]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ليتني كنت غبية

بواسطة: نجيبة محمد الرفاعي  |  بتاريخ: 2013-11-11 ، الوقت: 16:52:41
  • تقييم المقالة:
فاجأ العالم النووي الأمريكي  ( اريك فيرنر ) الأطباء بطلب غريب وهو قص جزء من دماغه كي يصبح غبيا ، وقال أن الذكاء مشكلة كبيرة ، والأغبياء هم الذين يستمتعون بحياتهم ، لأنهم يأكلون ويشربون ويلهون ، دون أن يشغلوا أنفسهم بالتفكير في أي شيء ، ولذلك أريد أن أكون غبيا مثل الأمريكيين الآخرين من حولي ، أعمل في وظيفة عادية ، ليس فيها شيء من التوتر ، وفي المساء أعود إلى منزلي ، آكل وأشاهد برامج التلفزيون ، وأنا مستعد أن أعطي كل ما أملك لأي طبيب يقتطع جزءا من عقلي ويحولني إلى غبي ، يجلس في المقاهي مع الناس ، ويتفوه بكلام تافه لا معنى له ، حول قضايا تافهة ، مثل كرة القدم أو أخبار مونيكا ليفنسكي ، وهل تحب برينتي سبيرز  ابن الأمير أم لا ....إلخ ))

تذكرت هذا الخبر ، وأنا أقرأ عناوين الجريدة اليومية ،  بكل ما تحمله من قهر وخيبة وإحباط ،  وتمنيت فعلا أن أكون غبية ..
ليتني كنت غبية كيلا أتأثر بمناظر الموت ، و لا صور المفجوعات بالزوج والأبناء ، ولا أشمئز من أخبار الخيانات و قصص المؤامرات ، ولا أكترث بما يحدث للإسلام من تشويه وتضعيف  ، ولا أهتم  بما يعتري المجتمعات من بطالة وفقر ومحسوبية .
تمنيت لو أعيش غبية فلا أملك قلبا يتأثر من كلمة  أو يبكي لصورة .. ولشعرت بالراحة  وأنا أتخيل يومي خاليا من المنغصات ، لا أحمل همّ الدين ولا أشغل بالي بالمساكين ، ولا أفعل شيئا سوى الأكل والثرثرة ومشاهدة الفضائيات والتسكع في المراكز والمنتزهات .

ولعل المتنبي قد سبق ذلك العالم الأمريكي في اكتشاف هذه الحقيقة التاريخية حين قال :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله                     وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم . 

فمن الحكمة إذن أن تكون غبيا أو تتظاهر بالغباء ، حتى لا تصاب بالاكتئاب والكوليسترول والسكتة الدماغية ، وحتى تنعم بالحياة دون خطر ، لأنه إن اشتم فيك رائحة الذكاء  ، فقد تتسلط عليك العيون ، ويخاف منك المتسلقون  ، ويكثر من حولك الوشاة والمغرضون  
كن غبيا ولا تأبه بما يقولون عن الإنجاز والتميز وإثبات الذات ، فكلها شعارات لا تصلح إلا لجدران المكاتب ، ولكنها لا تحصد المناصب ..
كن غبيا ولا تخجل، فكل ما حولنا  يرسخ مبدأ الغباوة ، فإعلامنا ما زال  يصدر لنا أخبار الفنانين وأرقام غرامياتهم ، وكم مرة أصيبوا بالزكام ، وكم حذاء يملكون ، وماذا يأكلون ويشربون ، و الصحافة تلعب بنا على أوتار المتناقضات ، فمن خبر لموت شهيد إلى  إعلان عن راقصة في ملهى ليلي ، و من خبر مجاعة وبطالة ، إلى  تبشير  بافتتاح فندق فاخر  لا يستضيف سوى ..للكلاب .. فهل نجد غباء أفضل من هذا ؟ 
كن غبيا .. مستسلما .. إمّعة.. لا مباليا .. ولا تبالي إن تقدّم غيرك في الوظيفة ، أو سبقك الآخر إلى التميز ، وعش بلا هدف .. يدندن لسانك بالأغنيات  ، وتتمتع عيناك بمجلات الموضة والرياضة ، وأخبار السيارات والأسهم والنساء .. ثم اسأل نفسك بعد كل هذا ، هل فعلا ستكون سعيدا ؟
وهل تكمن السعادة  الحقيقية في موت العقل وضياع الهمة  ؟
وما جدوى الإنسان أن يعيش فلا يكون له لون  ، ولا يحقق له  وجودا ؟ وما نفع الحياة إن لم تمتد يدك  لتساعد محتاجا ؟  وما قيمة الحياة حين لا تكون بها شيئا  ، ولا تضيف إليها شيئا ؟ وقد سجّل مصطفى صادق الرافعي  حكمته الفريدة حين قال ( إذا لم تزد في الحياة شيئا ، تكن أنت زائدا عليها ) .
نحن أمة تمشي على هدي رسولها صلى الله عليه وسلم حين طلب من صحابته التعلم ، وأكّد لهم بأن العبادة الحقة ليست حركات وتراتيل ، بل عمل واجتهاد وسعي وعمارة ، فاستوعب الصحابة الأمر ..  وكانوا هم الأوائل .
لعله قانون الحياة  بأن يكون هناك أذكياء  يعملون ويجتهدون ، وآخرون ينعمون بالغباء ويعيشون على الهامش ، ثم يعتقدون أنهم الرابحون  ، ولعل سر السعادة الحقيقية أن تصنع لك شأنا وتسجل لك وجودا وتترك لك أثرا .. ويكفيك فخرا بعد ذلك حين يقولون .. أنه في يوم ما .. كان بيننا ذكي .

« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق