]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رام الله الشقراء .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-11-04 ، الوقت: 09:51:11
  • تقييم المقالة:

احتلال .. جنس .. جاسوسية .. وفضائحٌ أخرى .

هذا ما تكشفُ عنه رواية (رام الله الشقراء) لمؤلفها (عبّاد يحيى) .

ورام الله تبدو أشبه بحقْلٍ للتجارب . والبشرُ فيها مثل عيِّناتٍ للاختبارِ ، للفحْص والدراسةِ ، ويتِمُّ التحكُّمُ بهم ـ كما قال المؤلف ـ (عند كل اختبار عبر إدخال عوامل جديدة ، وتنفيذ سياساتٍ متنوعة ، ومنَ الخارج يُراقِبُ الجميعُ التغيرات التي تلُمُّ بنا ، ويقوِّمون فشل التجارب ونجاحها ... ص 33) .

ورام الله تبدَّلت أحْوالُها كثيراً ، إذْ اختفت منها أشياءٌ قديمةٌ ، وطفتْ على سطحها أشياءٌ أخرى جديدة ، حتى المحلاَّت العتيقة تمَّ بيْعُها ، وأستوديو (أبي عفيف) أقوى مثالٍ على ذلك في الرواية ، فقد غدا (محمص مكسرات) ... (فالجميع هنا يتسلّى ، يتسلَّى بكل شيء ، حتى بالذاكرة ... ص41) .

ولكن ، في نفس الوقت ، (الكلُّ يحاولُ تأكيد شيءٍ ما بإثْباتِ أنه الأقدمُ هنا ، وفي الوقت نفسه يُسارعون للغرق في حياةٍ جديدةٍ مُنْبَتَّةٍ عن كل أصلٍ سابقٍ لها ... ص110) .

وحتى قصائد الشاعر الكبير (محمود درويش) ، لم يعد الأشخاص ، يختارون منها إلا ما توفَّرت على الايحاءات الجنسية ، ويرى الكاتبُ أن هذا الأمرَ هو المبرر الوحيد المنطقي لانتشار قصيدته (انتظرها) مثلاً . بل وصلَ الأمرُ إلى أنَّ مؤتمراً عن الأمراض التناسلية والجنسية كان شعارُهُ العريضُ هو عنوان ديوانه الأخير (كزَهْرِ اللَّوْز أو أبعد) ، وجرى تبريرُ ذلك بأن غايةَ الأطباء من ذلك ، هو (إبرازُ مكوِّنٍ فلسطيني غير القدس والمساجد والكنائس ... ص51) .

وكثيرٌ من الذين عايشوا في قلب المتغيرات تحوَّلوا إلى أدِلاَّءٍ سياحيين ، ذائعي الصَّيْتِ .. يثْملون .. ويقضون ليالي حميمةً مع أجنبيات ، ومنهن إسرائيليات يأتين إلى رام الله لأسباب مجهولةٍ ، وربما تكون معروفةً ، ولكن يتمُّ التغاضي عنها بتواطؤِ من الجميع ، وكذلك السلطة ، وجُلِّ المؤسسات ؛ فقد انقضى ذلك العهدُ الذي كانت فيه الجماهيرُ تنتفضُ بمجرد اشْتباهِها في وجود إسرائيليٍّ واحد أو اثنيْنِ في أرضها ، (واليوم كما يقول رشْدي متهكِّماً : " بين كل ثلاثة أجانب في رام الله ، أربعة إسرائيليين" !... ص58) .

وصارَ المواطنون يزدحمون عند مكتب الارتباط الفلسطيني ـ الإسرائيلي ، كي يحصلوا على تصاريح الدخول إلى إسرائيل ، لغرض زيارة " الداخل " ، واختفى أولئك الذين كانوا يقصدون " الداخل " ، لغرض الاستشهاد ...

فرام الله أصبحت مدينةً فلسطينيَّةً صالحةً من وجهة نظر إسرائيلية . ونمطُ الحياة فيها يسيرُ كما يفضِّلُ الإسرائليون . والأمنُ فيها مُسْتتبٌّ بمقاييسهم ؛ فقد نجحوا تماماً حين عملوا بالمنطق المزدوج الذي ذكره المؤلف في صفحة 93 ، ومفاده :

(إذا لم تُفْلحْ في تطويع الإنسان وتحويله إلى مستسلم خانعٍ ، عليك بتطويع المكان أو الفضاء ليغدو مستسلماً خانعاً) .

حتى الثقافة لم تسلمْ من التطويع من طرف الأجانب ، وحوَّلوها إلى سيركٍ ثقافي فقط ، وكلُّ ما في البلد (يُحاكُ في المقاهي والبارات والمطاعم الجديدة ودائماً مع " أجانب " ... ص 100) .

الخُلاصة : أنَّ الرواية تجعلُ القارئ يطَّلِعُ على واقعٍ غير متوقع لمدينةٍ ، من المفروض أن تُقاوِمَ الاحتلالَ ، وتُحافظَ على ثوابتها ، ويتمسَّكَ أبناؤها بالأخلاق ، والوطنية ، والهوية ، والأصالة ؛ فمن البداهة أن الإنسانَ حين ينفلتُ من ثوابته يصبِحُ قابلاً للقيام بأي عملٍ مُشينٍ ، ولا يستطيعُ تحقيقَ أي عملٍ إيجابي ، وبالأحرى أن يتصدَّى للمحتلِّ بالمقاومة والنهوضِ ؛ (فـ " المُنْحلُّ " غير قادرٍ على القيام بأَيِّ عبْءٍ وطنيٍّ ، بل هو عبْءٌ على الوطنيين ... ص68) .

الرواية من منشورات (المركز الثقافي العربي) ، الطبعة الثالثة ، 2013 .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق