]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عقوبة التعزير في الاسلام

بواسطة: احمد اللبو  |  بتاريخ: 2011-11-05 ، الوقت: 10:04:52
  • تقييم المقالة:
  •  

التعزير في اللغة المنع، واصطلاحاً التأديب والتنكيل، وتعريفه الشرعي الذي يستنبط من النصوص التي جاءت عقوبة تعزيرية هو العقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة.  والتعزير قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به.  فعن أنس :  “ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة “ ، وعن الحسن “ أن قوماً اقتتلوا فقُتِل بينهم قتيل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم “ وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده “ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق ؟ فقال :  من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنَةً فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة، ومن سرق شيئاً منه بعد أن يؤويه الجَرين فبلغ ثمن المِجَن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثلية والعقوبة “ وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم “ حبس رجلاً في تهمةٍ ساعةً من نهار، ثمّ أخلى سبيله، وأنه حكم بالضرب، وبالسجن “ .  وروي ان عمر قضى بالجلد على من زور كتاباً لبيت المال، ووضع عليه بصمة خاتم اصطنعه على نقش خاتم بيت المال، وقدمه لأمين بيت المال، وأخذ منه مالاً.  وعليه فالتعزير ثابت بالسنة، وقد سار عليه الصحابة من بعد.

والتعزير مشروع لكل ما لم يعين الشارع له عقوبة مقدرة، أما ما أورد الشرع فيه عقوبة فيعاقب مرتكبه بالعقوبة التي قدرها الشارع، فكل ما لم يقدر له الشارع عقوبة ترك للحاكم أن يقدر له عقوبة، وقد أطلق على هذه العقوبة إسم التعزير.

ومن تتبع الجرائم، أي الافعال القبيحة التي قبحها الشرع وهي الذنوب، وتتبع العقوبات التي وردت مقدرة من الشارع، يتبين أن التعدي على البدن قد جعل الشارع له عقوبات مالية، ما عدا القتل العمد فإن عقوبته القتل، إن لم يعف ولي المقتول، وما عداه فعقوبته عقوبة مالية، ما عدا السن في العظام، وما عدا الجراح.  فباقي أنواع القتل عقوبتها عقوبات مالية، والجناية على الأعضاء وفي الشجاج عقوبات مالية، وفي العظام عقوبات مالية، ما عدا السن، وفي الجراح عقوبات بدنية وعقوبات مالية.  وقد جاء الشرع بتقدير هذه العقوبات المالية فقدرها مبالغ معينة، وما لم يقدر لها مبالغ معينة فقد جعل فيها الحكومة.  وعلى ذلك فإن التعزير لا يدخل في التعدي على البدن، ولا محل له في ذلك.  ولا يقال إن التعدي على البدن دون إحداث بتر أو كسر أو جرح أو تلف أو خدش يستحق عقوبة التعزير، لا يقال ذلك لأنّ التعدي على البدن قد جاء الشرع بأحكامه، ولم يأتِ بأحكام لهذه فليس عليها التعزير، إلاّ إن عطلته عن العمل أو الحفت به إهانة.

وأما المعاصي وهي عدم القيام بالفرض، والقيام بفعل الحرام، فانا وجدنا الشارع قد قدر عقوبات معينة لهذه المعاصي، كالسرقة وقطع الطريق، والردة وغيرها مما قدر له الشارع عقوبات معينة، وهذه هي الحدود، ووجدنا أن الشارع لم يقدر عقوبات معينة إلاّ لستة أشياء، أي الحدود، وما عداها لم يقدر لها عقوبات معينة، فهذه التي لم يقدر لها الشارع عقوبات معينة من المعاصي هي التعزير، فالتعزير إنما يأتي فيما هو من جنس الحدود ونوعها مما لم يرد له عقوبة مقدرة، ولا يأتي للتعدي على البدن.

وتقدر عقوبة التعزير على قدر الجريمة، فالجريمة الكبيرة تقدر لها عقوبة كبيرة، حتى يتحقق معنى العقوبة وهو الزجر، والجريمة الصغيرة تقدر لها عقوبة تزجر عن مثلها، ولا تقدر أكثر من ذلك، حتى لا تكون ظلماً للمذنب.  وهل يطلق تقدير العقوبة لصاحب الصلاحية، أي للخليفة أو القاضي فيقدرها بما يراه يزجر، أم أنه مقيد بما لا يزيد عن الحد ؟ لقد ذكر بعض الفقهاء بأن التعزير لا يصح أن يزيد عن الحد، فقالوا :  يشترط أن لا يبلغ التعزير مقدار الحد الذي وجب في نوع المعصية، واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :  “ ومن بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين “ وقالوا إن العقوبة على قدر الاجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها اعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الامرين أعظمها.  وقال مالك يجوز أن يزاد التعزير على الحد، إذا رأى الإمام، لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال، ثمّ جاء به صاحب بيت المال فأخذ مالاً، فبلغ عمر رضي الله عنه فضربه مائة وحبسه، فكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه، وروى أحمد باسناده أن علياً أُتِيَ بالنجاشي قد شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطاً لفطره في رمضان، وأكثر الفقهاء على أن التعزير لا يصح أن يزيد على مقدار الحد.

غير أنه بامعان النظر يتبين أن الشرع قد جعل تقدير عقوبة التعزير للخليفة، أو الامير أو القاضي مطلقاً، يرجع فيه إلى اجتهاده فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص وما يستوجبه واقع الجريمة، وواقع وضعها في البلد.  فهو متروك للاجتهاد فتقييد الاجتهاد بحد أعلى أو بحد أدنى هو تحديد، فيجعله حداً وهو ينافي كونه تعزيراً، وينافي تركه لاجتهاده، وأيضاً فإن بعض الجرائم غير الحدود قد تكون أفظع من الحد، فمثلاً الادمان على المخدرات كالحشيش والأفيون أفظع من شرب الخمر، وسرقة مبالغ ضخمة من بيت المال أفظع من سرقة متاع ثمنه ربع دينار من رجل من النّاس وهكذا، ثمّ إن هناك جرائم يمكن أن تؤدي إلى تمزيق وحدة الأمّة، كالدعوة إلى القومية، أو إلى الاقليمية أو ما شاكل ذلك.  لهذا فإن القول الحق أن لا يقدر التعزير بحد أعلى ولا بحد أدنى، بل يترك لاجتهاد الخليفة، أو الامير ثمّ لاجتهاد القاضي.

وأما حديث “ ومن بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين “ فإنّه يحمل على نوع العقوبة التي عاقب بها لا يصح أن تزيد عما قدره الشرع من العقوبة بها، أما أن يزيد بعقوبة من غيرها فلا يمنع ذلك الحديث، فمن بلغ في عقوبة القبلة حد الزنا فهو من المعتدين، أي إذا جلد عليها مائة جلده فهو من المعتدين، ولكن إذا جلد عليها تسعين جلده، مع حبس ثلاث سنوات، ونفي سنة، فإن هذه الزيادة من غير الحد لا يمنعها الحديث.  فمثلاً لو أن رجلاً أتى من أمه أو ابنته أو أخته أو أحد محارمه جميع ما يأتي الرجل من امرأته من قبل ومداعبة ومفاخذة وغير ذلك إلاّ أنه لم يجامعها، فهل مثل هذا الرجل لا يبلغ القاضي في عقوبته حد الزنا ؟ أم أنه يجلده دون حد الزنا، ويوقع به عقوبات أخرى كالحبس والنفي والغرامة وغير ذلك، ومثلاً لو أن شخصاً مدمناً على الافيون وقد عوقب أكثر من مرة ولم ينزجر، فهل مثل هذا الرجل لا يبلغ القاضي في عقوبته حد شارب الخمر ؟ أم أنه يجلده دون حد الشرب ويوقع به عقوبات أخرى كالكي بالنار، والحبس والنفي وغير ذلك ؟

إن الحديث ينهى عن بلوغ الحد، في غير الحد، والحد عقوبة معينة في جريمة معينة، فهذه العقوبة المعينة لا يتجاوزها، ولكن أن يوقع غيرها فإنّه غير داخل في النهي فيبقى لاجتهاد القاضي.

هذا ما يفهم من الحديث بأنه ينهى عن تجاوز العقوبة المعينة، ولا يشمل نهيه عدم إيقاع غيرها من العقوبات، وقال الشوكاني :  ( ذكر بعض المتأخرين أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة، كالسيد يضرب عبده، والزوج يضرب زوجته والأب يضرب ولده ) ولكن تعبير الحديث بلفظ “ مَنْ “ بقوله :  “ مَنْ بلغ حدّاً “ وهي من ألفاظ العموم ولم يرد ما يخصصه بغير الوالي يمنع هذا التأويل، ولكن تفسير الحديث بأن المراد منه من بلغ حداً في عقوبة معينة في غير ما وضعت له فهو معتد، أما لو أوقع عدة عقوبات، ولم يبلغ فيها جميعها الحد فإنّه لا ينطبق عليه أنه من المعتدين.

وتقدير عقوبة التعزير الاصل فيه أنه للخليفة، ولكن يجوز أن يجعله لاجتهاد القاضي، ويجوز أن يمنع القاضي من تقديرها، ويقدرها له، فإن القاضي نائب عن الخليفة، والقضاء يتخصص بالزمان والمكان والحادثة، فيجوز أن يخصصه ببعض القضايا، فيمنعه من تقدير العقوبة في التعزير مطلقاً، أو يمنعه من تقديرها في بعض القضايا، ويعطيها له في بعضها الآخر، ومهما يكن من أمر فإن عقوبة التعزير حين تقدر لا تخرج عن واحد من الأحكام الشرعية، ذلك أن الفعل إما أن يكون فرضاً، وإما أن يكون مندوباً، وإما أن يكون مباحاً، أو يكون حراماً، أو مكروهاً، ولا يخرج عن واحد من هذه الخمسة.  إلاّ أن المباح هو تخيير للمكلف بأن يفعل الفعل أو يتركه، ولذلك لا يكون فاعله مخالفاً لأوامر الله ونواهيه، بل يكون في حالة فعله أو حالة تركه متبعاً لأوامر الله ونواهيه، وفي اختيار ما خيره الشرع فيه، أما المندوب والمكروه فإن الله تعالى لم يرتب عليهما عقوبة، فلم يرتب عقوبة على ترك المندوب، ولا على فعل المكروه، فلا يصح للدولة أن ترتب عليهما عقوبة، لأنّ ترتيب العقوبة يعني الالزام بفعل المندوب، وهذا يعني جعله فرضاً، والالزام بترك المكروه، وهذا يعني جعله حراماً، والدولة لا يحل لها أن تجعل المندوب فرضاً، والمكروه حراماً، ولذلك لا يحل لها أن تضع عقوبات تعزيرية على ترك المندوب، وفعل المكروه، ولذلك لا تدخل المباحات، والمندوبات، والمكروهات في أبحاث العقوبات.

بقي من الأبحاث ترك الفرض، وفعل المحرّم.  أما ترك الفرض فلأن الله رتب عقوبة عليه، فتارك الصلاة، والممتنع عن صيام رمضان، أو عن الزكاة، أو عن أداء حق لآدمي، وما شاكل ذلك كلها ترك للفرض.  وقد أوعد الله تارك هذه الفروض بالعذاب.  وأما فعل المحرّم فلأن الله رتب كذلك عقوبة عليه، فقاذف غيره بغير الزنا، وكانز المال، والمختلس، والجاسوس، وما شاكلها كلها فعل المحرّم، وقد أوعد الله فاعل هذه المحرمات بالعذاب، فلا كلام في أن على الحاكم أن يقدر عليها عقوبات التعزير، لأنّها كلها معاص، إذ ترك الفرض، وفعل المحرم، كل منهما معصية تجب العقوبة عليها.  ومن هذا كله يتبين أن الخليفة حين يرتب عقوبات معينة من عقوبات التعزير يجب أن يتقيد بما رتب الله عليه عقوبة فحسب، ولا يصح أن يتجاوز ذلك، فيجب أن تحصر عقوبة التعزير بترك الفرض، وفعل المحرم، ولا يجوز أن يتعدى ذلك مطلقاً.  وأما ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من أنهم عاقبوا على ترك بعض المندوبات، وعلى فعل بعض المكروهات، فإن ذلك لا يصلح دليلاً إلاّ إذا كان إجماعاً ولم يرو الاجماع في ذلك.

وكما أنه لا يجوز أن يعزر على فعل المكروه، وترك المندوب أو المباح كذلك لا يجوز أن توضع عقوبة التعزير بحجة رعاية الشؤون، أو باسم المصلحة فإن رعاية الشؤون محصورة فيما جعل للامام أن يدبره برأيه واجتهاده، كتخطيط المدن، وكترتيب الموازين وهكذا… وما عدا ذلك فلا حق له، وأما المصلحة فليست دليلاً شرعياً فلا ترتب عقوبة بناء عليها.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق