]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

النظريةالسياسية عند فقهاء السنة والزيدية

بواسطة: عبدالرزاق العمودي  |  بتاريخ: 2013-11-10 ، الوقت: 19:47:59
  • تقييم المقالة:

الكاتب : حسن عباس عنتر

 

ليس صحيحا أن توماس هوبز (1588م – 1679م ) وجون لوك ( 1631م – 1704م )  وجاك روسو ( 1712م – 1778م ) هم أول من قَعَّد لمبادئ العقد الاجتماعي التي بدأت تتحدث عن بشرية الحاكم وعن محاسبته على كل أعماله وتضع له بعض الحقوق في مقابل إلزامه بمجموعة من الواجبات والوظائف والمسؤوليات التي لا يحق له تجاوزها.

 

حتى وان كانت هذه هي المعلومة السائدة في مناهجنا الدراسية إلا إن تاريخ التشريع الإسلامي يضع أمام ناظرينا مجموعة من النماذج لعلماء وفقهاء وتيارات ومدارس فقهية بلغت مبلغا راقيا وشأنا عظيما في التأصيل المنهجي لنظرية سياسية واقعية تم ممارستها عمليا بشكل أقرب إلى ما يعرف في دساتير الدول المعاصرة، وإذا كان الباحثون الغربيون يكررون مقولة للمفكر جون لوك يقول فيها: ( إن القوة يجوز اعتمادها في مواجهة سلطة القوة الغاشمة غير المشروعة) فإن مذاهب إسلامية أصيلة قد جعلت من أهم قواعد عقائدها ومبادئها مبدأ ( وجوب الخروج على الحاكم الظالم).

 

ورغم أن التاريخ السياسي الإسلامي قد شهد منذ عقوده الأولى وحتى اليوم مجموعة من الانحرافات السلوكية والتحريفات المنهجية التي تولى كبرها سلاطين الجور وعلماء السوء، والتي أودت بالعديد من المفاهيم الإسلامية القرآنية الثابتة واستبدلتها بمفاهيم انهزامية تضليلية متلبسة بلباس الدين، حتى صار الظلم والفساد والاستبداد قدرا وخيرا لا مرد له ولا فكاك منه إلا أن شعلة الحق والعدل ظلت متوقدة يتلقفها أحرار الأمة جيلا بعد جيل.

 

النظرية السياسية والخلل القائم:

 

بعد وفاة النبي حصل الخلاف السياسي المعروف بين الصحابة حول مسألة ولاية الأمر ورغم أن هذا الخلاف كان ذا طبيعة سلمية حضارية إلا أنه لم يخرج بقاعدة تأصيلية يمكن الاستغناء بها فيما لحق تل الفترة من أحداث ومرت فترو الخفاء الأربعة بعد استشهاد الإمام علي (ع) انقض على الخلافة معاوية بن أبي سفيان بالحيلة والغلبة وحول الخلافة وإمامة المسلمين إلى ملك عضوض واستبد بالأمر وكان أول من أصّل للفساد السياسي وتوريث السلطة، وجاءت الدولة العباسية وجاء البويهيون والسلاجقة والفاطميون والمماليك والأيوبيون والعثمانيون وغيرهم من الدول والحكومات ، ومع كل ما مرت به تلك الدول والحكومات من أحداث وتقلبات إلا إن النظرية الإسلامية السياسية ظلت تعاني من فقدان الأصيل التشريعي بالنسبة لأغلب المذاهب ولقد انعكس الخلل التشريعي القائم على واقع الحال الذي فرض نفسه على الأمة وكان حجم التضليل الدين الرسمي الذي مارسه الولاة والسلاطين والأمراء عن طريق فقهائهم وعلماء بلاطهم اكبر مما يتصوره المطالع لصفحات التاريخ، ولم يكن غير القليل من التيارات الإسلامية التي تقدم نظرية سياسية تعاقدية بين الحاكم ورعيته وتؤمن بأفكار سياسية ثورية غير مهادنة، لا تقبل الظلم ولا تخضع للأمر الواقع.

 

وقد تعرض أئمة الثورة والتنوير الرافضين للفساد والاستبداد لأبشع صنوف التعذيب والتنكيل وكان أئمة أهل البيت(ع) هم أكثر من تحمل عبء التضحية بالنفس والنفيس والمال والولد في سبيل إرساء مبادئ الإسلام الحقة وتصحيح المفاهيم وتقويم الانحرافات التي عمت واقع الأمة في اغلب فتراتها.

 

تعيين الحاكم وطرق الوصول للسلطة:

 

إذا تجاوزنا خلافات الفقهاء حول مسائل الإمامة والخلافة والنظرية السياسية وقفزنا إلى جزئية طريقة تعيين الحاكم عند الفقهاء سنجد أنهم يتحدثون عن عدة طرق اختلفوا في مشروعية بعضها من عدمه واهم تلك الطرق

 

النص – كما يقول الشيعة الاثني عشرية رغم أنهم قد طوروا مفاهيم الدولة لديهم مع بروز نظرية ولاية الفقيه-”

 

ولاية العهد وينبثق عنها توريث الحكم وهو ما يجري في الكثير من الدول الملكية وشبه الملكية ، وقد تحدث الفقهاء عن هذا الشكل واعتبروا عهد أبي بكر لعمر وعهد عمر للستة دليلا على مشروعية هذه الصفة.

 

القهر والغلبة وهو أخذ السلطة بالقوة وكل مذاهب أهل السنة تقر بمشروعية هذه الطريقة في تولي الحكم.

 

الدعوة والعقد والاختيار ومعنى الدعوة بالمفهوم المعاصر عرض البرنامج السياسي للمرشح والعقد والاختيار يكون من قبل أهل الحل والعقد وهم العلماء والوجهاء ويقول بهذه الطريقة أئمة الزيدية وفقهاؤها وبعض المعتزلة وبعض علماء السنة.

 

وبعض فقهاء السنة يغالون في أمر تبرير التغلب والاستيلاء على السلطة حتى يصل بالبعض إلى اعتبار أن دفاع اشخص عن دينه ودمه وعرضه وماله (دفع الصائل) جائز باستثناء حالة أن يكون المعتدي هو السلطان فالدفاع هنا غير جائز. وكأن السلطان ذات مقدسة أو معصومة.

 

ونجد عبارات فقهية تقول عن الولاة:” من اشتدت وطأته بالتغلب وجبت طاعته ولا يراعي في ذلك شروط الإمامة” . راجع موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي.

 

وإذا كان الباحثون الإسلاميون المعاصرون يحاولون منذ عقود أن يؤصلون في كتاباتهم وبحوثهم ودراساتهم لنظرية سياسية إسلامية قائمة على الشورى والعدل والحرية واحترام الأقليات والأصول والتداول السلمي للسلطة فإنهم لن يجدوا بدا من العودة إلى نماذج التأصيل الفقهي الموجود لدى القائلين بمنهجية الدعوة والعقد والاختيار.

 

مسؤوليات الحاكم وصلاحياته:

 

لا يمكن الحديث عن النظرية السياسية التي صاغها فقهاء المسلمين بمعزل عن التطرق إلى حدود صلاحيات الحاكم وواجباته ومسؤولياته تجاه رعيته، صحيح انه لا تكاد تخلو كل كتب الفقه عند مختلف المذاهب من الحديث في أقسام السير والإمامة والجهاد عن اختصاصات الحاكم وحقوقه ووظائفه، كجهاد الأعداء وإقامة الجمع وجباية الصدقات و..و..و..الخ، ولكنه قلما نجد كلاما أو حديثا حول محاسبة الحاكم ومساءلته عن أي انحرافات سلوكية قد يقع فيها.

 

يؤكد الباحث الدكتور بلال صفي الدين على ذلك في بحثه المقارن” أهل الحل والعقد في نظام الحكم الإسلامي” بقوله:”ولا مطمع للباحث الذي يفتش عن كلام العلماء في الرقابة على تصرفات الإمام.. وإذا علمنا أن جل كلام العلماء في نظام الحكم يُعد انعكاسا لتطبيق الخلفاء الراشدين لهذا النظام علمنا ندرة كلامهم عن الرقابة على تصرفات الإمام” انتهى كلامه.. ولم يقتصر الأمر على إغفال مسألة في غاية من الأهمية كهذه المسألة بل وصل الأمر عند بعض الفقهاء أن يبوبوا في كتبهم فصولا ومسائل بعناوين بعيدة عن روح الإسلام وعدالته وثوريته مثل فصل في:

 

ـ لزوم الصبر عن ظلم الولاة واستئثارهم.

 

ـ طاعة الأمراء وان منعوا الحقوق.

 

ـ وجوب لزوم جماعة المسلمين وغمامهم عند ظهور الفتن وفي كل حال.وغير ذلك؟؟

 

وظائف الحاكم عند الزيدية:

 

بالنسبة لفقهاء المذهب الزيدي فلديهم تأصيل آخر لهذه المسالة فهم يعددون الكثير من وظائف الحاكم ومسؤولياته التي إذا تجاوزها أو لم يؤدها يكون الوضع مهيئا لمحاسبته وخلعه أو عزله.

 

يذكر الإمام الزيدي أحمد بن عيسى بعضا من حقوق الرعية  على إمامها منها: ” إقامة كتاب الله وسنة نبيه ، والعدل في أحكامها، والتسوية بينها في قسمها، والأخذ لمظلومها من ظالمها، ولضعيفها من قويها، ولوضيعها من شريفها، ولمحقها من مبطلها..” إلى أن قال : ” فإن خالف ذلك إلى غيره من التسلط بالجبرتة والتكبر عليهم فمنعهم حقهم واستأثر عليهم بفيئهم فلا طاعة له عليهم في معصية خالقهم، وحرمت عليه إمامتهم وولايتهم، وحرمت عليهم طاعته ومعاونته وكان حق الله عليهم مجاهدته حتى يفيء إلى أمر الله أو يعتزل ولاية أمره ، فانه لا ولاية لمن لم يحكم بما انزل الله” من كتاب الجامع الكافي.

 

كما أن المتأمل في ثنايا رسائل أئمة الزيدية وعلمائها سيجد إطارا مكتملا لبرامج سياسية سبقت عصرها وتطرقت لأكثر المسائل السياسية إثارة للجدل في هذا العصر وقد ذكر نماذج كثيرة منها الباحث عبدالله بن محمد بن إسماعيل حميد الدين في كتابه ” الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات”

 

حتى أن كتب الفقه الزيدي تتحدث عن تفاصيل ما يلزم على الحاكم عمله وما المسائل المتعلقة بتنظيم سكرتارية الدخول ولا خروج إليه فينص شرح الأزهار على انه وعليه ـ أي الحاكم ـ : ” تسهيل الحجاب” حتى يتصل به الضعفاء والمساكين والمظلومون لقضاء حوائجهم..”

 

الخروج على الحاكم الظالم:

 

تطرف اغلب الفقهاء في مسألة الخروج على الحاكم الظالم، وكان ذلك نتيجة طبيعية لتدخل الحكام في صياغة الحياة الدينية وتمكين علماء السوء من بث مفاهيم بعيدة عن روح الإسلام، وامتلأت كتب الفقه بالحديث عن فضل الصبر على الحاكم وعلى ظلمه وقد مر الكلام في نماذج من عناوين فصول وأقسام تلك الكتب،، حتى أنه قال قائلهم شعرا:

 

حرام علينا أن نشق العصا على  ـ  إمام وإن أفشى المعاصي فأكثر

 

أتانا بذا نص الحديث مصححا  ـ فلا تك عن نهج النبي مؤخرا

 

وهذا العلامة النووي يروي عنه الإجماع على عدم جواز الخروج على الإمام الظالم، غيران حجية هذا الإجماع المدّعى لا تصمد أمام النصوص القرآنية الثابتة التي لا ترضى بالظلم والاستضعاف للمؤمنين وشيوع المعاصي على يد من ينتسب إليهم بل يُعد قدوتهم وإمامهم، وأين هي تلك الآيات القاطعات حول وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحق والعدل وعدم الركون للظالمين؟

 

كما أن دعوى الإجماع تسقط أما قناعات موجودة لدى مذاهب أخرى هي في لب التيارات الإسلامية كالمدرسة الزيدية التي حافظت على خصوصيتها والتي تؤكد على وجوب الخروج على الحاكم الظالم، ويروى عن بعض علماء السنة موافقتهم لرأي الزيدية ومنهم ابن حزم الظاهري على شروط اشترطها وكذا لبعض فرق الخوارج رأي مقارب.

 

آلية انتقال السلطة وفن المناظرة:

 

الإشكالية الموجودة عند الفقهاء في مسألة تعيين الحاكم تنسحب بشكل تلقائي على عملية انتقال السلطة وعدم وجود آلية محددة لإدارة الخلافات والصراعات السياسية على السلطة بعد موت الحاكم أو عزله لأي سبب كان، وإذا كانت كل المذاهب تشترك في أنها لم تضع مرجعيات مؤسسية يمكن لها أن تصدر قرارات مستقلة فان فقهاء بعض المذاهب وعلماءها قد نقلوا لنا آليات ونماذج راقية في التعامل مع مشكلة لا زالت حتى عصرنا الحاضر من اعقد المشاكل السياسية التي تؤدي عادة إلى سفك الدماء وخراب الديار،  ولعل ابرز مثال على ذلك الآلية التي التزمها أئمة الزيدية في اغلب مراحل تاريخهم السياسي بغض النظر عن بعض السلبيات التي لم تسلم منها أي تجربة سياسية بشرية، وملخص آلية انتقال الحكم عن الزيدية كما يلي:” بعد غياب الإمام ( الحاكم) القائم يحق لكل من رأى في نفسه أهلية لتولي أمر الإمامة أن يدعو الناس إلى نفسه فان كان أهلا لذلك فان أهل الحل والعقد يختبرونه ويتأكدون من توفر شروط الإمامة الكاملة فيه ثم يعلنون مبايعته فإذا وُجد غيره ممن رشح نفسه للإمامة أو رشحه غيره أو تزامنت دعوة إمامين وتساويا أو تقاربا في الكمال والأسبقية فإنهما يُدعيان للاجتماع والمناظرة أمام كبار العلماء وأهل الحل والعقد فمن رجحت كفته نصبوه إماما..” وينطبق هذا الأمر حتى في حالة كان قد تم عقد الإمامة لشخص ثم ظهر وجود مرشح انهض وأكمل منه فان نص شرح الأزهار يؤكد على : ” وجوب تنحي القائم الأول للثاني وذلك أمام ذات الهيئة التي نصبت الأول” وفي حاشية الأزهار ” فان لم يتنح كان ذلك جرحا في عدالته”

 

وقد ذكر التاريخ العديد من المناظرات التي جرت بين أئمة الزيدية خاصة أئمة اليمن وامتثل فيها المتناظرون لحكم العلماء وأهل الحل والعقد، ومع كون أسلوب المناظرات أسلوبا حضاريا مميزا صار شائعا تطبيقه في عصرنا الحاضر في شأن المنافسة السياسية الآن الكثير من الباحثين ـ خاصة اليمنيين ـ يتحاشون التطرق لهكذا ايجابيات حملتها تجربة الحكم عن الزيدية.

 

أخيرا.. أين تكمن المشكلة؟

 

إن الحديث عن الرؤية الفقهية لهذا المذهب  أو ذاك حول تفاصيل النظرية السياسية لا يقصد منه العودة إلى تلك المسائل والترجيحات وأخذها بغثها وسمينها لتُفرض على واقعنا المعاصر كما لا يقصد من ذكر إيجابياتها مجرد التفاخر والتغني بأمجاد فكر ومنهج كان له الصولة والجولة ولا زال له التأثير الكبير رغم قلة أتباعه وتكالب الأعداء عليه من كل جانب، وإنما الهدف من أمثال هذه التناولات البحثية إعادة الثقة والاعتبار لتراثنا وموروثنا الفقهي والفكري الإسلامي الثري الذي حتى الآن لم نعطه حقه من الدراسة والبحث والنقاش والتحليل، ولم نستفد من ايجابياته أو نتخلى عن سلبياته التي ظللنا متمسكين بها، مع أن بإمكان المسلمين إذا تجردوا من النظرة الانتقائية المتعصبة والمتحجرة أن يقدموا للعالم رؤى وأفكارا جديدة تستلهم الماضي وتستصحب الحاضر وتفكر وتخطط لازدهار المستقبل القادم.

 

إن المشكلة الآن ليست في مقدرة أو عدم مقدرة الباحثين والمفكرين الإسلاميين على إيجار صيغة إسلامية معاصرة مستقلة تشكل تفاصيل النظرية السياسية عند المسلمين ولا في تكوين نظرية اقرب إلى الصيغ الغربية ولكن المشكلة تكمن في عدم مقدرة الفقهاء على تجاوز بعض مسائل التراث السلبية الانهزامية التي أثرت تأثيرا مباشرا على روحية نخبة المسلمين فضلا عن عامتهم ، فلا بد من التهيئة لنقاشات جادة ومصارحات نقدية معمقة وجريئة نستطيع من خلالها أن ننفض بعض الغبار الذي يعطي أعظم مفاهيم الإسلام ومبادئه، لابد من إيقاف الاستغلال السياسي للمزيف من الدين الذي يجري تطويعه لتبرير تسلط حكام الجور وتبرير فسادهم وإفسادهم وجرائمهم بحق شعوبهم.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق