]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مبدأ التعايش في المجتمع المدني (بين دار الهجرة والتطبيق الغربي)

بواسطة: نادر محمد العريقي  |  بتاريخ: 2013-11-02 ، الوقت: 13:22:52
  • تقييم المقالة:

مما ينبغي التأكيد عليه أن التنوع السياسي والديني والثقافي في ظل غياب مبدأ التعايش قد يشكل خطراً على المجتمع المدني ، ويتحول إلى بيئة خصبة للصراع ، وإثارة الفتن من القوى الخارجية المعادية ، ولعل أكبر دليل على صدق هذه الدعوى ما يشهده العالم العربي والإسلامي من صراعات داخلية وفي جبهات متعددة أدت إلى إضعاف قوة المسلمين ، ونهب ثرواتهم ، وتفرق كلمتهم..
وتشتت جهودهم ، وتسلط أعدائهم فهناك الصراع المذهبي بين السنة والشيعة كانت نتيجته مئات الآلف من القتلى في العراق ، وهناك الصراع الديني بين المسيحيين والمسلمين في مصر وجنوب السودان ، وبين اليهود العرب والمسلمين والذي استفادت منه الحركة الصهيونية في كسب موالاة هؤلاء اليهود وترحيلهم إلى فلسطين ، وتغليب انتمائهم لإسرائيل على انتمائهم القومي العروبي مقابل بعض المزايا مع أنهم يعيشون في إسرائيل مواطنون من الدرجة الثانية فهم أقل شأناً من اليهود الأوروبيين ، وهناك الصراع القومي بين الأفارقة والعرب في دارفور ، وبين العرب والبرابرة في بلاد المغرب ، وهناك الصراع الفكري بين التيارات العلمانية والقومية والإسلامية ، وآخر بين الجماعات الإسلامية ذاتها ، وهناك الصراع السياسي بين قوى الاستبداد المتمثلة في الأنظمة الحاكمة والأحزاب السياسية المعارضة ، والذي دفع بعض هذه الأحزاب في بعض البلدان إلى الاستعانة بقوى خارجية لإزالة هذه الأنظمة المستبدة فاستبدلوا الاستبداد بالاستعمار وهما خياران أحلاهما مر ، كما حصل في العراق من استعانة بعض الأحزاب المعارضة بالقوات الأمريكية التي دمرت العراق وحتى نقضي على هذا الصراع ، ونحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي ، ونجمع كلمة العرب والمسلمين من جديد بما يجعلهم قوة موحدة في وجه القوى المعادية ، لابد من إعادة تطبيق مبدأ التعايش بين طوائف العرب والمسلمين بمختلف انتماءاتهم ، ولعل من التجارب الناجحة التي يمكن الاستفادة منها في تطبيق هذا المبدأ هي التجربة النبوية بعد هجرة النبي (ص) وأصحابه إلى المدينة ، والتجربة الثانية هي التجربة الأمريكية بعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية ، واختيارنا لهاتين التجربتين باعتبار أن الأولى تمثل الأصالة كونها مستمدة من القيم الإسلامية الأصيلة، والثانية تمثل المعاصرة كونها نشأت في الواقع الذي نعيشه وبالاستفادة من هاتين التجربتين نكون قد حافظنا على أصالتنا ، واقتربنا من حاضرنا ، وخططنا لمستقبلنا. مع إدراكنا للفارق بين التجربتين من حيث أن غاية التجربة الإسلامية هي نشر السلام العالمي أما التجربة الأمريكية فغايتها إقامة إمبراطورية تحكم شعوب العالم مع احتفاظها بالسلم والسلام الداخلي داخل أراضيها .

أولا:- مبدأ التعايش في التجربة النبوية بعد الهجرة :-
كل قارئ للسيرة النبوية يدرك أن من الإشكاليات التي واجهت النبي (ص) عند تأسيس المجتمع المدني ، هو التباين الديني والقبلي بين سكان المدينة ، إضافة إلى اختلاف بلد المنشأ ، فالمجتمع المدني يتكون من ( المهاجرين) أو من يمكن تسميتهم بالمصطلح المعاصر(اللاجئون) وكان موطنهم الأصلي هو مكة إلا أن كبت الحريات الدينية ، وانتهاك حقوقهم وتعرضهم للاضطهاد والقمع بسبب دينهم ، دفعهم إلى الفرار خشية الفتنة والفئة الثانية الأنصار السكان الأصليين للمدينة (المواطنون) ، وهم في الأصل قبيلتا الأوس والخزرج اللتان وقعت بينهما حروب طويلة لم تنته إلا بعد هجرة النبي (ص) ، إلا أنه بقيت آثارها في نفوسهم ، كالقنابل الموقوتة التي تنتظر من يفجرها)، والفئة الثالثة (اليهود) وكانت تتوزعهم ثلاث قبائل (بنو قينقاع - بنو النضير - بنو قريظة ) والفئة الرابعة (المنافقون) الذين كانوا يثيرون القلاقل والفتن في المدينة ,ويحيكون المؤامرات مع القوى الخارجية لإسقاط النظام، ورغم التباين الموجود في التركيبة السكانية إلا أن النبي (ص) استطاع من خلال تطبيق مبدأ التعايش أن يحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي في المدينة ، ويقضي على كافة القلاقل والصراعات التي كانت تنشأ بين حين وآخر.

السياسات النبوية في تطبيق مبدأ التعايش :-
بعد أن عرفنا ما حققه النبي (ص) من تطبيق مبدأ التعايش في بناء المجتمع المدني ، وتحقيق الاستقرار ، ودرء الصراع الواقع والمتوقع كان لابد أن نتساءل ماهي السياسات التي استخدمها النبي (ص) في تطبيق هذا المبدأ ؟ والجواب هو أنه يمكن إجمال هذه السياسات في ثلاثة محاور:
1-حق المشاركة الفاعلة في القرار السياسي:-
فالنبي (ص) على عظم قدره في قلوب أصحابه ، وعلو مكانته السياسية والدينية والاجتماعية ، ورجاحة عقله بل والمعصوم بالوحي ، لم يكن يصدر قراراً يتعلق بمصير الدولة والمجتمع الإسلامي في المدينة إلا بعد أن يستشير كبراء القوم ، وذوي الرأي فيهم ، والذين كانوا يمثلون طوائف المجتمع المتعددة من خلال مكانتهم الاجتماعية وإتباع الناس لهم ، ونزولهم عند رأيهم ، أمثال سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وأبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وكل واحد من هؤلاء كان يمثل فئة من الفئات الموجودة في المدينة ، بل قد رأينا عبد الله بن أبي زعيم المنافقين يشارك بالرأي في معركة أحد ، وهذه المشاركة لم تكن شكلية لإضفاء الشرعية على السلطة القائمة في حين أن القرار الأول والأخير للزعيم الملهم (قدس الله سره ) ، بل إن النبي (ص) كان يتأنى قبل إصدار أي قرار حتى يستمع من جميع الأطراف كما جرى ذلك في بدر من إلحاحه على أن يسمع من قادة الأنصار ، كما سمع من قادة المهاجرين ، وكان يلتزم رأي الأغلبية ولو كان مخالفاً لرأيه ، ويأبى الرجوع عنه إذا أرادوا ذلك إرضاءً له ، فقد كانت مقولته يوم أحد وقد أرادوا الرجوع إلى رأيه بالبقاء في المدينة (ما كان لنبي إذا لبس لامة الحرب أن يخلعها ) ، وكان يعود عن أي قرار طارئ بدأ بتنفيذه إذا علم أن أهل الرأي يرون خلافه ، فرأيناه يبطل المصالحة مع غطفان على ثلث ثمار المدينة مقابل أن يعودوا عن مقاتلة المسلمين ونزل في ذلك على رأي قادة الأنصار .

2-الحوار الديني والثقافي:-
فلقد لاقت الدعوة والدولة الإسلامية في المدينة لونين من المعارضة الشرسة نتيجة التباين الديني والسياسي ، أولاهما المعارضة الدينية التي تزعمها اليهود فأثاروا كثيرا من الشبهات حول الدين الإسلامي الذي يمثل عقيدة الأغلبية ، وثانيهما المعارضة السياسية العميلة لقوى خارجية وداخلية ، والتي تزعمها عبدالله بن أبي ، فأثاروا كثيراً من القلاقل والأراجيف ، وشككوا في كثير من السياسات التي اتخذها النبي (ص) في إدارة الدولة المدنية ، وعلى الرغم من أن تلك الفئات المعارضة كانت سيئة النوايا ، ومتعاونة مع قوى خارجية لإسقاط النظام السياسي الذي يمثل الأغلبية ، وتفكيك المجتمع الإسلامي ، وإثارة الفتن الطائفية والقبلية ، كما فعل شاس بن قيس اليهودي في التحريش بين الأوس والخزرج ، وتذكيرهم بالحروب والثارات القديمة التي كانت بينهم ، وكما فعل عبد الله بن أبي في التحريش بين المهاجرين والأنصار في غزوة بني المصطلق ، إلا أن كل ذلك لم يجعل النبي (ص) يستخدم أسلوب القمع في التعامل مع خصومه السياسيين أو الدينيين بل انتهج أسلوب الحوار في تفنيد الشبهات وإبطال الشكوك فأخمد تلك الفتن وحفظ وحدة المسلمين ، ولقد سجل لنا القرآن كثيراً من النماذج التي واجه فيها النبي (ص) ما أثارته الأقليات اليهودية من شبهات حول الدين الإسلامي نذكر منها قوله تعالى (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) الأنعام 91 ، كما ذكر لنا نماذج مما أثارته المعارضة السياسية العميلة نذكر منها قوله تعالى (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) آل عمران 154.

3-المواطنة المتساوية:-
فكان مما حفظته لنا كتب السيرة وثيقة المدينة وهي أقدم وثيقة قانونية وحقوقية لتنظيم العلاقة بين الطوائف المتعددة والمتباينة في المجتمع المدني ، والتي ساوى فيها النبي (ص) بين تلك الطوائف في الحقوق والواجبات فجعل للمشركين واليهود ما للمسلمين من الحقوق ، وعليهم ما على المسلمين من الواجبات ومن بنود هذه الوثيقة مع بعض التوضيح ( إنّ أيدي المؤمنين جميعاً ومَن عاهدهم من اليهود على مَن بغى وظلم وأفسد ، ولو كان ابن أحدهم ) ( لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم) ( إن أهل هذه الصحيفة من المسلمين واليهود بينهم النصر على مَن حاربهم ، وعلى مَن دهم -هاجم- يثرب ، فهم ملزمون بالدفاع عن المدينة ، وردّ الاعتداء عنها ) ( إنّ النصر للمظلوم) ( على أطراف الصحيفة توقيع الصلح مجتمعين ممن يطلب منهم الصلح ) (إن يثرب حرام جوفها على أهل هذه الصحيفة- أي يحرم على الجميع أن يرتكب ما يخل بالأمن والسلام ، أو يرتكب الظلم والبغي والإثم والعدوان-) (وانّه مَن خرج آمن ، ومَن قعد آمن في المدينة - فالأمن حق للجميع - ) ( إنّ الله ورسوله نصيران وحاميان لمن يفي بنصوص هذه الصحيفة ، وإنّ الله سبحانه والرسول (ص) جار لمن ينفذ ذلك- يعني انّ الدولة والأمّة والأفراد مسئولون عن تنفيذ هذه المبادئ والعمل بها-)

ثانيا:- مبدأ التعايش في التجربة الغربية :-
لاشك أن الغرب عموما قد استفاد من مبادئ الإسلام وتراث المسلمين الغني ،فمن أوضح التجارب الناجحة في زماننا في تطبيق مبدأ التعايش (الولايات المتحد لأمريكية) فالزائر لهذه الدولة يجد أنها خليط من الديانات والثقافات ، وخليط من المهجرين الذين رحلوا إليها من بلدان متعددة أوروبية وأفريقية وعربية كما أنها مكونة من اتحاد خمسين ولاية ، إلا أنها ورغم ما ذكرناه استطاعت أن تنزع فتيل الحروب بين هذه الولايات، وتقيم إمبراطورية شامخة تحكم العالم، وتلعب بمقدرات الشعوب وذلك من خلال : -
" إشراك جميع الولايات في القرار السياسي المتعلق بالشئون الخارجية مع إعطاء كل ولاية حق إدارة شئونها الداخلية .
" إقامة الكثير من الجمعيات والمنظمات والمؤسسات المهتمة بنشر قيم الحوار والتسامح الديني والثقافي والسياسي، واحترام الآخر، وقبول التنوع.
" سيادة القانون الذي يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وفق مبدأ المواطنة دون اعتبار للجنس أو اللون أو أصل المنشأ.

والذين اتبعوهم بإحسان:-
من أشهر العبارات التي نسبت إلى الإمام مالك (لايصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ) ومن أهم الأمور الذي صلح به أمر هذه الأمة في أول نشأتها هو تطبيق مبدأ التعايش والذي تمثل في إقرار حق المشاركة السياسية ، وتفعيل الحوار الديني والثقافي ، وتحقيق المواطنة المتساوية ، وبتطبيق هذا المبدأ نجحت القيادة النبوية في تحقيق الاستقرار في المجتمع المدني ، والقضاء على كافة أشكال الصراع الديني والقبلي الذي لم ينته إلا بهجرته (ص) ، وعلى قدر نجاحنا اليوم في تطبيق هذا المبدأ يكون نجاحنا في تحقيق الوحدة العربية والإسلامية ، و تكون قدرتنا على القضاء على كل ألوان الصراع المتعدد الجبهات في الأمة الإسلامية ، وأكبر دليل على ذلك أخذ الولايات المتحدة الأمريكية بهذا المبدأ ونجاحها في تطبيقه مما جعلها قوة مهابة من شعوب العالم ، وهناك كثير من التجارب الأخرى الناجحة في الماضي والحاضر ، في التاريخ الإسلامي ، وفي التراث الإنساني يمكن الاستفادة منها في تطبيق هذا المبدأ حتى يصلح آخر هذه الأمة كما صلح أولها والله الهادي إلى سواء السبيل.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق