]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

"الفتنة أشد من القتل": دراسة موضوعیة حول معاني الفتنة في القرآن الکریم وسوء استخدامھا من قبل الجھادیین الیوم

بواسطة: Ghulam Rasool  |  بتاريخ: 2013-11-01 ، الوقت: 15:10:55
  • تقييم المقالة:

 غلام رسول، الھند

إن استخدام الآيات القرآنية خارج سياقها قد أصبح اتجاها مقلقا اتخذہ الخوارج الجدد (الوهابيون و السلفيون و الجهاديون والمتطرفون من الأديان الأخرى). ولا يزالون یقومون بإساءة تفسيرالآيات القرآنية في محاولة إجرامية لخدع المسلمين الذین لیس لھم إلمام تام بتعالیم الإسلام. وهم یغسلون أدمغة هؤلاء المسلمين بالفكرة أن الإسلام دين سياسي، غیرشمولي، وفاشي، وأبوي، ورجعي ومعادي للمرأة وأنھ ليس طريقا روحانيا إلى الخلاص الأبدي. و يعتقدون أنه إذا تم غسل عقولهم وتحويل أفكارهم الدينية إلى التطرف، فإنه لا يمكن أن يساعدهم أي تفسير معتدل للقرآن الكريم. ولكن المسلمين الذين أعطاهم الله عقولا منفتحة ، یسعون إلی التطلع إلی الأفكار المختلفة حول کل موضوع من مواضیع القرآن الکریم، ومن ثم يطورن الأفكار التي تستند إلى الأساس الفكري السليم.

ويفسرالجهاديون الآية القرآنية الشهيرة، مثل العديد من الآيات الأخرى التي تقتصر على إطارالوقت والسياق، بطريقة تجعل القرآن تظهرعلى تناقض ذاتي. وقد أخذ الأيدولوجيون الجهاديون كلمة "الفتنة" من الآية القرآنية (رقمها 2:191) على أنها تعني "الكفر"و"الشرك"، وذلك بهدف قتل جميع غير المسلمين وحتى المسلمين الذين یتطورطون في الشرك (اعتقادا بأنهم يزورون قبور أولياء الله الذين تقربوا إلی الله تعالى).وهذا يتطلب الوعي العمیق حول هذه الآية القرآنية مع جمیع استخداماتھا في التفاسيراللغوية و القرآنية.

وبما أن الإسلام قد أعطى جميع أتباعھ المثقفین الحق في التفسير،  فإن الإسلاميين الیوم يستغلون هذا الحق لتعزيز أهدافهم الشنيعة. وفي الواقع، هذه الحرية تعطي الإسلام السياسي أكبر قوة في الحياة اليومية للمسلمين العاديين وغير المثقفين. فهو يساعد الجهاديين في ادعائهم الزائف باحتكار حقيقة الإسلام . ففي الحقیقة، هذا تطور خطير، لأنه يؤدي إلى تشويه الإسلام على نطاق واسع والانتهاك الخطير لحقوق الإنسان الأساسية، کما یبیح قتل جميع غير المسلمين والعدید من طوائف المسلمين غير الوهابيين. ومن المنظور العلمي، إذا أراد أحد أن يقدم ردا معقولا لهذا النوع من التفسير الجهادي للقرآن الكريم، يجب عليه أن يتعامل مع أفكاره، وذلك باستخدام المنهج التقلیدي لشرح القرآن الکریم. ولذلك، فإنني حاولت الحفاظ على الاعتدال بين التفسير الإسلامي التقلیدي والتفسيرالإسلامي الحديث حول هذه الآية القرآنیة.

وعلينا الآن أن نبحث عن معاني الكلمة القرآنية "الفتنة" في ضوء القرآن الکریمة والمعاجم اللغوية. یقول اللہ سبحانھ:

"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ" (2:191)

لنضع هذه الآية في سياقها الأصلي. أعقبت هذه الآية آية قرآنية أخری توضح مفهوم القتال في سبيل الله:   " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (2:190).

هذه الآية تسمح للمسلمين بالقتال مع الذين يقاتلونهم (أي للدفاع عن أنفسهم من هجومهم)، ومع ذلك، تأمرهم بألا يعتدوا حدود الله (أي لا یقتلوا المدنيين غير المسلحين والأطفال الأبرياء والنساء والرجال والنساء والعجوز، و لا یقتلوا الحيوانات و لا یدمروا النباتات وغيرها).وباختصار، يمكن أن نقول إن هذه الآية تسمح للمسلمین بالقتال عند الدفاع فقط وليس للهجوم والعنف الطائش مثلما يرتكبھما الجهاديون بإسم الإسلام و الجهاد في سبيل الله.

ولنا قوله تعالى: " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ  (أي ليكون النظام کلھ ضامنا للسلام والأمن وحقوق الإنسان عمليا) فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ "(2:193).

إن الدين الإسلامي، وفقا للمنظور القرآني، هو طريق شامل ونظام متکامل و منهج جامع للحياة الإنسانیة" وليس "مذهبا" (بمعنی نظام بعض العبادات والعقائد الضيقة والعادات والطقوس المخصوصة). فإن الدين أو الطريق أو نظام الله تعالى لا یبیح أي نوع من الإكراه أو القمع أو الاضطهاد باسم الدين، بل یصرح بأنھ کل ھذا غير قانوني وجدير بالمعاقبة في المحكمة الإلھیة. ومن الواضح أن هذا المفهوم الأوسع للدين (نظام الله تعالى) یتعارض تماما مع مقتضیات الفتنة (الاضطهاد أو الظلم في الدين).

وبالتالي، إذا تم تحليل السياق بأكمله بشكل صحيح، فإن الآيات المذكورة أعلاه ترفض ، بوضوح ، قتل الأبرياء من غير المسلمين أو المسلمين في أي حال من الأحوال. ولكن المشكلة هي أن الجهاديين مصرون على أن يترجموا كلمة "الفتنة" بمعنى "الكفر" و "الشرك" وفقا لمعتقداتهم الوهابية المتعصبة. وبالتالي، فإنهم مستعدون لقتل جميع الكفار والمشركين (غير المسلمين والمسلمين غير الوهابيين) وذبحهم أينما وجدوا في العالم، ولا سيما في ما يسمى بالدول الإسلامية الخاصة بهم. ولكن الحقيقة هي أن مفهوم للفتنة الحقیقي المنصوص في القرآن الکریم يتعارض ، بشدة ، مع ھذا الاعتقاد الوهابي الفاسد.

معاني كلمة "الفتنة" في اللغة العربية القدیمة والحديثة و في القرآن الکریم

إن كلمة "الفتنة" هي مأخوذة من الفعل العربي "الفاء والتاء والنون")) وتعني الضلال ، والفضيحة ، واختلاف الناس في الآراء ، والابتلاء ، والمحنة ، والجنون ، والمال ، والأولاد . وهم يعنون : السحر ، والجاذبية ، والجمال .  وقال العالم الكبير للغة العربية ابن فارس :" الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار " ( مقاييس اللغة 4 / 472 ) . فهذا هو الأصل في معنى الفتنة في اللغة . ومع ذلك، فإن هذه الكلمة تجمع العديد من المعاني التي تتماثل بعضها مع البعض وهي تشير إلى حالة الفوضى والاضطراب. وفي الاستخدام العربي الحديث، الفتنة تشمل هذه المعاني كلها: الجدل، والتكسر ، والفضيحة، والفوضى، والشقاق داخل المجتمع المسلم، وزعزعة السلام  والنظام الاجتماعي وغيرها.

وقد لخص ابن الأعرابي معاني الفتنة بقوله : " الفتنة الاختبار ، والفتنة : المحنة ، والفتنة : المال ، والفتنة : الأولاد ، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء والفتنة الإحراق بالنار" . ( لسان العرب لابن منظور)

هذه هي المعاني المشتركة لكلمة "الفتنة" التي تم استخدامها في القرآن الكريم أيضا، ولكن القرآن يحتوي على معان متعددة مختلفة لكلمة "الفتنة" ، وذالك لوصف أنواع منوعة من الاختبار والفتن:

معانى كلمة "الفتنة" في القرآن الکریم

1.      الإكراه والإجبار في شؤون الدين كما جاء في هذه الآية "ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" (16:110)

2.      والتعذيب والاضطهاد كما في قوله تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ" (85:10)

3.      الابتلاء والاختبار كما في قوله تعالى: " أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ" (29:2)

4.      الصد عن السبيل والرد كما في قوله تعالى: "  وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك" (5:49)

5.      ارتكاب الرياء والنفاق والإثم كما في قوله تعالى: " يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ" (57:14)

قال الإمام البغوي في تفسير هذه الآية: "أي أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات ."

6.      القتل والأسر: "وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا" (4:101)

وتشير الآية المذكورة أعلاه إلى الوثنيين من العرب الذين كانوا يهاجمون المسلمين وهم في صلاتهم ساجدون، حتى يقتلوهم ويأسروهم.

7.      وإثارة الاختلاف بين الناس، ومنه قوله تعالى "لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (9:47)

8.      والجنون، ومنه قوله تعالى "بأيكم المفتون" فالمفتون بمعنى المجنون.

وبعد أن استخدمنا أفضل طريقة للتفسير ( تفسير القرآن بالقرآن ) وألقینا نظرة دراسية على مختلف طرق استخدام الكلمة ‘‘الفتنة’’ في القرآن الکریم، لا یجوز لنا أن نترجم أو نفسر كلمة "الفتنة " في الآية المبحوثة عنھا (رقمها 2:191 )  بمعنى " الكفر " أو " الشرك " لتبریر وإباحة قتل المدنيين غير المسلحين المسلمين وغير المسلمين كليهما بشكل وحشي. وبالتالي، ينبغي أن نترجمها بمعنى " الظلم " ، أو " التعذيب " ،  أو " الشغب " ، أو " الفتنة" ، أو "الإغراء " ، أو" الفوضى" ، أو " التمرد"  ، أو " الظلم " ، أو " الأذى " ، أو "الاضطهاد "، أوغيرها من مترادفاتھا. لقد استخدم الکثیر من المفسرين للقرآن الکریم من المتقدمین والمتأخرین هذه الكلمة القرآنیة  بأي معنى من المعاني المذكورة أعلاه.

غلام رسول الهندي كاتب باللغات العربية والإنجليزية والأردية والهندية وحصل على شهادة العالمية والفضيلة من الجامعة الأمجدية، وشهادة البكالوريوس من الجامعة الملية الإسلامية ويواصل دراسات الماجستر في الدين المقارن في الجامعة الملية الإسلامية ، نيو دلهي، الهند 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق