]]>
خواطر :
شُوهدت البهائم على أبواب مملكة الذئابُ وهي تتنصتُ ... البهائم للذئابُ وهي تتساءل...أهو يوم دفع الحساب أم صراع غنائمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(صحبة أولياء الله مفتاح أبواب رحمة الله:)

بواسطة: نورالدين الغابد  |  بتاريخ: 2013-11-25 ، الوقت: 19:40:53
  • تقييم المقالة:

الحمد لله الذي منح أولياءه جزيل عطاياه الوهبية، وخصّهم بالمعارف والأسرار الربانية. واختارهم لإرشاد الخلق إلى حضرته العلية. وجعلهم أبواباً لمن يريد الوصول إلى الحضرة الإلهية. وأشهد أن لا إله إلاّ الله. وحده لا شريك له. مدح أولياءه في كتابه المقدّس المكنون. فقال عزّ من قائل. ونحن لما قاله ربّنا مصدّقون((ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)). ثمّ ذكر ما خصّهم به من الخصائص الفاخرة. وبشّرهم سبحانه وتعالى بالكرامة في الدنيا والآخرة. فقال تعالى((لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة)). وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله. عين المعارف الربانية. الممدّ بالأنوار والأسرار بحور الأولياء والمتعرّضين للنفحات الإلهية. فصارت أنوارهم مشعّة في قلوب السالكين للطريقة المحمّدية. اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيّدِنَا محمّدٍ. وعلى آله وأصحابه. الذين زكّوا أنفسهم فأفلحوا. ونصحوا إخوانهم فنفعوا. اللهمّ أكرمنا بكرامتهم. ووفّقنا لهديهم. وألحقنا بهم. واجمعنا معهم تحت لواء سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم. فإنّك أكرم مسؤول. وخير مأمول. أمّا بعد:
فيا أيّها المسلمون..
يقول الحقّ تبارك وتعالى في القرآن الكريمحكاية عن أهل النار((فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ)). فالآية الكريمة تبيّن لنا أهميّة الصحبة الصالحة للإنسانفي هذه الحياة الدنياالتي نحن فيها وفي العالم الآخر يوم القيامة. قال قتادة: ” يعلمون والله أنّ الصديق إذا كان صالحا نفع، وأنّ الحميم إذا كان صالحا شفع “. وكان سيّدنا علي كرّم الله وجهه ورضي عنه يقول: ” عليكم بالإخوان فإنّهم عدّة الدنيا وعدّة الآخرة “. ألا تسمع إلى قول أهل النار: ” فما لنا من شافعين ولا صديق حميم “. فالله تعالى لنافذ قدرته وبالغ حكمته , خلق الخلق بتدبيره، وفطرهم بتقديره، فكان من لطيف ما دبَّروبديع ما قدّر أن خلق الإنسان مطبوعًا على الإفتقار إلى جنسه، راغبًا في مصاحبة من هم على شاكلته، ميّالاً إلى مخالطة أفراد نوعه ومجالسة بني جلدته. وقد جاءت شريعة أحكم الحاكمين ملبّية لهذه الحاجة الفطرية التي يصلح بها معاش الناس ومعادهم، ولكنّها بيّنت أنّه لا يصلح للصحبة كلّ إنسان، فحثّت على صحبة المتّقين الأبرار، ونهت وحذّرت عن صحبة أهل المعاصي والأشرار، وذلك لما للأصحاب من أثر على الدين والعقل والخلق، قال تعالى:((يا أيها الذين آمنوا اتّقوا اللهَ وكُونوا معَ الصادقين)). فالصادقون هم الذين تمثّلوا كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلمفصفت نفوسهموتنزّهت عمّا هي عليه أخلاق البشر, فكانوا بذلك كالمرآة الصافية التي تكشف للإنسان حقيقة نفسه.
وروى الشيخان البخاري ومسلم. في صحيحيهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)). كما حثّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على اختيار الصاحب وانتقاء الصديق. والحرص على مجالسة الصالحين والعلماء العاملين وذلك بضرب مثال فِي أجملِ صورةٍ وأكملِ بيانٍ فقالَ صلى الله عليه وسلم((إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحاً خَبِيثَةً)). رواه البخاري ومسلم. وقال سيّدنا عليّ رضي الله عنه:

وصاحب تقيّا عالما تنتفع به ّّّ... فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب
وإيّاك والفسّاد لا تصحبنّهـم ّّّ ... فصحبتهم تعدي وذاك مجــــــرّب
واحذر مؤاخاة الدّنيء فإنّه يعدي ... كما يعدي الصحيح الأجـــرب
واختر صديقك واصطفيه تفاخرا ... إنّ القرين إلى المقـارن ينسب
كما عدَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم الصحبة الصالحة. مِنْ وسائلِ زيادةِ الإيمانِ وتنميتِهِ. فقَالَ صلى الله عليه وسلم((مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ. وَمَنَعَ لِلَّهِ. فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)). رواه أبو داود.
وكلّ صحبة لا تجتمع أواصرها على تقوى الله تعالى فمصيرها الى عداوة محقّقة، قال تعالى((الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)). وذلك لأنّه لم يجمعهم على الصحبة إلاّ تقوى الله عزّ وجلّ والصدق في طلب الله تعالى, ليست المصلحة أو المال أو المعصية كما جمعت غيرهم من الأصحاب, لذا فالواجب على الإنسان أن يختار الصحبة الصالحة التي يكتشف من خلالها عيوب نفسه وأخطائه، فإن كان هؤلاء الأصحاب من أهل الإيمان بالله تعالىظهرت له أفعاله وتصرّفاتهبصورة صحيحة كالمرآة الصافية, أمّا إن كانوا من أصحاب المعصية والبعد عن الله تعالى ظهرت له تصرّفاته وأفعاله وما يكنّه في صدرهبصورة معكوسة, حيث يبدو له الحسن قبيحاً والقبيح حسناً ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((المؤمن مرآة المؤمنوَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ؛ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ)). أخرجه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم((المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى)).
وعندما كانت فائدة الصحبة عظيمة إشترط السادة الصوفية رضي الله عنهمفي السلوك والسير إلى الله تعالى أن يصحب المريد شيخاً عارفاً بالله تعالى قد وصل إلى مرتبة من الإيمان والمعرفة. وممّا يدلّ على صحّة شرط الصحبة عند الصوفية أنّ الصحابة رضي الله عنهم لم يستطيعوا أن يتغيّروا عمّا كانوا عليه في الجاهلية إلاّ بمصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلمومجالستهم لهفنالوا بذلك المقام السامي والدرجة الرفيعة بعد أن كانوا في ظلمات الجاهلية, وكذلك التابعون لم ينالوا هذه الرتبة وهذا الشرف العظيمإلاّ باجتماعهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلموكذلك الأمر حتّى قيام الساعةلا يتمّ إلاّ بصحبة من أخذوا المعرفة بالتلقي كابراً عن كابر حتّى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والحِكمةَ)). فالله سبحانه وتعالى بيّن لنا أنّ المهمّة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلمقبل التعليم هي: التزكيةوإظهار عيوب وأمراض النفس وكيفيّة مداواتها, إذ المراد من قوله تعالى:{يزكّيهم} أي: يعطيهم حالة التزكية، ففرقٌ كبير بين علم التزكيةوحالة التزكية كما هو الفرق بين علم الصّحّة وحالة الصّحّة، والجمع بينهما هو الكمال. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن الصحابي الجليل أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال((كنت في المسجد، فدخل رجل فصلّى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثمّ دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلمّا قضيا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه, فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ، فحَسَّنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب,ولا إذ كنت في الجاهلية، فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشينيضرب في صدريففضت عرقاً، وكأنّي أنظر إلى الله عزّ وجل فَرَقاً)). هذه هي التزكية التي لا تكون إلاّ بالصحبة الطّيّبة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبّب قلوب الصحابةويزكّي نفوسهمويشرف على تربيّتهم، حتّى ارتقت نفوسهم عن مستوى البشرية, وسمت أرواحهم إلى مستوى ملائكي, وطهرت قلوبهم من أردان المادّة وسمت بالإيمان إلى مستوى المراقبة والشهود. وبما أنّ رسالة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم عامّة خالدة إلى قيام الساعة، كما قال تعالى(( وما أرسلناك إلا كافّة للنّاس بشيرا ونذيرا)). فإنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وُرّاثاً من العلماء العاملين. العارفين بالله تعالى، ورثوا عن نبيّهم العلم والخُلق والإيمان والتقوى، فكانوا خلفاء عنه في الهداية والإرشادوالدعوة إلى الله، يقتبسون من نوره ليضيؤوا للإنسانية طريق الحق والرشاد، فمَنْ جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَنْ نصرهم فقد نصر الدين، ومن ربطحبله بحبالهم فقد اتّصل برسول الله صلى الله عليه وسلم , ومن استقى من هدايتهم وإرشادهم فقد استقى من نبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمجالسة المريد لأولياء الله تعالى وصحبته لهمممّا يزيد في إيمانه لأنّ الإيمان يزيد وينقصكما ذكر الله تعالى((لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)). وهذا من أسرار الميراث الروحي الذي ورثه الأولياء والصالحون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, قال تعالى((واعلموا أنّ فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتّم ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم)). وأكبر دليل على هذا الميراث الروحي ما يشعر به المؤمن لزيارته للحرمين الشريفين والأراضي المقدّسة, إذ يحسّ كأنّما أبدل روحا غير روحه وأكسي نشاطا يعجز المرء عن وصفه. أمّا إذا تشرّف بزيارة حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وجلس إلى جواره وتمتّع بالنظر إلى آثاره فهناك يدرك معنى قول الله تعالى((واعلموا أنّ فيكم رسول الله)) فلولا الميراث الروحي ما زاد الإيمان ولا نقص, فجليس أولياء الله تعالى لا يشقى وإن كان كلبا ككلب أهل الكهف. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية((وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)). قال: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا. بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياءحتّى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جلّ وعلا. فما ظنّك بالمؤمنين الموحّدين. المخالطين المحبّين للأولياء والصالحين بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصّرين عن درجات الكمال، المحبّين للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولآله خير آل. روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ رجلا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال ((متى الساعة، قال: وما أعددت لها، قال: لا شيء إلاّ أنّي أحبّ الله ورسوله. فقال: إنّك مع من أحببت. قال أنس: فما فَرِحْنا بعد الإسلام فرحا أشدّ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنّك مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحبّ الله ورسوله. وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بِحُبِّي إيّاهم. وإن لم أعمل أعمالهم)). فاحمد الله أيّها العاشق لجمالهم، والمحبّ لطريقهم وكمالهم، وقَرَّ عيناً بِهم. وتعلّق بأذيالهم، ولا تلتفت إلى شيء يصدّك عن جنابهم، فإنّ طفيلي ساحتهم لا يردّ، وعن بابهم لا يُصدّ، ولله درّ قائلهم:

هم سادتي هم راحتي هم منيتي ... أهل الصفا حازوا المعالي الفاخرة
حاشا لمن قد حبّهم أوْ زارهــــم ... أن يهملوه سادتي في الآخـــــــرة

اللهمّ ارزقنا صحبة الصالحين.. وانفعنا بمحبّتهم دنيا ودين.. وارفعنا معهم في أعلى عليّين, مع النّبيئين والصدّقين والشهداء والصالحين, بجاه حبيبك الصادق الأمين , سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم في كلّ وقت وحين. والحمد لله ربّ العالمين>


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق