]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فلسفة الموت:جون بول سارتر

بواسطة: وفاء دبيدبات  |  بتاريخ: 2013-11-09 ، الوقت: 01:16:01
  • تقييم المقالة:

 

ليس هناك أعمق سؤال فلسفي أكثر من سؤال الوجود،فالاهتمام بالبقاء أكثر شيء طرح على الإنسان إشكاليات تلو الأخرى،ولكي يحافظ الإنسان على نوعه،كان لابد عليه من الوهلة الأولى أو ما يسمى الدهشة الكبرى أن يجيب على الغموض الذي يكتنف وجوده:من أين أتى؟من أوجده ولأي غرض؟وكيف سينتهي؟هي أسْئلة حار فيها الفكر الفلسفي واختلف فيها عبر تاريخ الأفكار،منذ أن ربط الموت والحياة بإلهين متصارعين الى الأبد ... فكان إله الموت يتلقى الدعاء ليحجب إرادته،وكان إله الحياة أمل الإنسان في أن يسود ويتحكم في زمام الأمور:أيهما لازم للآخر؟فكان مصير الإنسانية كثير من الموت من أجل حياة معينة وبطقوس معينة،كأنما الكل يحسم في اشكالية الموت انطلاقا  من توجهه الخاص،فلا حياة لمن يعارضه أو يخالفه الرأي. انطلاقا من هذه التساؤلات ومما شابها من صراعات وحروب،ورؤى متنافرة،كان لي أن أستوحي موضوع هذا المقال. فلا أعتقد في نظري أن هناك إشكالية أكبر من إشكالية الوجود الإنساني: إشكالية حياته وموته،لأن عمر الإنسان وكل مجريات زمانه ومكانه تنحصر بينهما. ليس غريبا كذلك أن يتناول فلاسفة بلا عد ولا حصر إشكالية " الموت " تحت تسميات مختلفة :كل شيء يتحول باستمرار ،لا وجود لشيء ثابت... لكن في عمق الإنسان ولدى كل فرد كيفما كان سؤال محير،ربما هو أكبر سؤال على الإطلاق :لما الموت؟فالبشر بطبعه محب للبقاء والحياة ولا يرغب أبدا في نهاية ذات يوم،يتمسك بالعلم والاختراع حد الجنون علّ ذلك يعفيه من الموت ذات لحظة.ولذلك فالإنسان لايكاد يشعر بشيء من الألم حتى يلتجأ للطبيب والأدوية ولربما لأي شيء يبعد عنه  شبح الموت،اعتقادا منه أن المرض بداية الموت وسقوط أول لبنة من حياته الخاصة...فالموت خلق الخوف وكل ما يرتبط به،خلق الحرب والصراع وحب التملك،وأشياء تترتب عن أشياء و هكذا هو مصير فلسفة الموت لا يمكنها أن توجد إلا أمام فلسفة الحياة،وهكذا كان لفلسفة الوجود ذلك الباع الفلسفي الذي بدأ في هذا الكون المخيف.ولعل إهتمامي بفلسفة الموت عند "جون بول سارتر"نابع من هذا الإهتمام الإنساني بوجوده ككل،وربما سيجد كل من كتب له أن يتابع أطروحات الوجوديين أمثال"سارتر"سيعرف إلى أي حد تقترب إشكالياتهم الفلسفية من عمق الإهتمام البشري وسيجد دون شك أن كل ما يهتم به الفكر الإنساني وما يقاربه من علوم ومعارف وقيم يصب في إشكالية واحدة لها وجهان هما الموت والحياة.وربما هذا ما حدا " بسارتر " إلى أن يخلص نفسه من معاناة البحث والتمحيص ليعتبر كل من يبحث عن الحياة والموت كائنا يقتل كائنا آخر،فالموت في خلاصة وجودياته هي ذلك الآخر،فالآخر هو موت الإنسان،لأنه مصدر خوفه وصراعه وحروبه ومصدر أمراضه وفقره وقهره. تقترن " الوجودية " في أذهان الدارسين باسم الفيلسوف جون بول سارتر الذي لا يمكن الحديث عن فلسفة الموت عنده دون العودة إلى مذهبه الوجودي باعتباره فلسفة لمواجهة الموت.فالوجودية مذهب حاول إيجاد أجوبة لحيرة وقلق الإنسان،وهي تريد منه أن يعيش واقعه الحاضر،دون الشعور بالقلق من المستقبل،من الموت،الألم...وهي نزعة تفضل الإهتمام بالوجود الحاضر أو الكيان الواقعي على الماهيات أو جوهر الأشياء.ولد هذا الفكر كنتيجة لنزوع الفكر الفلسفي إلى المثالية المجردة والتصورات العامة التي ألغت الإهتمام بالواقع ومشاكل الإنسان في الحياة اليومية. إن جماع فلسفة سارتر يتجه إلى أن الإنسان ينبغي أن يكتسب جوهره بالحياة والعمل.فهو ليس شيئا آخر غير ما يكونه بنفسه،وله مطلق الحرية بأن يصنع بنفسه ما يريد أن يكونه،أو بالأحرى ما (ينزع) إلى أن يكونه.وهكذا تكون غاية هذه الفلسفة،كلمة مختصرة قد تؤدي إلى تشويه غناها الحقيقي:خلق الإنسان خلقا جديدا يقوم على الحرية والمسؤولية،وهاتان الفكرتان:الحرية والمسؤولية هما قطبا الفلسفة السارترية كلها باعتبارها تدافع عن مبدإ الحياة الذي يتأسس على الحرية.وجودية سارتر التي تدعو إلى الحرية والمسؤولية..تتجه نحو الحياة وليس الموت. وإذا كان الإنسان بالنسبة لسارتر بلا جذر فلأنه هو جذر نفسه.وإذا لم يكن ثمة في الخارج ما يكسبه قيمته،فلأنه هو قيمة نفسه.ولئن كان متروكا،فلأنه حر.إن حركاته لا يمليها عليه لا نظام إلهي،ولا نظام عقلاني يجده في ذاته أو في الأشياء،ورد فعله الأول هو دوار قلق أمام هوة حريته:ولكن من هذه الحرية يولد معنى حياته. ووجوده مرتبط بنوعية تفكيره وبقدرته على الحرية.الحرية،تلك هي الكلمة العظيمة الخصبة التي تتيح لنا أن نواجه الموت. فلسفة سارتر اختارت في عمقها أن تدافع عن مبدإ الحياة،الذي يتأسس على الحرية والتحرر.فالإنسان لابد له أن يتحرر من عوامل الموت،فهو يسعى إلى أن يكون وجوده كما اختاره وفي نفس الوقت تضمن له بقائه،وتجعل فلسفة الموت في آخر السلسلة،وبالتالي فسارتر لم ينظر لإنتاج الموت بل لمحاربته واستبعاده.إذن فلسفة جون بول سارتر ليست في نهاية المطاف إلا ذلك الصراع بين الموت والحياة.وبالتالي فوجوديته ليست إلا مواجهة مريرة للموت وحبا شديدا للحياة. لا نعالج في هذا المقال مشكلة منفردة قائمة بذاتها،ولكننا ننفذ إلى ما في الوجود من أسرار وألغاز عن طريق هذه المشكلة،فالآخر هو موت الإنسان.بحيث أن كل تصرفات هذا الموجود بأكملها مرهونة بوجود الآخر.لكن هذا الآخر هو أيضا في سعي دائم للتحرر من الأنا،لأنه يمتلك الذات.إذن فالآخر هو شكل من أشكال عدم الكينونة،وسارتر يعتبره موت الأنا واضطهاد لها.إذن فالآخر هو موت الأنا وخوفها من الزوال.  فلسفة سارتر واهتمامه بالحياة والموت لم يكن إلا رد فعل ضد العلة السابقة عن الظاهرة.وهو يقول بأن الموت ماهو إلا نسيج متضمن في وجود الذات،وأنه لا داعي للخوف من الموت مادام عنصرا من عناصر الحياة. وبالتالي فالإنسان يعمل جاهدا من أجل أن يعيش،وسيعيش من خلال قدرته على الإختيار،ورغبته في التحرر من جميع القيود:قيود الدين والتقاليد...

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق