]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

خواطر الشيخ الرشيدي حول بعض آيات سورة البقرة

بواسطة: الشيخ أحمد الرشيدي  |  بتاريخ: 2011-11-01 ، الوقت: 02:19:05
  • تقييم المقالة:
بسم الله الرحمن الرحيم بحث فى قصة البقرة الواردة فى سورة البقرة  

بسم الله الرحمن الرحيم )وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ
أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧ قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨ قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩ قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١ وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰٔتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢ فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣ ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤ (

                                                                      صدق الله العظيم

كلما قرأت هذه الآيات الكريمات التى تتحدث عن قصة البقرة التى أمر الله سبحانه وتعالى بنى إسـرائيل أن يذبحوها وتجولت بخاطرى فيما ذكره المفسرون حول ملابسات هـذه القصة معتمدين فى ذلك على ما روى عن بنى إسـرائيل من حكايات مختلفة ومختلقة ومتعددة الروايات أجـد نفسى غير مستريح لهذه التخريجات غير مقتنع بما ورد فى هذه الروايات التى حاولت إلقـاء الضوء على قصة البقرة فإذا هى تثير حولها كثيرا من الضباب والشكوك والإعتـام كأنما أرادوا وقصدوا إلى إخفـاء الحقيقة التى تكمن فى طيات هذه الآيات الكريمات!!

 فماذا تقول هذه الروايات التى اعتمد عليها المفسرون نقـلا عن يهود بنى إسـرائيل : تقول أن شـابا من بنى إسـرائيل قتل عمه ليرثه أو ليتزوج ابنته الحسناء ثم ألقى بجثتـه فى الطريق وذهب إلى سيدنا موسى uشاكياً ومتهماً بعض الناس بقتل عمه فاجتهد موسى فى التعرف على القاتل ولما لم يظهر قالوا له سل ربك يبينه لنا فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبـح بقرة فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا فى طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بهذا النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها لهم إلا بإضعاف أضعاف ثمنها أى بملء جلدها ذهبا أو دنانيـراً فاشتروها وذبحوها وضربوا القتيـل ببعض أعضائها فأحياه الله ودل على قاتليـه ثم مات فاستمر القتلة فى الإنكار وكذبوا القتيل فيما قاله قبل أن يموت ثانيـة... هكذا تقول الرواية.

 ويروون أن صاحب هذه البقرة التى وجدوها عنده إنه ولد بار بأمه وله حكاية هو الآخـر أن أبـوه رجل شـيخ صالح ولد لـه ولد فاشـترى بقرة بثلاثة دنانير فقط وأطلقها فـى المرعى لتكون لولده حين يكبر ثم مات هذا الرجـل الصالح وتـرك الولد وأمه والبقرة حتى جاء بنـو إسـرائيل يساومونه على شـرائها فلم يرض أن يبيعها إلا بمـلء جلدها دنانيـرا ذهبا .

وعلى ذلك وحسب ما يروون فإنهما قصتان أو حكايتان منفصلتان عن بعضهما ولا صلة لإحدهما بالأخرى إلا من حيت أنهم وجـدوا تلك البقـرة عنده وهاتـان الحكايتان يتفرع عنها تفاصيل كثيرة متعددة الروايات مختلفة المقاصد والأهداف لنتعرض لها فى حينها.

أما الذى أستريح إليـه واقتنع به فى تخريج هذه الآيات الكريمات فهو ما يلى:

جُبل اليهود على تقديس البقر واشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم وطقوس عبادتهم التى كانوا يمارسونها مع المصريين الذين كانوا يقدسون العجل أبيس (أى المقدس) ويصنعون له التماثيل الذهبية والحجرية ويحنطونه ويدفنونه فى مقابر مقدسة ومن شب على شىء شاب عليه كما يقولون ولما من الله عليهم بالفكاك من أسر العبودية للمصريين وجاوز بهم موسى البحر اتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم الهة قال انكم قوم تجهلون ان هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال اغير الله ابغيكم الها وهو فضلكم على العالمين.

ولما استقروا وذهب موسى لميقات ربه اربعين ليلة اضلهم السامرى وصنع لهم عجلا جسدا له خوار وقال الله لموسى وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء عل اثرى وعجلت إليك رب لترضى قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا قال بئسما خلفتمونى من بعدى أعجلتم امر ربكم والقى الالواح واخذ براس اخيه يجره اليه...الخ هذه الآيات العجيبات المذهلات.

وقال موسى للسامرى انظر الى الهك الذى ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه فى اليم نسفا...انما الهكم الله الذى لا اله الا هو وسع كل شىء علما.

ورضخ بنو إسـرائيل لموسى على مضض ولكن القلوب التى اشربت العجل لانزال تحن إليه وجاءتهم الفرصة فقد عثروا على بقرة صفراء فاقع لونها ذهبية الشعر كان الشمس تسطع من شعرها كلها صفراء كالذهب قرونها صفراء واظلافها صفراء لا شية فيها بقرة شابة فتية متوسطة العمر عوان بين ذلك –" البكر والمسنة "- تجرى وتقفز وتنط وتلعب فى المروج والغيضة التى يملكها صاحبها ليست مذللة بالعمل فهى خالية مستريحة لا تعمل ولاتسقى الحرث مسلمة لاشية فيها وخالية من العيوب وخالية ايضا من اى لون اخر يخالط صفرتها الذهبية كانما نسحب من خيوط من الذهب كل ما تعلمه انها ترعى وتسمن وتنط وتقفز هنا وهناك فصارت وحشية مدللة.

 فلما رأوها جن جنونهم بما راوا من جمالها وصفرة شعرها وقرونها واظلافها ورقصها هنا وهناك فاعتزموا امرا عجيبا ... ذهبوا الى صاحبها وساوموه على شرائها فرفض ان يسلمها اليهم مهما كان الثمن فقتلوه واخذوا البقرة واخذوها فى مرعى من مراعيهم وعكفوا على عبادتها سرا بعيدا عن عين سيدنا موسى ومن معه أو لا يعلمون انالله يعلم ما يسرون وما يعلنون.. فاوحى الله الى موسى ان يقول لقومه ان الله يامركم ان تذبحوها بقرة فذهلوا بادىء الامر ولكنهم اخفوا ذلك وادعو خلاف ما يبطلون ورسموا على وجههم التغابى والتعامى وقالوا لموسى اتتخذنا هزوا قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلينوتمادوا فى اداء دوريهم التمثيلى كانهم لا يخفون شيئا ولا يعلمون من امر البقرة شيئا قائلين ادع لنا ربك يبين لنا ما هى قال انه يقول انها بقرة لافارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تامرونولكنهم تمادوا فى التمثيل والادعاء كانهم لا يصدقون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون وكانهم بذلك يختبرون  نبيهم موسى ووحيه عن الله الذي يعلم السر واخفى فقالوا له ادع لنا ربك يبين لنا مالونها قال انه يقول انها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين... وتمادوا فى الاستفهام كانهم لا يعلمون لينفوا عن انفسهم هذه الفعلة الدنيئة من اخفاء البقرة وعبادتها سرا ولكنهم قد وصل الى قلوبهم بعض الظن ان الله يعلم امرهم فقالوا لموسى ادع لنا ربك يبين لنا ما هى ان البقر تشابه علينا وانا ان شاء الله لمهتدون قال انه يقول أنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشية فيها ...عندئذ تاكدوا من ان الله يعلم بامر هذه البقرة التى يعبدونها ....فقالوا لموسى الآن جئت بالحق... فذبحوها رغما عنهم كارهين لذبحها لانهم كانوا يتمتعون بمشاهدتها وعبادتها وابعادها عن الذبح والأكل ولكن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد فأمرهم بذبحها ليعلمهم ان البقرة خلقت للذبح والأكل لا للعبادة والتقديس وأمرهم بان يضربوا صاحبها القتيل ببعض اعضائها ففعلوا فاحياه الله ودل على قاتليه ومات بعد ذلك فانكشفت بذلك الخيانة التى خانوا الله  بها فامكن منهم.

  ومع ظهور هذه المعجزة امامهم لم تلن قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق بل على العكس من ذلك قست قلوبهم من بعد ذلك فهى كالحجارة او اشد قسوة لان  من الحجارة ما ينتفع به البناء وغيره ومن الحجارة ما يتفجر من خلاله  الانهار وان منها لما يهبط من خشية الله كالجبل الذى تجلى الله له فجعله دكا وخر موسى صعقا اذن فالحجارة الين من قلوبكم فافعلوا ما شئتم ايها القساة الغلاظ الاكباد ولكن اعلموا ان الله بما تعلمون بصير وما الله بغافل عما تعملونيعلم ما تسرون وما تعلنون اما البقر والعجل والاصنام افلا يرون انهم لا يرجعون اليهم قولا ولا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعونى واطيعوا امرى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى...اذن فهى قصة واحدة مترابطة المعانى بسيطة غاية البساطة ليس فيها اية تعقيدات او اختلافات كل مافى الامر ان القران الكريم اوردها على نسق بلاغى رائع فيه تقديم اخرالقصة على اولها لزيادة الاهتمام به لان كشف عبادتهم وتقديسهم لبقرة اخفوها اهم بكثير من قتل صاحبها ولكن فى النهاية هى قصة واحدة لاقصتان كما يدعون.

 

       وفيما يلى بعض الاسانيد التى تؤيد هذا التفسير الذى اوضحته وتلقى اضواء على كل هذا الموضوع منها ما هذانى اليه ربى ومنها ما ذكره العلماء المفسرون وبالله الرشاد:

    فى تفسير الجلالين والقرطبى ومفاتيح الغيب للفخر الرازى :- ان بداية القصة هى قوله تعالى )وَإِذۡقَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰٔتُمۡ فِيهَاۖ(. اذا كان القوم لا يعرفون حقا هذه البقرة فلم سالوا عن أوصافها وصفا وصفا وعند تمام الوصف قالوا الان جئت بالحق فذبحوهاكارهين... إذا كانوا لا يعرفونها حقا لذبحوا اى بقرة من أول الأمر ولما سالوا واستفهموا عن اوصافها ولما قالوا الان جئت بالحق لان معنى ذلك انك الان يا موسى وصفت لنا البقرة التى نخفيها تمام الوصف ولذلك ذبحوها كارهين. فان (ما كاد) معناه قرُبَ من ألا يفعل لكنه فعله كارها اذن هم قوم يظهرون ما لا يبطنون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون من أمر هذه البقرة شيئا البتة ولذلك تصل بهم البلاهة والغفلة أنهم يطلبون من نبيهم ان يدعو الله أن يبين لهم أوصافها مرة بعد مرة ليخدعوه ويوهموه أنهم جادون فى البحث عن هذه البقرة عندما يتم لهم معرفتها ومعرفة اوصافها لكى ينفذوا امر الله بذبحها وهم بذلك فى حقيقة الأمر يتباطئون فى تنفيذ ذلك الأمر لأنه يعز عليهم أن يذبحوا المعبودة الجميلة الأثيرة لديهم الذين قتلوا نفسا بريئة فى سبيل الاحتفاظ بها ولكن وحى الله مع موسى ينبئه بما يخفون .. ولو كانوا حقيقة لا يعلمون من أمر البقرة شيئا لبادروا إلى تنفيذ الأمر من أول وهلة وذبحوا بقرة أى بقرة كانت ولأجزاتهم كما ورد عن ابن عباس فى ذلك ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يضمرون ويعلم أنهم سيكررون السؤال بعد السؤال عن هذه البقرة لأنها ليست أى بقرة كانت ولكنها بقرة معينة صفتها كذا وكذا معروفة لديهم يخفونها ويخفون تقديسهم لها وعلى ذلك كرروا السؤال من باب (يكاد المريب يقول خذونى)
ومهما تكن عند امرىء من خليقة        وإن خالها تخفى على الناس تعلم اذن فلا تعارض مع حديث ابن عباس ....... كما انه لا يتعارض أيضا مع حديث الحسن البصرى عن رسول الله r: والذى نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدا... لأن الحديثين يتناسب المفهوم منهما مع ظاهر الشأن والحال التى أظهرها القوم من برائتهم من القتل وصدقهم فى أنهم لا يعرفون من أمر البقرة شيئاً وتظاهرهم بالتسابق فى معرفة أوصاف البقرة التى أمرهم الله بذبحها فإذا كان الشان والحال والحقيقة هى كما يدعون اذن لأجزاهم ذبح أى بقرة كانت وكذلك لو لم يستثنوا بالمشيئة فى قولهم وإنا إن شاء الله لمهتدونلما اهتدوا إلى تلك البقرة فلا تعارض اذن مع الحديثين حتى أن بعض العلماء لم يحاولوا التوفيق بين الحديثين وبين ظاهر القول من بنى إسـرائيل بل قالوا ان حديث ابن عباس من باب الأحاد وبتقدير صحته فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله عز وجل وهذا كله على اعتباران الحديثين عن ابن عباس والحسن البصرى يدلان على تعنت بنى إسـرائيل وتشددهم فى السؤال مرة بعد مرة فشدد الله عليهم فى كل مرة أيضا بوصف آخر من أوصاف البقرة ليضيق عليهم الخناق وليجهدهم فى البحث عنها... ولكن سبق القول أن ذلك كان أمراً من الله ليكشف سترهم المخبوء وكفرهم واشراكهم البقرة فى العبادة حتى أن بعض العلماء قالوا فى تفسير قوله تعالى )اتتخذنا هزوا(وقال بعض العلماء ايضا فى هذه الآية: قولهم لموسى اتتخذنا هزواكفر صريح لأنهم شكوا فى ان الذى أمرهم به موسى uهو من أمر الله سبحانه وتعالى وبذلك جوزوا الخيانة على موسى فى الوحى والتبليغ عن ربه وهذا كفر صريح.
    من الدلائل على أن الآيات لقصة واحدة مترابطة محبوكة الهدف وهو افراد الله بالعبادة وتوحيده وتنزيهه عن النقائص واليقين بعلمه واحاطته سبحانه وتعالى بالسر وما هو اخفى من السرأقول:
من الدلائل هذا الاسلوب البلاغى الرفيع فى الخطاب بتقديم الأهم فى التلاوة مع كونه متأخرا فى الحدوث وتأخير المتقدم فى الحدوث لأنه يلى ذلك فى الأهمية والتقديم والتأخير هذا يجعل السامع فى تلهف لمعرفة تكملة القصة وربط المقدم بالمؤخر أما الترتيب العادى فإنه يفقد السامع الاهتمام لأنه عرف بداية السرد ويمكن أن يستنتج من حصاته ختام السرد.. إذن فالترتيب العادى يكون هكذا ... واذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون.. واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة قالوا اتتخذنا هزوا... الخ الآيات وظننتم ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون أولاً تعملون ان الله يعلم ما تسرون وما تعلنون.. اذن فالله مخرج ما كنتم تكتمونبأن اوحى الى عبده موسى ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ولكنكم تماديتم فى الكتمان وادعيتم عدم معرفتكم بها وزدتم الطين بلة بأن أضفتم إلى كفركم كفرا أشد وأنكى واتهمتم نبيكم فى البلاغ عن ربه وقلتم له اتتخذنا هزوا فقال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.. فقد استعاذ نبى مرسل منكم ولا يستعيذ النبى المرسل إلا من الشيطان الرجيم... وتماديتم فى المراوغة والتباطؤ وتمثيل وادعاء البراءة وكررتم السؤال بعد السؤال حتى حوصرتم وانكشف ما تكتمون من أمر البقرة التى تخفونها فقلتم الآن جئت بالحقفذبحتموها وأنتم كارهين لذبحها وقد قال الله فى حقهم )ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون(.
    فى تفسير الجلالين ما يدل على أنها قصة واحدة لا قصتان منفصلتان: قوله تعالى : )والله مخرج ما كنتم تكتمون (أى مُطْهِرٌ ما كنتم تكتمون من أمرها وهذا اعتراض وهو أول القصة. موضـوع عبادة البقر فى بنى إسـرائيل معروف ومشهور : واتخذ قوم موسى من بعده (أى من بعد ذهاب موسى لميقات ربه الأول وحده) من حليهم عجلا جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ولما سقط فى ايديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين.
وكل هذه الآيات لا تتناسب مع ادعائهم انهم لا يعرفون عن تلك البقرة شيئا وانهم يطلبون المزيد من أوصافها ليبادروا إلى تنفيذ أمر الله بذبحها ! كما لا تتناسب الآيات أيضا مع ما روى عن أن هذه البقرة كانت عند ابن بار بأمه وأبوه شيخ صالح تركها له ثم مات كما أنها لا تتناسب مع ما روى من أن القاتل أو القتلة وكذلك المقتول لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بتلك البقرة وأن هذه حكاية أخرى وجدت البقرة عندهم بمحض الصدفة حتى أن بعضهم أراد أن يفصل المدة الزمنية بين قصة البقرة وقصة المقتول فقال أنهم ظلوا يبحثون أربعين عاما عنها حتى وجدوها فكيف يتناسب هذا الادعاء مع فورية الآيات )فقلنا اضربوه ببعضها(هل ظل المقتول أربعين سنة حتى وجدوا البقرة وضربوه ببعضها هذا كلام لا يعقل ولذلك كذبه العلماء وقالوا ما يلى: المروى عن ابن عباس ان صاحب بقرة بنى إسـرائيل طلبها أربعين سـنة حتى وجدها ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن الكريم لأن الفاء فى قوله تعالى )فقلنا اضربوه ببعضها(للترتيب مع التعقيب وذلك يدل على أن الأمر بالضرب حصل عقب الأمر بالذبح مباشرة دون فاصل زمنى. وأقول أيضا بما أن الفاء للترتيب والتعقيب فهى دلالة واضحة على أنها قصة واحدة مترابطة المعنى والهدف لا يفصل بينها أى فاصل زمنى أو تعبيرى فهى موضوع واحد بالغ الدلالة على علم الله واحاطته ووجوب توحيه ودال على خبث بنى إسـرائيل وكفرهم بآيات الله ومعجزاته.
    قرأت فى مفاتيح الغيب للفخر الرازى ما يلى : روى أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى موسى u- قال لبنى إسـرائيل يخفون لى أعمالهم وعلى أن أظهرها لهم .... وأقول : إذن فهم يمتحنون قدرة الله على اظهار ما يخفون حسيا ومعنويا من إخفاء البقرة حسيا واخفاء ما وقر فى باطن قلوبهم من تقديس البقرة وعبادتها وهذا اخفاء معنوى ولكن الله عليم بما يصنعون وما يبطنون. جميع الروايات التى رويت فى هذا الشأن عن بنى إسـرائيل رغم اختلافاتها الكثيرة وتعدد مبانيها ومعانيها ليس فيها ما يدين بنى إسـرائيل غير انهم متعنتون متشددون فى كثرة سؤالهم لنبيهم معاندون متباطئون متلكئون فى تنفيذ الأمر الصادر لهم من الله سبحانه وتعالى وليس بهذه الروايات أية إشـارة إلى كفرهم الصريح بعبادتهم لهذه البقرة فكيف يتناسب هذا مع ذكر الله سبحانه وتعالى لقصة هذه البقرة فى أطول وأشهر سورة فى القرآن وسميت أول سورة فى المصحف باسمها (سورة البقرة) وهى سورة تحوى أكبر قدر من الآيات الدالة على كفر اليهود وعبادتهم للجبت والطاغوت وخبثهم ومراوغتهم ومطالبتهم نبيهم مراراً عديدة بأمور غاية فى الضحالة وقلة العقل مثل لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها... الخ الآيات فى هذا الشأن... كذلك طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلها آخر يعبدونه مجسداً.. واذا استعرضنا سورة البقرة من أولها نجد هذا التعداد لمساوىء اليهود وكفرهم فيضرب الله الأمثال : ان الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها... يا بنى إسـرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإياى فارهبون* وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم* واذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون * واذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون* وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعكم تهتدون* وإذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم... إلى آخر هذه الآيات التى تبدأ بالتعداد لمساوىء اليهود وكفرهم بآيات الله ونعمه ويبدأ التعداد بقوله تعالى (... وإذ .... وإذ ...وإذ) وسـنذكر هذه الآيات فى آخر هذه الأطروحة.
اذن فكيف يتناسب ما يروى عن بنى إسـرائيل فى هذه القصة من اتهام لهم بالتعنت والمعاندة والتشدد فقط دون الإشارة إلى اخفاء كفرهم الصريح بعبادتهم للبقرة خلسة وخفية. أقول كيف يتناسب هذا مع القصة التى ذكرت فى أشهر وأطول سورة فى القرآن... الأنسب أن تكون هذه القصة هى قمة فى الدلالة على كفر اليهود وخبثهم لان السورة سميت باسمها.. كذلك ذكرت القصة عقب العديد من كفر اليهود ومكرهم فيجب أن تكون هذه القصة بالغة الدلالة على كفر اليهود لا أن تكن فقط دالة على تشدد اليهود وتعنتهم ومعاندتهم ولجاجهم فى الحوار مع نبيهم وفيما يلى هذه الآيات الكريمات التى بدأت بتعداد كفر اليهود وختمت بهذه القصة البالغة الدلالة على هذا الكفر الصريح. بسم الله الرحمن الرحيم )وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم* واذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون* وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون* واذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون * وإذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم * وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون* ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون* وظللنا علكيم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون* وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين* فبدل الذين ظلما قولا غير الذى قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانا يفسقون* وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين* وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة المسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذك بما عصوا وكانوا يعتدون* إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئن من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما اتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون* ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين* ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين * فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين *وإذ قال موسى لقومه أن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا اتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين(. وتسترسل الآيات حتى آخر هذه القصة الفريدة العجيبة التى يقول الله تعالىفى ختامها : )ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وأن منها لما يتشقق فيخرج منه الماء وأن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون(. وبعد هذه القصة مباشرة يوجه الله سبحانه وتعالى الخطاب للرسول الكريم ومن معه من المؤمنين قائلا لهم: )أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون* وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون *أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون(. ولم يكتف القرآن بما عنده من قبائح اليهود وكفرهم من بدء سورة البقرة حتى هذه القصة بل استرسل بعد هذه القصة أيضا فى تعداد قبائح اليهود وكفرهم والقارىء للسورة يجد ذلك واضحا فى آيات كثيرة بعد قصة البقرة تندد بقبائح اليهود وكفرهم بآيات الله... كذلك فإن سور القرآن الكريم زاخرة بالحديث عن كفر اليهود وتحريفهم لكتاب الله عز وجل وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف وليس المجال هنا للافاضة فى ذكر هذه الأمور المشينة التى أفاض القرآن فى نعت اليهود بها. بل أننا نعود معكم إلى قصة البقرة لنستزيد من الايضاحات والدلالات على أنها قصة واحدة لفضح أعمال اليهود المشينة التى تدمغهم بالكفرواشراك مخلوق لله بالعبادة من دون الله )يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم اذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا(.
    أقول والله أعلم أن قوم موسى uذبحوا البقرة الشـابة الفتية كارهين مقهورين لأن ذبحها سيؤدى حتما إلى فضح تدبيرهم وتقديسهم لها فى السر والخفاء وسيفضح قتلة صاحب البقرة وكان لابد لاقتلاع تقديس البقرة من نفوسهم بتكليفهم بذبحها وتعليمهم أن العبادة لا تكون إلا الله وحده لا شريك له وأن مخلوقات الله مهما بلغ من جمالها أو قوتها أو ما يأتى منها من رزق خير أجراه الله عليها وسخرها له مهما يكن ذلك فإن مخلوقات الله لا تستحق أن تعبد من دون الله جل علاه بل تستحق أن نشكر الله على أن سخرها لنا لنركبها أو نشرب لبنها أو نأكل لحمها أو نذللها للعمل فى معاشنا وحياتنا فهل من العقل اذا رأينا مثلا فراشة أو طيرا أو حيوانا بالغ الروعة والجمال والألوان أن نعكف على عبادته وتقديسه من دون الله سبحانه وتعالى... إذن لكان ذلك سفها وكفرا بنعمة الله جل علاه وقد قال العلماء أيضا أقوالا وأراءا فى هذا المعنى كما يلى :
فى تفسير القرطبى قال الماوردى:وإنما أمروا (والله أعلم) بذبح بقرة دون غيرها لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه وليعلم بإجابتهم ما كان فى نفوسهم من عبادته. وفى تفسير القرطبى أيضا: قوله تعالى :(وما كادوا يفعلون(هذا أخبار عن تثبيطهم فى ذبحها وقلة مبادرتهم إلى تنفيذ أمر الله تعالى... وقال القرظى محمد بن كعب : لغلاء ثمنها وقيل خوفا من الفضيحة على أنفسهم فى معرفة القاتل منهم قال ذلك وهب بن منبه. وفى مفاتيح الغيب للفخر الرازى رايا مشابها لذلك كما يلى: اختلفوا فى السبب الذى لأجله ما كادوا يذبحون البقرة فعن بعضهم لغلاء ثمنها وعن آخرين خافوا الشـهرة والفضيحة.   ** أقول وهل تكون الشهرة والفضيحة إلا عن شىء منكر مطوى أخفوه عن الناس كما قال الله تعالى فى حقهم (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم اذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا). وفى مفاتيح الغيب أيضا ما يلى: إذا كان الأمر كما يدعون من أنه لا صلة بين المقتول وبين البقرة فلماذا أمر الله بذبح بقرة بعينها ولم يأمر بذبح ناقة أو جمل أو كبش أو نحو ذلك مثل أمر الله لسيدنا إبراهيم uحين سال ربه (رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن ياتين سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم). 10. ويحلوا لى أن أكرر ما سبق القول فيه من أنه من أول سورة البقرة وهى أشهر وأطول سورة فى القرآن الكريم وسميت باسم هذه البقرة بطلة هذه القصة عددت السورة قبائح اليهود إلى أن بلغت ذروة الحديث عن هذه القبائح فى قصة البقرة فلا يعقل أن يختم السرد بقصة فيها مجرد الحديث عن تعنت اليهود وتشددهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم فقط بل لابد أن تكون القصة بالغة القصد فى فضح مكائدهم وكفرهم. إذن فقد تدخلت فى تفسير هذه الآيات الكريمات ما يعبر عنه بالإسرائيليات لإخراج القصة عن مضمونها الحقيقى وتفريغ محتواها مما يشير إلى دمغ اليهود بعبادة البقرة:  
    من الأسانيد القوية الدالة على أن المقصود من قوله تعالى: (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) هى بقرة معينة مخصوصة صفتها كذا لونها كذا وكذا وأنه ليس المقصود أن يذبحوا أية بقرة كانت على العموم من جنس البقر من هذه الدلائل القوية ما يلى :
ورد النقاش والمساجلة فى هذه المسألة بين العلماء فى كل من تفسير القرطبى مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير للفخر الرازى على النحو التالى : القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) معناه اذبحوا أى بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد العموم وأن قوله تعالى (ادع لنا ربك يبين لنا) مرة بعد مرة فهذا تعنت منهم وقلة طواعية ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أى بقرة كانت لحصل المقصود لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما ونحو ذلك ورد عن الحسن البصرى عن النبى r. وأضاف القائلون بالعمومأن الله أمرهم فى البدء أن يذبحوا بقرة أى بقرة كانت فلما : سألوا ما هى نسخ الأمر الأول وكلّفوا بأن يذبحوا بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك... فلما سألوا عن لونها نسخ الأمر الثانى وكلفوا بأن يذبحوا بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين... فلما سألوا عما هي مرة أخرى نسخ الأمر الثالث وكلفوا أن يذبحوا بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشـية فيهافقالوا الأن جئت بالحق فذبحوهاكارهين مرغمين. ومعنى ذلك أن أمر الله سبحانه وتعالى نسخ وتجدد أربع مرات. ومعنى ذلك أيضا أنهم مكلفون فقط بذبح بقرة فى التكليف الأخير فقط لأن ما عداه قد نسخ والتكليف الأخير ينص على أنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشـية فيهاوليست فارضا ولا بكرا عوان بين ذلك وليست صفراء فاقع لونها تسر الناظرين... اذن عدنا إلى أنها بقرة مخصوصة أيضا وليست بقرة أية بقرة كانت على العموم كما يقولون. وهذا التخريج فى كتاب الله وأمره لا يجوز فى حق الله سبحانه وتعالى وقد سبق الكلام عن عدم تعارض حديث بن عباس والحسن مع أمر الله بذبح بقرة معينة لتوافق الحديثين مع الظاهر من كلام بنى إسـرائيل الظاهر الذى يوحى بعدم معرفتهم بأمر تلك البقرة والحاحهم فى السؤال عن صفتها وقد سـبق الكلام عن هذا فى حينه.   ولكن أرجح الأقوال وأصحها لمن قال بالخصوص: أى أن الأمر من الله فى البدء كان بذبح بقرة مخصوصة معينة صفتها كذا وكذا وكذا ولكنهم أى اليهود لغرض فى أنفسهم تباطئوا فى التنفيذ وكرروا السؤال المرة بعد المرة هروبا من التنفيذ أو إرجاءاً وتأجيلاً له واستدل القائلون بالخصوص على ذلك بأسانيد قوية ومنطقية ظاهرة وواضحة لا لبس فيها ولا غموض ومن هذه الأسانيد ما يلى : أن قولـه تعالى (اذبحوا بقرة) لا يدل على العموم لأن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة يمكن تقسيمه إلى قسمين فإنه يصح أن يقال اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً أن يقال اذبح بقرة أى بقرة شئت... فإذن المفهوم من قولك اذبح معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم بالضرورة واحداً منهما .. فإذن قوله تعالى اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله اذبحوا بقرة أى بقرة شئتم فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله اذبحوا بقرة أى بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله اذبحوا بقرة معينة نقضا... ولما لم يكن كذلك علمنا فساد القول بالعموم. ومن هذه الأسانيد المنطقية الواضحة التى استدل بها القائلون بالخصوصوأن المقصود بالأمر هو ذبح بقرة مخصوصة معينة صفتها كذا وكذا ما يلى : أن قوله تعالى (بقرة) لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً فى نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أى فرد كان بدليل أنه إذا قال رأيت رجلاً فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه فى الخبر كذلك وجب أن يكون فى الأمر كذلك. وقال منكروا العموم أيضاً : لو كانوا سائلين معاندين لما سكتوا بعد وصف البقرة وقالوا الآن جئت بالحقإذن فهم سكتوا واكتفوا بالوصف الذى ذكره موسى فدل ذلك على أنهم ما كانوا معاندين متشددين فى السؤال بل كانوا يسألون عن بقرة معينة يعرفونها وينكرونها. وقال منكروا العموم أيضا: لو أن المأمور به ذبح بقرة أى بقرة كانت ما كانوا يسألون هذه الأسئلة وإنما كانوا ينصرفون فوراً إلى تنفيذ الأمر بالذبح مباشرة ولكن لما كان المأمور به مجملاً حَسُنَ الاستفسار والاستعلام عنـه... إذن فالمجمل يطلب التفصيل والسؤال عنه فى محله تماماً. وهكذا نجد أن أرجح الأقوال هو القول بأن هذه البقرة ليست أية بقرة كانت بل هى بقرة مخصوصة معينة صفتها كيت وكيت يعرفونها تمام المعرفة حيث أنه بعد أن أتم الله سبحانه وتعالى وصفها لهم أقروا بذلك وقالوا الآن جئت بالحق.   11. ثم عودًا على بدء لإلقاء الضوء على أن القصة واحدة مترابطة وليست قصتان كما يزعم اليهود فى رواياتهم فأقول : لا يستقيم المعنى إلا بهذا التفسير إذ لا يترتب عليه أى خلاف لفظى أو لغوى أو بلاغى تعبيرى لأن الحديث عنها ورد فى سورة هى أكبر وأشهر سور القرآن وكون السورة سميت باسم تلك القصة إذن فهى القصة الرئيسية وبيت القصيد كما يقولون بالنسبة للسورة كلها فلا يعقل أن يكون أهم ما فى السورة خالياً من فضح اليهود وكشف كفرهم كذلك فإن الروايات الواردة عن بنى إسـرائيل وتصور هذه القصة على أنها قصتان أو أكثر نقلت عن بنى إسـرائيل جيلا بعد جيل ووصلت محرفة ومختلفة ومختلقة من أسـاسها لتكون فى صالحهم لا ضدهم وهل يعقل أن يقول اليهود عن أنفسهم أنهم كفروا وعبدوا بقرة على العكس من ذلك يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن شعب الله المختار. وفى تفسير القرطبى ما يلى: قوله تعالى )ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة(مقدم فى التلاوة وقوله تعالى )وإذ قتلتم نفسا(مقدم فى المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة. إذن فالقصة فيها تقديم لجذب الاهتمام وشد الانتباه وهو أمر الله بذبح البقرة وتأخير لقتل النفس لتأتى نهاية المعجزة التى أخبر الله نبيه فيها بما يكتمون من عبـادة البقرة ومعجزة الله فى إحياء الموتى فليست الآية الأخيرة منفصلة عن القصة بل هى متصلة بها أوثق اتصال وهى البداية لها بدليل قوله تعالى )فقلنا اضربوه ببعضها(وقوله تعالى )وإذ قتلتم نفسا فإدراتم فيها(وكونهم تدارأوا فيها بمعنى أنهم قتلوها وأخفوا القاتل ثم اختلفوا وتنازعوا وكل يلقى تبعة القتل على غيره وينفيها عن نفسه أو يكونوا اشتركوا فى قتلها ويكون القاتل جماعة أو جملة منهم أو فرقة من فرقتهم الاثنى عشر بدليل قوله تعالى (وإذ قتلتم)،، (وادارأتم)، (مخرج ما كنتم تكتمون)، (اضربوه ببعضها) فكلها جاءت بصيغة الجمع مما يدل على أن القاتل جملة أو جماعة منهم وليس فردا واحدا وبذلك يضيع دم القتيل ولا يعرف قاتله ويتفرق دمه بين الفرق ويتوه الدليل على قتله بين الفرق الاثنى عشرة من بنى إسـرائيل فاحيا الله النفس المقتولة ليظهر الحق ويعرف القاتل.   ويروى فى هذا الصدد أيضاً: أنهم لما ضربوا المقتول ببعض أعضاء البقرة قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال قتلنى فلان وفلان وهما ابنى عم القتيل ثم سقط ميتاً فقتل ابنى عمه قودا فهذه المرة ذكر أن القاتل اثنين لا واحد ولا يهم أن كان القاتل واحداً أو اثنين أو جماعة المهم أنه لما ٍسُقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا وانكشف كفرهم وإدانتهم تمادوا فى إنكـار القتل وكذبوا القتيل فيما قاله وحدثت فتنة فوصفهم الله بقسوة القلب بعد ظهور هذه المعجزة وليتهم لما علموا أن الله يعلم ما يسـرون وما يعلنون وظهرت أمامهم المعجزة الخارقة عادوا إلى الإيمان وقوى يقينهم بالله ورسوله ولكن قست قلوبهم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوةوكان الأولى أن يستجيبوا وتلين قلوبهم لا أن تتحجر لكن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة لأن الحجارة لو كانت عاقلة ورأت هذه المعجزة لقبلتها وآمنت بها كما قال الله تعالى : (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشـعاً متصدعاً من خشـية الله)... كذلك فإن الحجـارة ليس فيها أى امتناع مما يحدث فيها من أمر الله تعالى وإن كانت فى حد ذاتها صلبة قاسية بل هى مع صلابتها وقسـوتها منصرفة على مراد الله سبحانه وتعالى غير ممتنعة من تسـخيره وينتفع بها من بعض الوجوه ويظهر فيها الماء فى بعض الأحوال أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون.. ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسـنتهم وطعنا فى الدين .. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكريـن.. والله أسرع مكراً وما الله بغافل عما تعملون.   12. قيل فـى تفسـير قوله تعالـى : (صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) صفراء حتى القـرن والظلف تسر الناظرينإذا نظرت إليها خيل إليـك كـأن شـعاع الشمس يخرج من جلـدها.   13. بعد كل هذا يجمل بنا أن نورد بعض الروايات التى وردت فى تفسير هذه القصة عن بنى إسـرائيل وما بها من اختلاقات واختلافات وتعدد لنرى كم هى بعيـدة كل البعد عن الحقائق الواردة فى كتاب الله عز وجل وذلك كمـا يلى :   الرواية الأولى: أن رجلا من بنى إسـرائيل ولد له ابن وكانت له عجلة فأرسلها فى غيضـة وقال اللهم انى استودعك هذه العجلة لهذا الصبى ومات الرجل فلما كبر الصبى قالت له امـه وكان باراً بها أن أبـاك اسـتودع الله عجلة لك فاذهب فخذها فذهب فلما رأتـه البقرة جاءت إليـه حتى أخذ بقرنيها وكانت مسـتوحشـة فجعل يقودها نحو أمـه فلقيـه بنو إسـرائيل فسـاوموه عليها فاشـتط عليهم فأتـوا به موسـى uفقال لهم أرضوه فيما يملكـه فاشـتروها منه بوزنهـا مرة أو بوزنهـا عشـر مرات أو بمـلء مسـكها (أى جلدها) دنانير (أى بملء جلـدها بعد ذبحها) وذكر بعضهم أن هذه البقـرة نزلت من السـماء ولم تكـن من بقـر الأرض. الروايـة الثانيـة: رجل من بنى إسـرائيل قتل عمه أو ابن عمه لكى يرثـه أو ليتزوج ابنتـه الحسـناء ثم رمـاه فى مجمع الطريق أو فى مسـجد من المسـاجد الأثنى عشر أو فى قريـة بعيـدة ثم شـكا ذلك إلى موسـى uفاجتهد موسـى فى تعريف القاتل فلما لم يظهر قالوا له سـل لنا ربك حتى يبينـه لنا فأوحـى الله إليه (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فتعجبوا من ذلك ثم شـددوا على أنفسـهم بالاسـتفهام حالا بعد حال واستقصوا فى طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند الولد البار بأمـه ولم يبيعها إلا بأضعاف ثمنها فاشـتروها وذبحوها وأمرهم موسـى أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل ففعلـوا فسـار المقتول حيـاً وسمـى لهم قاتله وهو الذى ابتدأ بالشـكاية فقتلوه قودا. الروايـة الثالثـة: كان فى بنـى إسـرائيل شـيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال اللهم انى اسـتودعك هذه البقرة لابنى حتى يكبر وكان بارا بوالديـه فشبت وكانت من أحسن البقـر وأسمنها فتسـاوموها اليتيم وأمه حتى اشـتروها بملء مسكـها ذهبا وكانت البقرة اذ ذاك بثلاثـة دنانير وكانوا طلبوا البقـرة أربعين سـنة.   الروايـة الرابعـة: سبب القتل أن له ابنـه حسـناء أراد ابن عمها أن يتزوجهـا فمنعـه عمه فقتلـه وحملـه من قريتـه إلى قريـة أخرى فألقـاه هناك وقيـل ألقـاه بين قريتين.   الروايـة الخامسـة: قتله طلبا لميراثـه حيث كان فقيرا وادعى قتله على بعض الاسـباط – قال عكرمـة – كان لبنى إسـرائيل مسـجد له اثنـا عشـر بابـاً لكـل باب قـوم يدخلون منـه فوجدوا قتيـلاً فى سـبط من الأسـباط فادعى هؤلاء على هؤلاء ثم أتـوا موسـى يختصمون إليـه فقال  إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.   وقد اختلفوا أيضاً فى البعض المأمور الضرب به من البقرة بعد ذبحها هل هـو لسـانها أم فخذها أم ذنبها أم غضروف اذانها أم بضعة من كتفيـها... كل هذه الروايـات من بنـات الخيـال وبعيـدة عن التصديق لضحالـة مبناها وتكاد تكون مضحكـة فى بعض الأحيـان ويظهر فيـها التلفيق والكذب واضحيـن كما يفهم الغرض من هذا التلفيق الروائى الخيالى وهو محاولتهم المستميتة أبعـاد شبيهـة اخفاء البقرة الجميلة التى لاشـية فيها والتى يخيـل إلى الناظر إليها كان شـعاع الشمس يخرج من جلدها وأبعاد تهمة تقديسـها وعبادتها وتهمـة قتل صاحبـها حتى أنهم كذبوه حين أحيـاه الله وأخبر بـه قاتليـه مات فقال الله فى حقهم : )٧٣ ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤ (.  

 

 

 

إضافات حول البحث بسم الله الرحمن الرحيم قال الله سـبحانه وتعالى (ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِ‍َٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦ فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا
وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ٨) الآيـات من رقم 45 إلى رقم 48 من سـورة المؤمنـون وقوله تعالـى (وتلك نعمـة تمنها على أن عبدت بنـى إسـرائيل) الآيـة رقم 22 من سـورة الشـعراء. وكان بنو إسـرائيل عبيد مسـتضعفون يرزحون تحت نير الأسر وسخرة المصريين فى جميع الأعمال الصناعية والزراعيـة فتعلموا وأتقنوا صناعة التماثيـل المعبـودة من الحجـارة والذهب وكذلك أتقنوا صياغة الذهب وعشـقوه عشـقا يصل لدرجة العبادة وبرعوا فى تشـكيله حتى أنهم عند خروجهم من مصر مع سيدنا موسى uكانوا يحملون معهم كميات كبيرة من الذهب الذى كان المصريين يودعونه عندهم ليصنعوه لهم حسب طلبهم إما صياغة حلى وزينـة أو صناعة تماثيل ذهبيـة لألهتهم التى كانوا يعبدونها. وذهب سيدنا موسـى لملاقـاه ربه أربعيـن ليلة فصنع لهم السـامرى (أشـهر صائغ فى التاريخ) عجلا ذهبياً له خوار عبـدوه وراجعهم سيدنا هارون فى ذلك فقالوا لن نبرح عليه عاكفينولما رجع موسى قالوا له أنا حُمّلنا أوزارا من زينـة القوم فقذفناها فكذلك القى السـامرى فأخرج لهم عجلاً جسـداً له خوار فقالوا هذا الهكم وإله موسى فنسى أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعـاولقد قال لهم هارون من قبـل يا قـوم إنما فتنتم به وأن ربكـم الرحمن فاتبعونى وأطيعوا أمرى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينـا موسـى.   كذلك فإن بنى إسـرائيل كانوا عبيـدا للمصريين عابدين لهم فهم عبيـد وخدم لهم والناس على دين ملوكهم كما يقولون فالسـادة من المصريين كانوا يعبدون الفراعين وكذلك كان يصنع عبيدهم وخدمهم يعبدون مثلهم الفراعين ويعبدون سـادتهم وأولياء نعمتهم من المصريين... إذن فهم كانوا عبيداً وخدما وعمال سـخرة مضروباً ومفروضاً عليهم الذلة والمسـكنة وأصبحوا فى أسر المصريين واسـتمرؤوا ذلك واسـتعذبوه لدرجة أنهم عبدوهم وعبدوا ما يعبدون وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهمحيث تربوا جيلا بعد جيل فى أسر المصريين. ولا زال اليهود إلى اليوم يعشقون بقايا وأطلال هذه العبـادة اللعينة ويحنّون لماضى آبائهم وأجدادهم فى الذل والمسـكنة فتراهم يأتـون إلى مصر من أقاصى الأرض ليشـاهدوا ويتمتعوا برؤيـة المعابـد والمقابر والتماثيـل والجثث المحنطـة والمقبـورة بأعداد كثيرة للعجل المقدس أبيس بل أنهم فى بعض الأحيـان يعيدون بأنفسـهم ممارسـة طقوس تلك العبـادة فيأتـون إلى مصر فى شـروق وتعامد الشمس مرتين كل عام علـى وجـه تمثـال رمسيس فى معابـده بأسـوان. وبالنسـبة لروايـة بنى إسـرائيل أنهم وجـدوا تلك البقـرة الجميلة عند الولد البـار بأمـه فأنهم يقصـدون فى الحقيقـة من كلمـة الأم تلك البقـرة لأنهـا كانت لهم بمثابـة الأم الرءوم فحافظـوا عليها وكانوا بارين بهـا فلم يذبحوها وتركوهـا تمرح فى المراعـى رأفـة ورحمـة بها لأنها أمهم التى يعبدونها وقد انتقلت تلك العـادة اللعينـة منهم إلى المشركين فى الجاهلية جيلا بعد جيل فكان المشـركون الجاهليـون يطلقون بعض إيلهم فى المراعى تمرح طليقة غير مذللة بالعمل بنـاء على نذر نذروه أو تقرباً لله كما يزعون... وقال الله سـبحانه وتعالى : (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبـة ولا وصيلة ولا حـام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون). صدق الله العظيم من أمثلة التقديم والتأخير التى وردت كثيراً فى القرآن الكريم قوله تعالـى فى سـورة الزخرف : )وجعلوا له من عبـاده جـزءاً ان الإنسـان لكفور مبين* أم اتخذ مما يخلق بنـات وأصفاكم بالبنين* وإذا بشـر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسـودا وهم كظيم* أو من ينشـأ فى الحيلة وهو فى الخصـام غير مبين* وجعلوا الملائكـة الذين هم عبـاد الرحمن إناثـاً أشـهدوا خلقهم ستكتب شـهادتهم ويسألون* وقالوا لو شـاء الرحمـن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصـون(. فإن آخـر الآيـات متقـدم علـى أولها فى المعنـى ولكن بلاغـة التصوير القرآنى اقتضت هذا الترتيب فى التلاوة وهو فى الحق نسق فريد وعجيب غايـة فى الروعـة والجمال.   تم بحمد الله فى الأول من ربيـع الأول سـنة 1418هـ السـادس مـن شـهر يوليـو سـنة 1997م حققــه :   أحمد محمود محمد الرشـيدى (7) شـارع رقـم (21) تقسـيم النصـر للسـيارات

                                                  وادى حوف – حلـوان – القاهـرة

                                                      تليفـون رقم : 3699329

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق