]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عزف منفرد في الصّحراء

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-11-22 ، الوقت: 14:54:43
  • تقييم المقالة:

    

 

عزف منفرد في الصّحراء

 

      لقد زرعتِ الأخضر المعطاء في كل الأرجاء، غطّى الأرض، مدّ بساطه الرّبيعيّ وَفَرَشَهُ في كلّ الأنحاء، بدأ يتصاعد كَلَّلَ الجدران، وغطّى المكان، مرّ وسلّم وألقى التّحيّة على كلّ الأرجاء، رأيته يتطاول ويرتفع، هل تحلمين بالوصول به إلى السّماء؟ هل تحلمين بأن يطال التّغيير كلّ الأشياء؟ ما جدوى الحياة بلا حلم؟ الأخضر هو لباس الأرض، وكساء أهل الجنّة في السّماء، لكنّه في عداء مع الصّحراء، ما أصعب العيش في صّحراء جرداء، هناك يُعامل الحبّ كشيكً بلا رصيد، يُعاد ويكتب عليه راجع غير مقبول، وتحتاج قطرة الماء إلى إذن رسميّ بالدّخول، وتحتاج الورود إلى مرسوم، والعصافير تحتاج إلى جوازات سفر، أما أعشاب الرّبيع فتحتاج إلى خمسة أختام وطوابع، بحجّة أن تخضع للقانون كلّ الأشياء، وبدعوى الحفاظ على معالم الصّحراء!

 

ما أصعب أن نعيش بلا أسماء! وينادوننا يا هذا، يا ذاك، يا أؤلئك، يا هؤلاء، ما أصعب أن تخلع أسماؤنا معانيها! ما أقبح عري الأسماء!

 

    جرّبت أن أعيش كالنّباتات الشّوكيّة بلا ماء، وأن أتجاوز تلك المعزوفة الجميلة التي تعزفها السّماء حين تهدي الأرض غيثاً في الشّتاء، لكنّني فشلت في أن أصبح نباتاً شوكيّاً، أو أن أتقبّل تلك الإبر البارزة في النباتات الشّوكيّة التي تحمل كلّها اسم الصّبار، وتخزّن الماء لعام، وتصبر عاماً بلا مطر، اعذروني كنت كمن يلعب على طاولة القمار، يغامر بكثير من الأشياء، وفي نهاية الشّوط يخسر كلّ الأشياء.

 

    جربت أن أقطع كلّ النخلات التي تنمو بقلبي، وأن أكسر كلّ النّوافير الأندلسيّة، وأبيد كلّ العشب الأخضر بقلبي كما يبيدون الحشرات، وأعيش بين الرّمال الصّفراء، وأخلع كلّ بذرة تنمو أو تفكّر في النّماء، لأحافظ على طهر الصّحراء، خسرت نخلاتي، وخسرت ذاتي، وظلّت الصّحراء جرداء، وظلّ قلبي يتيه وراء معزوفة الماء، ماء ماء، قتلتنا الصّحراء.

 

     تركتهم هناك يتعمّقون في فلسفة الخراب، وفي روعة ظاهرة التّصحّر، وفي جدوى تحويل الجنّة الخضراء إلى صحراء، وفي الدّمار الذي تلحقه الغمامة حين تلوح في السّماء، تركتهم كقوم موسى يتيهون أربعين عاماً في الصّحراء، صبرة، ونهال، وصبّارة، وروان،  نباتات شوكيّة تتقن العيش في الصّحراء، وتعتبر الحبّ ضرباً من البغاء، وتقتل كلّ امرأة تنام بين ذراعيّ زوجها، وتنهال ضرباً على أيّ وردة تفكّر في أن تنبت، تعتقل كلّ شجرة تنبت في الصّحراء، وتطلق النّار على أي حمامة تعبر المجال الجويّ للصّحراء، وعلى كلّ غزال يعبر المجال الأرضيّ، بدعوى أنّهن حرّاس الصّحراء.

 

    رحم الله أمّي كانت تعشق الجوري، والأضاليا، وسنّ السّمكة، والرّيحان، والياسمين، وتعشق وجه أبي والمطر والشّتاء، لماذا لم تكن تحبّ الصّبّار والشّوك والصّحراء؟ لأنّها ليست من فصيلة الصّبار، وأنا لست من فصيلة الصّبار، كانت كلّما أمطرت السّماء، تخرج لتنظّف فناء المنزل، وتشاهد وقع المطر على ورداتها، ثمّ تدخل إلى البيت وهي في منتهى السّعادة، وقد تبلّلت ثيابها، كانت ورداتها تمتدّ إلى الشّارع، وعندما رحلت أمّي قطفنا كلّ ورود الحديقة، ووضعنا على نعشها آلاف الوردات، عنها ورثت عشق الورد وعشق الماء، أشعر الآن أنّها مذنبة لماذا لم تعلّمني عشق الصّحراء والصّبار والشّوك وغزغزة الإبر؟

 

                                                         الكاتبة: عزيزة محمود خلايلة                                       

 

                                                                 مشرفة اللغة العربية

 

                                                                 مكتب التربية والتعليم

 

                                Email : azizah_m2012@yahoo.com                          

 

                                                                          

 

                                                          

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق