .... 
    مجرد رأي

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق