]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جنون

بواسطة: صرخة قلم  |  بتاريخ: 2013-11-08 ، الوقت: 11:02:45
  • تقييم المقالة:

يوم كباقي الأيام، حمل في طياته كالعادة ما حمله من أحداث روتينية، اعترتني رغبة ملحة في التنزه، خرجت أعبر الشوارع و أخرج من زقاق إلى زقاق، فإذا بشخص يمر بي، شخص يظهر أنه مجنون، تظهر عليه علامات الإرهاق من مشقة المسير، تكسوه ثياب رثة تترجم ما مر عليه من ويلات و صعاب. إلا أن وجهه تعتليه ابتسامة بدون سبب، فاحترت هل أشفق عليه لحاله الصعب أم أحسده على تلك الابتسامة التي غابت عن محيى الكثيرين بدعوى كثرة هموم الحياة و بشكوى قسوتها عليهم. حيرتي قادتني للتفكر في معنى الجنون، أفما زال للجنون معناه القديم أي فقد الإنسان الإدراك و التمييز و اختلال وظائف العقل ؟ أم أن المفاهيم اختلفت ؟ أهذا الرجل مجنون في زمن العقلاء ؟ أم عاقل في عالم المجانين ؟ ألسنا نعيش في عالم يحكمه منطق الجنون ؟

 

نصم آذاننا عن صرخات الأطفال في سوريا، عن نحيب الأرامل في العراق، عن أنين العجائز و آهات الأمهات في فلسطين، عن استغاثة الجوعى في الصومال، ونعيش و ضميرنا غافل، أفلسنا نحن المجانين ؟

انقسمنا لطوائف و جماعات، يكفر بعضها بعضا، يهتك بعضها عرض بعض، يقتل بعضها بعضا، يشرد بعضها بعضا، وذلك كله باسم الإسلام تارة، وتارة باسم استئصال الإرهاب، أفلا يعد هذا جنونا ؟

نثور اليوم في وجه الظلم و الطغيان لما عشناه تحت سلطته، و نثور غدا لإعادته سيدنا لأننا ألفنا المذلة و المهانة و الوطء بالأقدام، فكيف نكون نحن العقلاء ؟

أهدافنا انحصرت في إغراق الآخرين في دوام الفوضى و الحيرة، وفي مستنقع الكراهية و الدم، لأنهم لا يتماشون مع مصالحنا أو لأنهم على وشك التفوق علينا، أفليس هذا ضربا من الجنون؟

أخذنا من المجتمعات و الثقافات كل المظاهر و الكماليات، ونسينا الأخذ بالأساسيات التي كانت عمادا لتطورها و تقدمها، فأصبحت مجتمعاتنا منحلة أخلاقيا و ما زادها ذلك إلا تخلفا و تراجعا، فكيف لا نلقب بمجتمع المجانين؟

 ابتعدنا عن الدين فصرنا نطبق منه ما نشاء وما كان مناسبا لنا، ونترك ما وجدنا تطبيقه يشق علينا، فشخصنا بأننا مصابون بانفصام الشخصية، فما نحن إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، أفلسنا نحن المجانين ؟

 

تبين لي أن الحياة نهر تجري فيه الأحداث، وما للإنسان مفر من تيارها الغدار إلا الاستقرار على إحدى الضفتين، إلا أني وجدت نفسي حائرا لا أدري أي الضفتين تمثل العقل و أيهما تجسد الجنون. بينما أنا غارق في حيرتي و أتخبط في أمواج التفكير فإذا بالشخص يبتعد و هو يكلم نفسه و يحمل على محياه تلك الابتسامة الغريبة التي لا أجد لها وصفا إلا البريئة، نعم البريئة لأنه لا يفقه و لا يدرك ما آلت له الدنيا وما فعله بها منطق الجنون و فهمت أننا أولى بشفقته علينا.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق