]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاصابة // قصة قصيرة

بواسطة: الان صباح  |  بتاريخ: 2013-11-01 ، الوقت: 18:40:29
  • تقييم المقالة:

 

   صالة العمليات في مستشفى عسكري  ..  كان أفراد طاقم العملية منشغلين بحالة الملازم الشاب الذي جلب الى المستشفى كحالة طارئة ..حدث أثناء العملية ما لم ينتبه اليه طبيب التخدير بعد اذ أن المريض كان قد بدأ  تأثير التخدير عليه يقل وبدأ يشعر بالعملية رغم أنه لم يكن يشعر بالألم .. بدأ  يسمع  الكلام  الذي  يدور  في الصالة من دون أن يميز من يكون صاحب  كل عبارة تطرق سمعه ..  لم يكن مهتماً بما  كان  يسمع  اذ  أن الغموض الذي  لف  حادث   اصابته  برصاصة  أثناء التدريب كان هو شاغله الأكبر .. ولكنه ان شاء أم أبى فانه   كان  يسمع  كلامهم  المرافق   للصفير   الرقيق المتقطع  لجهاز المراقبة  ..   وكانت  أصواتهم   تعلو  أحياناً  ثم تنخفض  حتى تختفي  تماماً  ثم تعود  فتعلو  من جديد وهكذا .. وبينما كان هو يدور في فلك دوامة المجهول  حول  حادث  اصابته  كان  يسمعهم    وهم  يقولون بمزيج من العربية والانكليزية :

(( أمسك بهذا جيداً ..هل هذا الكسر أحدثته الرصاصة أم السقوط ..من الأفضل أن أحقنه بالهيدروكورتيزون .. ما بك؟  ألم تنم جيداً البارحة ؟ ..انه يعرق ونبضاته تتسارع  .. ضغط الدم لا بأس به .. ما  هذه   الساعة اليدوية الغريبة التي تحملها بيدك؟ .. لقد حقنته بخمسة وعشرين مليغراماً أخرى من الكيتامين .. كم كيس من أكياس الدم  جاهز وماذا عن البلازما ؟ .. هل اسمه عامر أم ثامر؟.....)).

أثار سؤالهم عن  اسمه اهتمامه فأراد أن ينطق  ليقول لهم بأن أسمه عامر وليس  ثامر ولكنه عبثاً يحاول  .. فلم يقو على تحريك لسانه حتى فلقد كانت كل عضلاته مشلولةً  تماماً  فلا يتمكن  من أن  يحركها .. استمرت أصواتهم ترد اليه .. عالية مرة ومنخفضة مرة:

(( كن حذراً .. هذا  لا بأس  به هنا  ..  أين   محقنة البروبوفول؟ ..كم رزمةً استخدمنا حتى الآن؟..توقف عن فعل هذا..لن أتردد في قتلك لقاء قطعة من البيتزا الساخنة وعلبة باردة من شراب البيبسي كولا....))

   كان عامر يتساءل مع  نفسه عن سبب  الاصابة .. هو لم يرتكب خطأً يعرضه للاصابة ..أيمكن أن تكون اصابته مقصودةً ؟ .. ولكن لماذا ؟ ..سرت برودة  من يده  اليسرى نحو كتفه  مروراً  بذراعه .. والأصوات مستمرة :

(( أريد اضاءةً  أفضل لهذا المكان .. نعم  هذا  رائع ..ماذا تفعل بهذا؟ ..راقبه جيداً فأنا ذاهب لدورة المياه قبل أن تنفجر مثانتي .....)).

   ثم غاب عامر عن الوعي مرةً أخرى فلم يعد يسمع أصوات  طاقم العملية وكذلك  توقف عن  التفكير  في الحادث وانغمس في عالم آخر .. وجد نفسه  في  غابة مظلمة موحشة يسمع  فيها أصوات نباح كلاب وعواء ذئاب .. كان  يحتضن  زوجته  الجميلة  ليستمد  منها الدفيء وليحميها من مخاطر الغابة الموحشة ..الغريب بأن  زوجته فارعة الطول  أصبحت  قزمةً  لا  يتعدى طولها النصف متر ..شعر بأشياء صغيرة تتحرك على الأرض  وتصطدم   بقدميه   الحافيتين .. أشياء  كأنها ضفادع أو فئران تجري وتتقافز بسرعة لا يستطيع أن يراها في ظلام الغابة الدامس.

-----------------------------------------------

   كان الوجوم بادياً على وجوه  ثلاثة ضباط في قاعة الانتظار أمام قسم العمليات .. اثنان منهم ..ملازم أول وملازم ..كانا جالسين على مقعدين  بلاستيكيين .. أما الضابط الأعلى رتبةً  فلقد كان  يذرع  قاعة  الانتظار جيئةً وذهاباً وفي فمه سيجارة يدخنها بشراهة وعنف ..كان القلق والغضب باديين على وجه الرائد أكثر من من زميليه الآخرين.

قال الملازم الأول للرائد :(( اهدأ قليلاً يا سيدي ..لم لا تجلس؟)).

توقف الرائد وسحب السيجارة من فمه ونظر للملازم الأول قائلاً  له  بغضب : (( أهدأ ؟ ..أجلس؟ .. كيف وعامر في الداخل بحالة خطرة ؟!)).

- وماذا بوسعك أن تفعل  له  يا سيدي ؟ ..الأطباء المختصون في الداخل يفعلون ما بوسعهم لانقاذه ..أما قلقك وعصبيتك فلن تجديانه نفعاً)).

- أنت لا تفهم ..عامر هذا ليس بضابط يعمل بامرتي فقط ..انه صديقي كذلك ..هل تعرف معنى كلمة صديقي؟!)).

فقال له الملازم :((هو صديقنا كلنا يا سيدي)).        - أنتما صديقاه .. ولكن  صداقتي  أنا   معه شيء آخر ..انه لي بمثابة الأخ الأصغر ..الأخ الذي لم تلده أمي.

استغرب الضابطان من كلام  الرائد .. فهما لم  يلحظا من قبل علاقته المميزة هذه بالملازم عامر .. بل أنه كان يعامل عامراً وغيره  من الضباط الصغار بشيء من   الازدراء ..  أما  مع  الجنود  فقد  كان   شديداً  مفرطاً بالقسوة .. أيعقل أن تكون قسوته وسوء تعامله مع  الآخرين  بدافع حرصه  على  الضبط  العسكري واخلاصه وليس لسوء خلقه كما يظنان؟!.. بعد  برهة من الصمت قال الملازم  للرائد مستدركاً وكأنه  نجح  في اكتشاف  لغز محير : (( نعم يا سيدي .. تذكرت  الآن فقط ..لقد أوصلته بسيارتك  الى  بيته  عند  الاجازات لأكثر من مرة))

ثارت  ثائرة الرائد من هذا التعليق  فألقى  بالسيجارة أرضاً وصاح  بوجه  محتقن : (( عن  أية   توصيلة تتحدث ؟ .. وتقول لأكثر من  مرة ؟ ..ما داء المبالغة الغريب الذي تعاني منه ؟..أنا لم أوصله بسيارتي الا لمرة واحدة فقط ..وحتى في تلك المرة لم أوصله الى بيته بالتحديد بل ترجل في منتصف الطريق  بعد  أن شكرني وقال لي  بأنه  يود أن يتسوق  ..  وهذا يعني بأنني لا أعرف أين يقع بيته بالضبط ..لقد توطدت صداقتي معه أثناء العمل فقط)).

ثم أخذ الرائد نفساً عميقاً وألقى بالزفير بهدوء بعد أن لاحظ أن  كل الذين كانوا في  قاعة  الانتظار   أخذوا ينظرون اليه بفضول ..أخرج سيجارةً أخرى وأشعلها .. ثم  قال  بصوت  هاديء   للضابطين : (( أنا آسف ..أعتذر منكما ..لقد فقدت أعصابي ..قلقي على عامر جعلني شديد التوتر .. انه انسان طيب ولقد تعلقت به كثيراً)).

نظر الملازم اليه وقال مبتسماً : (( لا عليك يا سيدي ..أنا أقدر تأثرك بما حصل لعامر .. فعلاً  هو  انسان طيب ومن عائلة محترمة )) ..ثم استطرد قائلاً:(( لا أدري  ما لذي  جعله يختار الحياة العسكرية  الصعبة  فوالده تاجر ثري  وكان بامكانه  أن  يدرس  في أية  كلية مدنية ثم يعمل مع والده في التجارة؟!)).

ابتسم الملازم الأول وأضاف قائلاً:(( يكفي بأنه يجيد أربع لغات)).

------------------------------------------------

   رأى عامر في عالمه الغريب عاصفةً هوجاء  تتجه نحوه .. زاد من  قوة  احتضانه لزوجته  الحبيبة  وجثا على ركبتيه..اقتلعت العاصفة شجرةً من أشجار الغابة وألقت بها الى جنبه لتحدث جلبةً مروعةً  اهتز لها  كل بدنه..طار في الهواء ثم هوى مستلقياً على ظهره ..ثم دفع شيء برأسه  الى الأعلى .. عاد عامر  يسمع  من جديد:

(( انتقل به الى التنفس التلقائي ..قرب هذا مني ..انه يتنفس بشكل جيد ومنتظم .. يمكنك  الآن  أن  تسحب الأنبوب.....)).

   بدأ عامر بالسعال ..شيء ما أدخل الى حلقه جعله يتجشأ ..ثم أخذ يستنشق هواءً منعشاً .. وأخيراً  تمكن من فتح عينيه الا أنه لم يكن ليبصر ..ثم تمكن من أن ينطق فقال:(( أنا لا أرى شيئاً)).. فجاءته اجابة:(( لا بأس ..لقد انتهينا يا رجل..سيعود لك بصرك بعد قليل فلا تقلق ..حمداً لله على سلامتك))..

   كرر عامر عبارته ثلاث مرات أخرى : (( أنا لا أرى شيئاً)) ..حتى عاد له  بصره ..التفت  الى يمينه فرأى رجلاً يرتدي ملابس خضراء  وعلى  بعد  نحو مترين أو ثلاثة فقط  كان  يجلس  اثنان آخران  بهيئة غريبة ..كانا أشبه ما يكونان بسلاحف النينجا!  ..سأل الرجل الأقرب اليه :((من أنتم؟)) ..أجابه :((أنا طبيب التخدير .. أنت بخير والحمد لله )) .. سأله عامر  هذه المرة : ((ومن أنا؟!))..ضحك طبيب التخدير وقال له :(( هذا سؤال جديد علي .. لم أمر به من  قبل .. أنت عامر)).

----------------------------------------------

   أخرج عامر من قسم العمليات الى غرفة مخصصة  له .. توجه  الضباط  الثلاثة الى تلك  الغرفة  .. وعند الباب توقف الرائد وأوقف زميليه بيده قائلاً :(( انتظرا هنا ..من الأفضل أن أدخل اليه بمفردي في البداية)) ..أطاع الضابطان الرائد مندهشين .. فتح الرائد الباب ودخل الغرفة مغلقاً اياه حال دخوله ..اقترب من عامر ..وما أن رآه عامر حتى سأله بحيرة :(( سيدي ..لماذا أطلقت النار علي؟!)) .. جثا الرائد على ركبتيه وقرب شفتيه من اذن عامر وقال بصوت خافت مختنق : (( عامر ..ماذا تقول ؟.. لقد حدث الأمر بالخطأ)) ..كرر عامر سؤاله ثانيةً وبحيرة أكبر : (( لماذا أطلقت النار علي؟.. لقد رأيتك بوضوح )) .. سرت  قشعريرة  في جسد الرائد وارتعدت فرائصه وقال :(( أقسم بالله بأنه حدث  بالخطأ .. ما بالك  لا  تصدقني .. أقسم بالله .. أرجوك أن لا تقل هذا لأحد ..سأفعل كل ما تطلبه مني ..وبالمناسبة .. أنا لم أرشحك  لتلك  الدورة  التدريبية التي  أقيمت في تركيا  لأنني  كنت أنوي  أن  أرشحك لدورة أفضل منها ..لقد علمت بأن هنالك دورة أخرى لمدة أطول في بريطانيا ..كنت أنوي أن أرشحك لها .. صدقني أرجوك..لم أكن أتقصد  اصابتك في التدريب ..سأفعل أي شيء تطلبه مني ..لا تقل لأحد بأنني أنا الذي أطلقت النار عليك أتوسل ايك ..أقبل قدميك!!)).

   أغمض عامر عينيه ..وغط في النوم ..حاول الرائد أن يكلمه أكثر فلم يجب..فكر الرائد بما عليه أن يفعل..

 ثم نهض  وخرج من الغرفة مسرعاً .. وما أن خرج حتى قال لزميليه :(( انه بخير .. لقد كان هناك  طبيب في الداخل وقال لي بأنه لا ينبغي لأحد أن يزعجه الآن ..عودا أنتما الى المعسكر وسأتبعكما بعد أن يصل أحد ذويه ليكون مرافقاً له)).

   نظر الضابطان أحدهما الى الآخر  باندهاش .. عن أي طبيب يتكلم الرائد؟ ..لقد كانا واثقين بأن عامراً في هذه اللحظة بمفرده داخل الغرفة ! ..لم يتحركا  فقال لهما بغضب : ((قلت لكما اذهبا ..أنا آمركما ..هيا)). أطاعا الأمر وانصرفا  وهما  يتحدثان عن  نبل  هذا الرائد وكيف انهما كانا يظنان  به السوء  في  السابق  لشدته مع الجنود.

انزوى الرائد في زاوية وأخرج من جيبه  هاتفه النقال  وأتصل  بامرأة  قائلاً : (( هالو .. زوجك بخير ..أنت السبب في كل هذا !..سيضيع مستقبلي  بسبب جبنك ! ..  اسمعيني  جيداً .. تخلصي من شريحة  النقال هذه .. القي بها في دورة المياه ولا تنسي أن  تسكبي الماء جيداً حتى  تتأكدي من اختفائها تماماً ..  ولا تنسي  أن تمحي اتصالاتك معي من ذاكرة الهاتف..سأجد طريقةً للاتصال بك فيما بعد)).

 

 

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق