]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الواقع الديموغرافي في القدس

بواسطة: الاستاذ منصور عزت ابو ريدة  |  بتاريخ: 2013-11-22 ، الوقت: 17:46:16
  • تقييم المقالة:

تعتبر الأراضي الفلسطينية إحدى المناطق ذات التحوّل الديموغرافي في المراحل الأولى ، حيث الارتفاع في معدلات الخصوبة، على الرغم من الانخفاض التدريجي الذي شهدته الأراضي الفلسطينية خلال العقد الأخير. فقد انخفض معدل الخصوبة الكلية من حوالي 6 عام 1997 إلى 4.6 في عام 2004. إلا أنّ معدلات نمو السكان ما زالت مرتفعة. وهذا ما تظهره قاعدة الهرم السكاني العريضة، حيث شكّل السكان دون سنّ الثامنة عشرة عاماً حوالي نصف المجتمع، مما سيترتّب عليه استمرار معدلات نمو عالية قدرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بحوالي 3.5%. إنّ المؤشرات الديموغرافية الأساسية في محافظة القدس، بما في ذلك معدلات الخصوبة ومعدلات النمو، تشابه تلك المعدلات الخاصة بالضفة الغربية حيث معدل الخصوبة الكلية 5.2 عام 1997 ومعدل النمو 3.5%.

 

إنّ تداخل التحوّل الديموغرافي الناجم عن الزيادة الطبيعية مع التحول الديموغرافي القسري، بسبب إجراءات الاحتلال بخصوص سكان القدس، يفرض تحدّياتٍ كبيرة على مجالات حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وقضايا الإسكان. كما يفرض على المخطط الفلسطيني تحديات كبيرة وعبئاً إضافياً لمواجهة السياسات "الإسرائيلية"، إضافةً إلى التحديات الطبيعية المرتبطة بصفات المجتمع الفلسطيني.

 

أثر جدار الضم والتوسع على الواقع الديموغرافي

كما برز تحدٍّ جديد تمثّل ببناء جدار الضم والتوسع، مما أضاف بعداً جديداً لمعدلات التغير الديموغرافي القسري. إذ يلاحظ أنّ حوالي 62% من الأفراد الفلسطينيين -10 فأكثر في القدس- يضطرون للتنقّل عبر المناطق المحاصرة بالجدار في الاتّجاهين للحصول على الخدمات التعليمية والصحية، ومزاولة أعمالهم، وأنشطتهم الاجتماعية والترفيهية والسياحية. إضافةً إلى ذلك هناك حوالي 33% من الأفراد الفلسطينيين في القدس غيّروا مكان إقامتهم السابقة. وحوالي 54% منهم غبّروا مكان الإقامة السابق لأول مرة بعد بناء الجدار. كما أنّ الجدار سلَب أراضي حوالي خمْس الأُسَر الفلسطينية (19.2%) على جانبي الجدار.

 

على صعيدٍ آخر تظهر الدراسات الحديثة أنّ جدار الضم والتوسع يؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على اتجاهات الهجرة القسرية. فقد ازدادت نسبة الذين يفكّرون بالهجرة بعد بناء الجدار بالمقارنة مع ما قبل الجدار بحوالي 22% على مستوى محافظة القدس. ويلاحظ أنّ اتجاه التغير داخل مدينة القدس أعلى بكثير من بقية المحافظة (54% داخل الجدار مقابل 10% للأسر خارج الجدار). وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية النظر إلى الجدار كنظام عزْل لا كمجرد بناء، حيث يصاحب ذلك نظام تصاريح وتوقيتاً للعبور وتحديداً لحرية التنقل، مما يجعل آثاره كبيرة جداً على التحرك السكاني. إنّ الدراسات الحديثة تشير إلى أنّ أثَر نظام العزل المتمثّل بجدار الضم والتوسع وتبعاته أكبر على التحرك السكاني من نتائج الاحتلال "الإسرائيلي" في نكبة 1948 ونكسة 1967.

 

الفجوة بين العرب واليهود

بلغ عدد سكان محافظة القدس حوالي 324 ألف نسمة عام 2005. وقد شكّل السكّان الفلسطينيون في المنطقة التي ضمّتها "إسرائيل" حوالي 34% من سكان القدس بالمفهوم "الإسرائيلي" (حدود بلدية القدس التي تخضع للسيطرة "الإسرائيلية")، علماً بأنّ مخططات وإجراءات الاحتلال تهدف إلى خفض نسبة السكان الفلسطينيين إلى حوالي خمس سكان القدس (22%).

 

من ناحية أخرى، فقد شكّل سكّان محافظة القدس حوالي 17% من سكان الضفة الغربية عام 2005، يعيش 62.2% منهم ظروفاً معقدة في ذلك الجزء الذي ضمته "إسرائيل" إلى حدودها بعد احتلال عام 1967، وتشير البيانات الإحصائية إلى أنّ متوسط كثافة السكن في هذه المنطقة بلغت حوالي 1.8 فرد/غرفة مقابل 1.1 فرد للسكان "الإسرائيليين" في المنطقة نفسها.

 

التباين في مؤشّرات الرفاه الاجتماعي والاقتصادي بين الوسط الفلسطيني والوسط اليهودي في القدس كبير جداً، ويطال كافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية. تشير الإحصاءات، على سبيل المثال، إلى أنّ معدل عدد الأطفال لكل مركز أمومة وطفولة حوالي 69 ألف طفل مقارنة 1821 لـ"الإسرائيليين". بينما تبلغ نسبة المدارس التي يتوفر فيها كمبيوتر للفلسطينيين 16.5% مقارنة مع 83.5% لـ"الإسرائيليين". وبينما لا يوجد أي نقص في صفوف المدارس "الإسرائيلية" هناك حاجة إلى 650 صفاً في المدارس الفلسطينية لتغطية الحاجة حتى العام 2005، علماً أنّ 40% من الصفوف الدراسية في مدارس الفلسطينيين مصممة كمساكن. أمّا معدّل الأفراد الفلسطينيين لكلّ حديقة عامة فقد بلغ 7362 فرداً مقابل 477 فرداً من "الإسرائيليين".

 

كما يفتقر الفلسطينيون نهائياً للمرافق الرياضية، بينما يتوفر لـ"الإسرائيليين" 36 مرفقاً رياضياً. أمّا بخصوص المباني غير المرتبطة بشبكة مجار للفلسطينيين، فقد بلغت 2620 مبنى مقابل 70 مبنى فقط لـ"الإسرائيليين". كما بلغت نسبة الأطفال الفلسطينيين الذين يعيشون دون خط الفقر حوالي 69% مقابل 27% بين "الإسرائيليين". وبلغت نسبة الأُسَر الفلسطينية التي تعيش دون خط الفقر حوالي 62% مقابل 18% بين "الإسرائيليّين. بالإضافة إلى ذلك قدّرت نسبة العاملين الفلسطينيين الذين دخلهم أقلّ من الحدّ الأدنى من الأجور بحوالي 44% مقارنة مع 10% بين "الإسرائيليين".

 

يتّضح من واقع بعض المؤشّرات الاجتماعية والاقتصادية والصحية حجم التحديات التي يتعرّض لها الفلسطينيون في القدس، حيث تمنع السلطة الفلسطينية من تقديم الخدمات لهم من جهة، بينما لا  تقدم لهم الخدمات بالتساوي والعدالة من الجانب "الإسرائيلي" وذلك بهدف الضغط المتواصل عليهم لإجبارهم على مغادرة المدينة للهروب من التمييز والاضطهاد والمنع من البناء أو  التكاليف العالية للحصول على تراخيص البناء والتي تقارب حوالي 25-30 ألف دولار أمريكي . وورد في دراسة خاصة أعدها مئير مارغليت عضو (بلدية القدس) السابق (أنّ تكاليف رخصة البناء لشقة من 200م2 492.109 شيكل. وهذا المبلغ لا يشمل رسوم خدمات الربط بشبكة  الصرف الصحي ورسوم المحاماة، وكلاهما ضروريّتان لاستصدار الرخصة والمتابعة من أجل الحصول عليها. وهذا الواقع يعني في كثير من الأحيان أن تكاليف الرخصة تفوق تكلفة البناء ذاته).

 

الواقع الاجتماعي الاقتصادي

كنتيجةٍ للتحوّلات الديموغرافية الناجمة عن الزيادة الطبيعية للسكان، والتي إمّا أنْ تسهم في التنمية أو تعيق عمليات التنمية الاقتصادية، أو التحوّلات الديموغرافية القسرية المتمثّلة بالتهجير والإبعاد والإحلال السكاني، والتي نتج عنها تحديات كبيرة تمسّ حياة السكان في مختلف جوانب الحياة  الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، يتعرّض الفلسطينيون بشكلٍ عام، والمقدسيون بشكلٍ خاص، إلى تحوّلات ديموغرافية قسرية من إحلال وإبعاد وتهجير وتقطيع الأوصال نتيجة لجدار الضم والتوسع العنصري، الذي يغيّر المعالم الجغرافية، ويصادر الأراضي، ويهدم المنازل، ويدمر الأراضي الزراعية.

 

الواقع السكاني والأسرة

كما تمّت الإشارة سابقاً، فإنّ المحافظة تنقسم إلى قسم يخضغ للسيطرة "الإسرائيلية" يرمز له بالرمز (j1)، بينما يرمز للقسم الآخر بالرمز (j2). وفي العام 2005، فإنّ حوالي ثلثي سكان المحافظة 62.5% يعيشون في المنطقة j1، وحوالي ثلث السكان في المحافظة لاجئين (34%)، يتوزعون بواقع 44.4% في منطقة j2 مقابل 27.8 في منطقة j1. العمر الوسيط للسكان في المحافظة بلغ 18 سنة بواقع 19 عاماً في منطقة j1 مقارنة مع 17 عاماً في منطقة j2، بينما بلغ العمر الوسيط في الضفة الغربية 17.7 عاماً. ويشغل صغار السن دون الخامسة عشرة في المحافظة 42.3% من السكان، حيث بلغت نسبة الإعالة في المحافظة 83.8 بواقع 81.2 في منطقة j1 و 89 في j2، بينما بلغ المعدل في الضفة الغربية 91.7 عام 2004.

 

هناك تحوّل في اتجاه نمط الأُسَر في الأراضي الفلسطينية نحو الأسَر النووية، حيث شكّلت حوالي 83% من إجمالي الأُسَر عام 2004، وبلغت 82.7% في الضفة الغربية، و79.3% في محافظة القدس، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أثر الإجراءات "الإسرائيلية" في الحدّ من البناء وتكاليف الترخيص الباهظة. متوسط أفراد الأسرة في القدس 5.3 بواقع 4.9 أفراد في المنطقة j1، و6 في منطقة j2.

 

ظروف المسكن

تعكس ظروف المسكن قدراً كبيراً من الواقع الاجتماعي والصحي والسياسي والاقتصادي، حيث قُدّر عدد الوحدات السكنية الفلسطينية في منطقة j1 عام 2002 بحوالي 32 ألف وحدة مقارنة مع مساكن المستوطنين البالغة حوالي 58 ألف وحدة. بينما بلغ عدد الوحدات السكنية في منطقة j2 حوالي 26 ألف وحدة عام 1997.

 

كما بلغ متوسط عدد الغرف في محافظة القدس للمسكن 3.2 غرفة، بواقع 3 غرف في منطقة j1 و 3.5 غرفة في منطقة j2. وتجدر الإشارة إلى أنّه قد تمّ بناء 19 ألف مسكن للفلسطينيين منذ العام 1967 حتى عام 2002 مقارنة مع حوالي 86 ألف مسكن للمستوطنين خلال الفترة نفسها.

 

كما تشير بيانات كثافة المسكن عام 1972 إلى أنّ 49% من الأُسَر في القدس تعيش في مساكن ذات كثافة عالية (ثلاث أفراد لكل غرفة) وانخفضت إلى حوالي 20% عام 1998. بينما بلغت نسبة "الإسرائيلية" التي تعيش في مساكن ذات كثافة سكانية عالية للفترة نفسها 8.4%، 1.5% على التوالي. ويستدل من واقع ظروف المسكن حجم الفجوة بين ظروف حياة الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، الناجمة عن ظروف اقتصادية وسياسية وبيئية صعبة يمر بها الفلسطينيين في القدس.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق