]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تاريخ تقويم العملات المؤثرة في العالم

بواسطة: احمد اللبو  |  بتاريخ: 2011-11-04 ، الوقت: 21:26:31
  • تقييم المقالة:

 

تاريخ تقويم العملات المؤثرة في العالم

تم اعتماد آلية مراقبة الصرف وتثبيته، على ضوء تحديد قيم أغلبالعملات المستخدمة في التبادل الدولي كما يلي:

1-
الجنيهالإسترليني:

تم تحديد قيمة الجنيه بوزن (7.988) غرام من الذهب، بموجب قانونصدر بتاريخ 22/6/1816. وكان الإسترليني يحتل المرتبة الأولى بين عملات التجارةالعالمية، بنسبة 21% من إجمالي مدفوعات التجارة الدولية عام 1900.

2-
الفرنكالفرنسي:

تحددت قيمته بوزن (322.58) ملليغرام ذهب، بموجب قانون صدر بتاريخ10/4/1802. وكان يحتل المرتبة الثانية بنسبة 8% من التجارة الدولية سنة1900.

3-
المارك الألماني:

تم تحديد قيمته بوزن (398.2) ملليغرامذهب، بموجب قانون صدر بتاريخ 9/8/1873. ولم يكن المارك يلعب دوراً مهماً في التجارةالدولية.

4-
الروبل الروسي:

تحددت قيمته بوزن (744) ملليغرام ذهب،بموجب الأمر الإمبراطوري الصادر سنة 1897. ولم يكن الروبل يلعب دوراً خارج حدودالإمبراطورية القيصرية.

5-
الدولار الأميركي:

بعد تقلبات عديدة،تحددت قيمة الدولار بوزن (1.5) غرام ذهب، بموجب القانون الصادر بتاريخ 14/3/1900والمعروف باسم (ميثاق المعيار الذهبي). ولم يكن الدولار يلعب أي دور على المستوىالعالمي، نظراً لعدم وجود مصرف مركزي (تأسس مصرف الاحتياط الفيدرالي سنة1913).

سار العالم، طيلة فترة القرن التاسع عشر حتى بداية الحرب العالميةالأولى سنة 1914، وهو ملتزم بنظام (القاعدة الذهبية)، وما يتعامل به من أوراققانونية تصدرها المصارف المركزية هي أوراق نائبة، أو بديلة عن ذهب هو غطاء لها100%. حتى إنه كان لهذه الدول مسكوكات ذهبية مقدرة بمقدار معين، ونسب ثابتة لباقيمسكوكات الدول الأخرى، كما ذكر سابقاً.

فنظام النقد الدولي، وهو قائم علىالذهب، لا يعترف بهوية معينة. وليس له وطن معين ينحاز إليه. فهو قائم على الحياديةوعدم التحيز. فليس هناك مجال لأن تحدث أزمات اقتصادية، ولا مشاكل مالية أو نقدية. فالكل يسعى لتوفير ما أمكن من هذا المعدن الثمين ليكون لديه رصيد يقوّي به اقتصاده،ويغطي به أوراقه القانونية الورقية المتداولة.

ولما بدأت الحرب العالميةالأولى، واتسع نطاقها، واتسع نطاق متطلبات المجهودات الحربية والنفقات العسكرية،خرج الأمر عن إطاره المعتاد، وبدأت الدول في إصدار نقد ورقي قانوني إلزامي، وبكمياتهائلة جداً تتساوى مع حجم النفقات الحربية؛ فانفرط عقد نظام النقد الدولي؛ لأن كلإمكانيات الدول المتحاربة قد سخّرت لهذه الحرب، وغدت وقوداً لها.

ولما انتهتالحرب العالمية الأولى، وحاولت الدول المنتصرة الإفاقة من هذه المحنة المدمرة،وأخذت تلمّ شعثها. فانعقد مؤتمر جنوة الآنف الذكر للدول الكبيرة، وبحثوا فيه ضرورةالعودة إلى نظام (القاعدة الذهبية). ولكن الانضباط حسب هذه القاعدة يحتاج إلى لملمةجميع الأطراف، ثم الاتفاق على معايير وقواعد تعود بها المياه إلى مجاريها. فإذابالعالم يصطدم بكارثة اقتصادية، وأزمة مالية مدمرة هي أزمة 1929، التي ابتدأت منأميركا، حتى دمرت اقتصادها بالكلية، ثم اتسعت حتى عمّت العالم بأسره، وبقيت هكذامستعصية على أي علاج حتى بدأت الحرب العالمية الثانية.

كان الذهب، في يوم منالأيام، يدرج في عداد النقود السلعية. وعبارة النقود السلعية تعني: الماشية،الحبوب، الاسماك المجففة، وسبائك الشاي، وغيرها. فإذا أخذنا الماشية، وسلخنا عنهاصفة النقدية، تبقى قيمتها قائمة، لأنها قادرة على إشباع حاجة أساسية عند الإنسان. ولكن إذا أخذنا الذهب، ونزعنا عنه صفة النقدية، فإنه حينئذٍ ينحدر إلى أهبطالمستويات، حيث إنه لا يشبع في ذاته حاجة عند الإنسان.

كان الدولار، ابتداءًمن سنة 1946، عندما بوشر العمل باتفاق بريتون وودز، مغطى بالذهب بنسبة 100% وبقيكذلك حتى سنة 1960. وهذا يعني أن أصحاب الأرصدة من الدولارات إذا أرادوا تبديلهبالذهب بالسعر الرسمي، استناداً إلى بنود الاتفاقية المذكورة، فإن الولايات المتحدةتستطيع تأمين ذلك بسهولة.

وهكذا سار نظام النقد الدولي، طوال الفترة الممتدةمن نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الخمسينيات، سيراً حسناً. وهذا يرجع إلىالأسباب التي جعلت من الدولار الأميركي نقداً قوياً ثابتاً، لا يمكن أن يُشكّ فيقيمته. واستقر الدولار. واستقرار قيمة الدولار، وثقة المجتمع الدولي به، معناهاستقرار نظام النقد الدولي، على اعتبار أنه الأساس، بيد أن كل شيء لهنهاية.

لقد انقلب الوضع رأساً على عقب، منذ نهاية الخمسينيات وأوائلالستينيات، حتى أخذت الأزمات والاضطرابات النقدية تتعاقب. فما هي الأسباب ياترى؟؟؟

الأزمات النقدية الحادة بدأت بالانفجار فعلياً من 1967، ثم تعاقبتبعد ذلك. لكن بوادر الاضطرابات أخذت في الظهور منذ نهاية الخمسينات. وبالتحديد فيمطلع 1958.

خسرت الولايات المتحدة من أرصدتها الذهبية، في الفترة الممتدة منشهر كانون الثاني 1958 إلى شهر كانون الأول 1960، خمسة مليارات دولار. إذ كان حجمهذه الأرصدة سنة 1958 (22.8) ملياراً من الدولارات، فانخفض في سنة 1960 إلى (18.8) ملياراً. ويعود السبب في ذلك إلى أن كمية الدولارات في الخارج، رسمية كانت أو خاصة،ازدادت بنسبة محسوسة. حيث أخذت السلطات النقدية المسؤولة في العالم تلمس تراكمالعجز في ميزان المدفوعات الأميركي. وعندئذٍ بدأت الثقة بالدولار تتضعضع، مما أدىإلى زيادة الطلب على الذهب. فأخذ الأفراد يسارعون إلى اكتناز الذهب. كما أخذتالمصارف المركزية تطلب من الولايات المتحدة الأميركية تبديل قسم من أرصدتها بالذهب،وأخذت تسدد عجز ميزان مدفوعاتها بالدولار فقط دون استعمال الذهب (وهنا تكمنالخطورة). وقد بلغت أزمة الذهب أشدّها سنة 1960، عندما أخذت بعض المصارف المركزيةتضاعف طلبها على الذهب، من الولايات المتحدة الأميركية، ومن سوق لندنأيضاً.

ويمكن القول أنه، لأول مرة منذ 1954، وصل الطلب على الذهب مستوى لمتعد كميات الذهب المستخرجة جديداً تكفي لتلبيته. وهكذا ارتفع الذهب في 20 تشرينالأول 1965 من (35) دولاراً للأونصة، حسب بريتون وودز، إلى (40) دولاراً. ما يفيدأن الثقة بالدولار الأميركي قد فقدت، وفقدان الثقة بالدولار يعني تضعضع نظام النقدالدولي. فاضطرت الولايات المتحدة، أمام هذه الأحداث الخطيرة، إلى التحرك. وأعلنت أنباستطاعة مصرف بريطانيا أن يحصل على الذهب من الولايات المتحدة، من أجل عرضه للبيعفي سوق لندن، لتثبيت السعر عند مستوى (35) دولاراً للأونصة. إلا أن تصريح الولاياتالمتحدة هذا لم يستطع تهدئة الأوضاع؛ لذا طلبت معونة البلدان الرئيسية في العالم منأجل معالجتها. وبذلك تم إنشاء (مجمع الذهب).

حقوق السحبالخاصة:

عندما قاربت المرحلة الثانية في سلسلة (نظام النقد الدولي) علىالانتهاء، وهي مرحلة الصرف بالذهب، حاملةً معها مآسي وأزمات مالية حادة، رأت أميركاكما رأى كثير من الخبراء الاقتصاديين – أنه لا بد من الانتقال إلى مرحلة جديدةتنقذ الاقتصاد الأميركي من الأزمات التي تردّى فيها، وتعيد للدولار عافيته؛ لأننظام النقد الدولي الحالي يومئذ كان من إفرازات اتفاقية بريتون وودز. وقد رأتأميركا أن هذا النظام يثقل كاهل الاقتصاد الأميركي، ويوقع دولارها واقتصادها فيورطة لا تستطيع الوقوف أمامها، وهي الصرف بالذهب، أي صرف الدولار بالذهب؛ لأن هذهالوظيفة أوكلت للدولار وحده. فلما اتسع نطاق إصدار النقد الورقي الإلزامي، وكانتالمصارف المركزية العالمية ملتزمة بضمان حمايته، وتسهيل عملية صرفه، بموجب الصلاحيةالتي منحتها المصارف المركزية العالمية، المرتبطة بشروط صندوق النقد الدولي، عندالتوقيع على اتفاقية بريتون وودز، أرادت أميركا كسرها وإلغاءها، فقامت بعدة إجراءاتعلاجية كمقدمة للتخلص من نظام النقد الدولي. ومن أهم هذه الإجراءات، الإجراء الذيدخل حيّز التطبيق العملي في أول 1970، ويعرف باسم «حقوق السحب الخاصة» أو كما يطلقعليه في بعض الأحيان «الذهب الورقي». وكان الهدف من هذه الإجراءات أن تجعل منالدولار النقد الدولي بكل ما في هذه الكلمة من معنى؛ لتتخلص من التزامها باستبدالالدولار بالذهب، وينتهي شيء اسمه الذهب من المعاملات المالية والتجارية، ويوضع نظامالصرف بالذهب على الرفّ، كما وضع من قبله نظام القاعدة الذهبية، في نهاية الحربالعالمية الثانية بموجب اتفاقية بريتون وودز.

كان احتياطي أميركا الذهبي قدوصل إلى حالة الذوبان، ولكثرة الأوراق الدولارية المبعثرة والمنتشرة في أنحاءالعالم، كثر الطلب على استبدال الدولار بالذهب وبخاصة من قبل فرنسا أيام ديغولوبعده.

أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، اقتضت ظروف ومتطلباتونفقات الحرب رحيل الأرصدة الذهبية، من دول أوروبا الغربية وغيرها إلى الولاياتالمتحدة الأميركية. وما انتهت الحرب العالمية الثانية إلا وخزائن دول الحلفاء خاويةمن الأرصدة الذهبية؛ لأنها في معظمها انصبّت في خزائن المصارف المركزية والخزينةالأميركية. فما كان من أميركا إلا أن عمدت إلى وضع قاعدة جديدة لنظام النقد الدولي،كسرت بها القاعدة الذهبية، ووضعت بدلها، بموجب اتفاقية بريتون وودز، قاعدة الصرفبالذهب، وجعلت من الدولار مرجعاً دولياً، يصرف بموجبه معيارٌ متفقٌ عليه وهو (35) دولاراً لكل أونصة من الذهب، يتعهد المصرف الفدرالي الأميركي باستبدالها وصرفها. وأخذ الاقتصاد الأميركي في النمو والاتساع طيلة فترة الخمسينيات، لأن أميركا نصبتنفسها سيدةً لهذا العالم. فأخذت على عاتقها بناء ما تهدّم، وأغدقت المعوناتوالمساعدات على ما سمي بالدول النامية، والتزمت بإنشاء أحلاف عسكرية، وبناء قواعدعسكرية في معظم أرجاء العالم، وأفرطت في تطوير السلاح النووي والصاروخي، وتبنّت خطةغزو الفضاء. فاقتضى ذلك منها أن تطبع من الدولارات ما يفوق الحصر، وتاهت هذهالدولارات في الأرض شرقاً وغرباً، وكانت تسمى بالدولارات الضائعة.

ولكناتفاقية بريتون وودز تلزمها باستبدال الدولارات بالذهب، وفي بداية الستينيات كانتقد انتهت فترة ازدهار الاقتصاد الأميركي، وظهر العجز في ميزان مدفوعاتها، وأخذيزداد ويتفاقم، فبدأت الأزمات الاقتصادية.

كان من المعلوم يومئذ أنه يوجدهناك رأيان على الصعيد الدولي: رأي تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، ومن ورائهابريطانيا، وهو أن حجم السيولة الدولية غير كافٍ، ويجب العمل على زيادته لتأمين حاجةالنشاط التجاري الدولي. والرأي الثاني تتزعمه فرنسا، وهو على النقيض تماماً منالرأي الأول، حيث يرى أن حجم السيولة الدولية يمر في حالة فائض، الأمر الذي يسببالاضطرابات النقدية الدولية.

ولكن انتصر الرأي الأول، فكان لا بد من إصلاحالوضع، بالقضاء على عجز ميزان المدفوعات الأميركي، الذي يعتبر من المصادر الهامةللسيولة الدولية. وقد آل هذا الانتصار إلى خلق عنصر جديد من عناصر السيولة الدولية،وهو حقوق السحب الخاصة. ويرى البعض أن خلق هذا العنصر الجديد المبتدع لا يرمي فقطإلى زيادة حجم السيولة الدولية، وإنما أيضاً إلى إزاحة الذهب من الصعيد الدولي،وإحلال الدولار مكانه. وهذا ما تسعى له أميركا. وقد تثبت هذا الوضع بعد إعلاننيكسون مبادئه الاربعة يوم 15/8/1970.

ومن أجل تطبيق هذه الفكرة عملياً، كانلا بد من أخذ موافقة الدول المعنية عليه. ففي الاجتماع الذي عقدته البلدان الأعضاء،في نادي الدول العشر في 28/8/67، عرضت هذه الخطوط على الجمعية العامة لصندوق النقدالدولي، خلال اجتماعها في ريو دي جانيرو في شهر ايلول 1967، حيث قرر المجتمعونأولاً – وذلك تحت ضغط الدول الأوروبية – أن عملية إصدار هذا العنصر يجب أن تجريبموافقة 85% من عدد أصوات الدول الأعضاء في الصندوق؛ ولأن الدول الأوروبية الاعضاءفي السوق تستطيع أن تحول دون إصدار كمية من حقوق السحب هذه لأنها تمتلك من هذهالناحية حق النقض (الفيتو). مع العلم أنه في اتفاقيات بريتون وودز كانت الولاياتالمتحدة وحدها تملك هذا الحق بالنسبة إلى القرارات النقدية المهمة. كما نصتالاتفاقية على أن حقوق السحب هذه هي تسهيلات نقدية إضافية، أي إنها عنصر مساعدلعناصر السيولة النقدية التقليدية. إذ لا يلجأ إلى استعمالها إلا إذا اقتضت الحاجة،أي إذا لم يعد حجم هذه السيولة يكفي بسبب الطلب عليه. هذا يعني أنه لا يمكن استعمالالعنصر الجديد، إلا ضمن شروط وظروف محددة، أي خلافاً للعنصر السابق، وهو حقوق السحبالعادية.

أما بالنسبة لتسديد حقوق السحب الخاصة، فقد ورد في الاتفاقية أنالبلد الساحب، أي البلد المدين، مجبر على تسديد 30% فقط من قيمة قرضه. أما الـ 70% الباقية فإنه ليس مجبراً على تسديدها، أي إنها تبقى معلقة في الهواء بدون تسديد. وهذا البند الجديد يقتصر حق استعماله على البلدان المدينة فقط، وهي صاحبة العجز فيميزان المدفوعات. وبذلك لا يحق للبلدان الدائنة صاحبة الفائض اللجوء إلى استعمالالحق المذكور، ولا يحق استعمال هذا العنصر إلا في حالة المديونية.

ولقد وضعسقف – أي حدّ أعلى – لحقوق السحب هذه، أي وضعت الاتفاقية سقفاً للمقدار الذي يستطيعأن يسحبه بلد مدين على بلد دائن، أي في حالة فائض. لكن البلدان صاحبة الفائض هيالتي تقوم بتمويل عمليات السحب، وليس الصندوق. وأما السقف، أي الحد الأعلى للسحب،فيجب ألا يتعدى، بأي حال من الأحوال، ثلاثة أضعاف حصته من حقوق السحب العادية. فلوفرضنا أن حصة فرنسا من حقوق السحب هذه هي (100) مليون دولار، فإنه لا يمكنها أنتسحب عليها أكثر من (300) مليون دولار.

وهناك ظاهرة أخرى تنص عليهاالاتفاقية، وهي أن صندوق النقد الدولي له الحق وحده في تحديد نوع النقود التي يرادسحبها. ولذلك لا يترك للبلد الساحب حق اختيار النقد الذي يريد سحبه. ويلاحظ هنا أنهناك فرقاً بين حقوق السحب الخاصة، وحقوق السحب العادية. ففي الأخيرة يحق للبلدالساحب اختيار النقد الذي يرغب فيه، بخلاف حقوق السحب الخاصة، حيث إن الصندوق هوالذي يقرر نوع النقد الذي يراد سحبه.

هذه هي الخطوط العامة لاتفاقية حقوقالسحب الخاصة، التي وافق عليها القسم الساحق من البلدان الأعضاء، فيما عدا البلدانالغنية المصدرة للنفط مثل العراق، والكويت، وليبيا والسعودية؛ لأنها تملك كمياتكبيرة من القطع الأجنبي، أي إنها في حالة فائض دائمة. وعلى كلٍٍ فقد دخل نظام حقوقالسحب الخاصة الميدان العملي بتاريخ 1/1/1970.

أما طبيعة هذا العنصر وهوحقوق السحب الخاصة، فإنه لا يحق استعماله إلا في حالة حدوث عجز في ميزان المدفوعات،فهو في حقيقته قرض، أو بتعبير أدق هو عبارة عن فتح اعتماد للبلد الساحب لدى صندوقالنقد الدولي. وهو في طبيعته لا يختلف عن طبيعة الاعتمادات التي تفتحها المصارفالتجارية لزبائنها من الشركات التجارية.

ولكن من أين يأتي صندوق النقدالدولي بالأموال اللازمة لذلك؟ طبعاً هو لا يقرض من أمواله الخاصة، وإنما منالاشتراكات التي دفعتها إليه البلدان الأخرى. وبعبارة أخرى يقتصر دور الصندوق علىكونه يلعب كهمزة وصل، بين البلدان صاحبة الفائض التي تقدم الاشتراكات، والبلدانصاحبة العجز التي تقترضها.

حقوق السحب العادية نصت عليها اتفاقية بريتونوودز عند إنشاء صندوق النقد الدولي، وبموجبها يحق للبلد الساحب أن يختار النقد الذييريد اقتراضه، ويجب عليه تسديد المبلغ المسحوب بكامله في الأوقاتالمحددة.

أما حقوق السحب الخاصة فجاءت لاحقة في اتفاق جديد، بعد مضيّ أكثرمن عشرين عاماً على تأسيس الصندوق. وهي خاصة للدول ذات العجز في ميزان المدفوعات،كما أنها لا تملك حرية اختيار النقد الذي تريد اقتراضه. وأما تسديد المبلغ المسحوب،فيجبر البلد المدين على تسديد 30% من المبلغ، في حين تذهب 70% الباقية معالهواء.

في الفترة التي كانت المناقشات دائرة حول وضع بنود حقوق السحبالخاصة، كان العجز في ميزان المدفوعات الأميركي حوالي (20) بليون دولار. فكانالتشديد ظاهراً في موقفها حيال إقرار تسديد 30% فقط، وأما الـ70% الباقية فإنهاتذهب في الهواء، أي لا تلزم الدولة المستفيدة من حقوق السحب هذه بدفع أو تسديد مافوق 30% من المبلغ المقترض.

لقد ظهر خلاف عندما أريد تحديد كمية حقوق السحبالخاصة، التي يجب أن تصدر. فالولايات المتحدة الأميركية، على اعتبار أنها في حالةعجز بنياني، أرادت أن يصدر في كل عام (5) مليارات دولار ولمدة (5) سنوات. أماألمانيا الغربية، وبلدان أوروبا الشمالية – على اعتبار أنها في حالة فائض دائمفقد حاولت الحد من إصدار ههذ الكمية. وبعد مناقشات طويلة وشاقة، تم الاتفاق على أنيصدر بصورة تدريجية كمية تبلغ (9.5) مليار دولار في مدة 3 سنوات (3.5 مليار خلال1970، و3 مليار خلال 1971، وتصدر الكمية المتبقية أي ثلاثة مليارات دولار خلال1972).

ما هي الأسباب التي استند إليها تحديد هذه الكمية وهي 9.5 ملياردولار دون سواها؟

ظاهرياً لا يوجد أي أساس لذلك، وإنما كان حصيلة المناقشاتوالمفاصلات التي جرت بين الفريقين.

ولكن بواطن الأمور وخفاياها تشير إلى غيرذلك. وهذا الحال يعيدنا إلى سعر الذهب وإلى حجم الأرصدة الذهبية فيالعالم.

كان سعر الذهب الرسمي في ذلك التاريخ (35) دولاراً للأونصة الواحدةمن الذهب. ولم يكن يوجد إلا سعر واحد للذهب. ولكن بعد إيجاد السوق الحرة أصبح يوجدله سعران: السعر الرسمي وهو (35) دولاراً والسعر الحر وهو (44) دولاراًللأونصة.

فتكون كمية السحب المحددة المذكورة وهي (9.5) مليار دولار، هي كميةالفرق بين السعر الرسمي والسعر التجاري الحر، مع نسبة الأرصدة الموجودة كغطاء. وهذهالدراسة قامت بها المصارف المركزية على ضوء ما لديها من أرصدة ذهبية. فهذه إذن هيفي حد ذاتها لعبة، والمستفيد منها أميركا فقط. ومجرى المناقشات الحادة التي تجريبين المجتمعين يبين أن أميركا كانت تريد عدم التسديد بالمرة. حتى إن طريقة التسديدالجزئية هذه التي اتفق عليها وهي (30%) كانت غامضة، إذ تركت لسلطات الصندوقتحديدها.

ويعتبر بعض المختصين في الاقتصاد الدولي أن عملية حقوق السحبالخاصة هذه ما هي إلا مؤامرة دولية، حاكتها البلدان الغنية ضد البلدان الفقيرة،وسيكون أثرها الرئيسي الإسهام في تعميق الهوّة التي تفصل الآن بين هاتين الكتلتينمن البلدان.

وخلاصة القول إن حقوق السحب الخاصة هي عنصر جديد أضيف إلى عناصرالسيولة الدولية السابقة. كما أنها ترمي بصورة صريحة إلى مساعدة البلدان الكبرى،التي تعاني من عجز مزمن في ميزان مدفوعاتها مثل بريطانيا والولايات المتحدة. كمايرى المختصون في هذا المضمار أن الاستمرار في إصداره في الأمد الطويل سيؤدي حتماًإلى إحداث اضطرابات نقدية مهمة. كما أن خلق هذا النظام يعتبر انتصاراً جديداًللولايات المتحدة، التي تسعى إلى استبعاد الذهب من الصعيد النقديالدولي.

فحقيقة هذه الحالة الجديدة، وهي حقوق السحب الخاصة، أنها عبارة عنفتح اعتماد جديد في صندوق النقد الدولي. والمستفيد الأول من هذه الحالة هو الولاياتالمتحدة الأميركية، نظراً لحجم العجز الذي أصاب ميزان مدفوعاتها، ولأن 70% من هذهالقروض، وهذا الاعتماد، ستذهب وبدون تسديد. فهي عبارة عن عملية إنقاذ للدولارالأميركي المتعثر. بل هي مقدمة لتفرّد الدولار في ساحة الاقتصاد الدولية، نتيجةتنحية الذهب كلياً عن أن يكون له أية علاقة بنظام النقد الدولي.

وهذهالاتفاقية في حقيقتها أيضاً هي إجبار البلدان صاحبة الفائض الدائم – كالسعوديةعلى تقديم كميات مجانية من السلع والخدمات بالإضافة إلى رأس المال إلى البلدانصاحبة العجز


من مجلة الوعي العدد 200


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق