]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وحيد الأيام

بواسطة: وحيد الأيام  |  بتاريخ: 2013-11-20 ، الوقت: 22:21:54
  • تقييم المقالة:

ها هو وحيد الأيام يظهر مرة أخرى...

ها هو يمشي في طرقات لندن المظلمة، وربما في فرنسا، أو ربما في أي مكان في أوروبا...

كان يمشي في تلك الطرقات المظلمة مرتدياً معطفه الأسود موشحاً بوشاحه الرمادي، ماشياً دون هدف وقد قاربت الساعة منتصف الليل ليل أوروبا المظلم... أوروبا السوداء بحضارتها بتقدمها بناسها بلغاتها... أوروبا التي كانت سوداء بعينه برغم كل ما فيها...

وفجأة توقفت قدماه عند لافتة مكتوب عليها (حانة منتصف الليل) طرق الباب ودخل لم يكن هناك إلا اثنان في زاوية المقهى يحتسون الشراب والنادل الذي يقدم الطلبات...

دخل وحيد الأيام ونظر يميناً ويساراً واختار زاوية المقهى الثانية وجلس هناك وطلب من النادل على غير العادة هذه المرة فنجاناً من القهوة لم يطلب كعادته كأساً من النبيذ ولم يكن كعادته يدخن في الطرقات أو حتى يستعمل البايب...

لقد تغير... أو بالأحرى علمته الأيام... والأيام خير معلما ولكن دروسها قاسية... وجارحة... تجعل الإنسان في سنة يكبر سنوات... هو نفسه استغرب من نفسه أنه غيرَّ عاداته...

لقد كبر... أرهقته الأيام... ولم تعد صحته تتحمل تلك المشروبات...

لقد فضل فنجاناً من القهوة... وأخذ يحتسي قهوته السوداء...؟َ!

وتكرج ذاكرته بسرعة للوراء وتقارن ما بين الماضي والحاضر...

ويسأل نفسه: أهذا أنا منذ عشر سنوات...؟!

لقد كبر أحنت الأيام ظهره وأخذت منه كل مأخذ... وتذكر الناس الذين هجروه وتركوه وحيداً وتذكر أنانية كل واحد منهم...

ونظر لكلمة الأنا التي تملأ كل مكان... تملأ العالم... الزمان... المكان...

وتأمل حزنه البعيد والطويل... ترى لماذا هو حزين ولماذا عيناه تسافران في المجهول...

احتسى قهوته السوداء وقد كان يحتسي معها كل مرارة الأيام وتعبها، كل دماء الجروح التي تسيل في قلبه وكل الدموع التي لم يعد باستطاعته أن يذرفها لقد لفت بشروده انتباه صاحب المقهى ...فقد كان ينظر إليه وهو غرقاً في بحر أفكاره...ولم ينتبه وحيد الأيام أن صاحب المقهى يتأمله...

ولم يشعر أساساً أن الوقت مضى وأن الساعة تجاوزت منتصف الليل إلى أن نبهه صوت النادل قائلاً: هل يطلب سيدي شيئاً آخر....؟؟؟؟؟

 لم يجب وضع النقود على الطاولة وانصرف مخلفاً وراءه ضبابة من إشارات الاستفهام التي ارتسمت على وجه صاحب المقهى...

وعاد ليمشي مرة أخرى في الطرقات لا يدخن سيجاراً أو يحمل غليونه كالمعتاد... حتى أنه كان يمشي بصمت لا يدندن لحنه الفرنسي  المفضل كعادته... يمشي بصمت... مطأطأ الرأس دون أن يلتفت هنا أو هناك... أرهقته الأيام... أثقلت كاهله الهموم... جرحه الناس... وأصبح وحيداً...

ويبقى وحيد الأيام يمشي وحيداً على مر الأيام...

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق