]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

السكرانُ الفصيحُ . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-10-29 ، الوقت: 12:31:33
  • تقييم المقالة:

من حيثُ لم يتوقَّعْ ، وجدَ نفسه مُطَوَّقاً بضابطيْنِ شديدين ، ثمَّ طرحاه بقسوةٍ داخل عربة الأمنِ ، واقتاداه إلى دائرة الشرطة ، حيثُ حرَّرا له محضراً ، شهدا فيه بارتكابه لجناية السُّكر العلني ، وإزعاج المارَّةِ ، وإثارة الشغب والفوضى في الطريق العامِّ .

وباتَ ليلتَهُ في السجن الاحتياطي ، يُغَنِّي حيناً ، ويدقُّ جدرانَ الزنزانةِ حيناً آخر .. ويردِّدُ مرَّةً أغنية (ظلموه) ، ومرَّةً أغنية (زوروني كل سنة مرة) ...

وفي نهار الغد ، أخذوه إلى المحكمة ، ومثُلَ بين يدي القاضي ...

حدَّجَهُ القاضي بنظراتٍ باردَةٍ ، بعد أن انتهى من قراءة أوراقٍ كانت أمامه ، وواجهه بجُرْمِهِ المشهودِ ، قائلاً :

ـ أنتَ متَّهمٌ بالسُّكْرِ العلني ...

وبدا مسطولاً ، وذاهلاً عمَّا يجْري حولَهُ ، وكأنه ما زالَ تحت تأثير الخمرة ، وقالَ :

ـ هل أنا متَّهمٌ بالسُّكْرِ أم بالعلنِيِّ ؟

فضجَّتِ قاعةُ المحكمة بالضحك ، ولم يستطع القاضي نفسُهُ أن يمنع ابتسامةً خفيفةً على شفتيه ، ولكنه سرعانَ ما أمرَ الجميع بالهدوء والانضباط ، وصرخ في وجْهِ المتهم :

ـ هلْ ما زلْتَ سكرانَ ؟

ـ وما معنى سكران يا سيدي ؟

ـ السكران هو الشخص الذي لا يدري ما يفعلُ وما يقولُ ، وقد غابَ عنه عقْلُهُ .

ـ تقصدُ أنني مجنونٌ !!

فانزعجَ القاضي قليلاً ، وانتبه أنه يواجِهُ حالَةً غريبةً ، ويخاطبُ شخصاً غير عادي ، فكظم ما بداخله من غيظٍ ، وتحلَّى بالحكمة والسَّدادِ ، وقال له :

ـ لا أقصدُ أنك مجنونٌ ، لكنَّ الأوراق التي بين يديَّ تقولُ إنك كنتَ تشربُ الخمرَ علنيَّةً ، وتزْعِجُ المارَّةَ في شوارع المدينة ، وتمشي في طريق السيارات ، وأنتَ تغني وترقص وتصرخ ...

ـ وأين الجريمةُ في كل هذا ، يا سيدي القاضي ؟

ـ إنَّ تعاطي الخمرة أمام الناس جريمة ، وكذلك إزعاج المارة ، والمشي في طريق السيارات ، والضجيج والصراخ ...

ـ ولكن يا سيدي لم يتقدَّمْ أحدٌ بشكوى ضدِّي ؛ لأني لمْ أُؤْذِ أحداً ...

ـ هناك ما يسمَّى الحياءُ العامُّ ...

ـ وأين يوجدُ هذا الحياءُ العامُّ ؟

وهنا شعُرَ القاضي بصعوبة الموقف ، وأدرك بفطنته أنه سارَ مع المتهم في دروبٍ شائكةٍ ، وعزمَ أن يُسيطر على مجْرى القضيَّةِ ، وقال له :

ـ لقد أثرْتَ فزعَ الناس في الشوارع ، وتحرَّشْتَ بفتياتٍ في الطريق العام ، وتسببتَ في اضطرابٍ في حركة المرور ...

ـ هذا ليس صحيحاً ، يا سيدي القاضي ، بل على العكس ، فقد رأيتُ كثيراً من الناس كانوا يضحكون . أمَّا الفتياتُ فهنَّ من أسأْنَ الأدبَ معي ، وبصقتْ واحدةٌ منهن في وجْهي ، بعد أن أَثْنَيْتُ عليهن بسبب تبرجهن الطاغي ، وأولادٌ كانوا على متْنِ حافلَةٍ حين مرُّوا بي شتموني بأقذع الألفاظ . وأما مشْيي في طريق السيارات ، فلم أجدْ غيره صالحاً للمشْي ، إذْ وجدْتُ الأرصفةَ كلَّها محجوزةً بكراسي ، ومناضد ، وبضائع مختلفة ، وصناديق ، ومفروشات ...

ـ وصُراخُك ؟

ـ لم أكنْ أصرخْ ، بل كنتُ أغني ، والغناءُ منتشرٌ في كل بُقعةٍ من المدينة ، وبمُكبِّرات الصوت ، وأحياناً من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ...

والذين يصرخون ـ حقيقةً ـ هم الباعة المتجولون المنتشرون في كل مكانٍ ، وكثيراً ما يتشاجرون فيما بينهم ، أو مع الزبائن ، ويطلقون كلماتٍ نابيةً .

والذين يُسبِّبون اضطراباً في حركة المرور ، هم أصحاب السيارات أنفسهم ، وكثيرٌ من الراجلين ، وأصحاب الدكاكين والمحلات التجارية .

ولستُ منْ تسبَّبَ في الفوضى ، وإنما أنا متورِّطٌ فيها ...

سرتْ في قاعة المحكمة همهماتٌ ، وتبادلَ الحاضرون نظراتٍ فيما بينهم ، والتفتَ القاضي إلى مسْتشاريْهِ ، وطرقَ المنصَّةَ ، وقال للمُتَّهم :

ـ أنتَ متَهمٌ بالسُّكْرِ ، وهذه جريمةٌ وحدها ...

ـ لا يا سيدي القاضي ، أنا لمْ أسكرْ ، وإنما شربْتُ الخمر ...

ـ وما الفرقُ ؟

ـ لم أسْكرْ يا سيدي القاضي ، لأني ما زلْتُ أعي ما أقول وما أفعل . ولكن شربْتُ الخمْرَ بصفةٍ قانونيَّةٍ !!

واندهشَ القاضي من هذا القول ، كما اندهش جميع الحاضرين ، وسأله :

ـ كيف شربْتَ الخمر بصفةٍ قانونيَّةٍ ؟

فأدخلَ المتَّهمُ يدَهُ في جيْبِهِ ، وأخرجَ لُفافَةً بسطها أمام أنظار هيئة المحكمة ، وكانت قسيمَةَ شراءٍ تحملُ اسمَ سوقٍ مركزيٍّ شهيرٍ في المدينة ، فتحَ أبوابَهُ بترخيصٍ من الدولة !!

واحتارَ القاضي ، وأعلنَ أن الحكْمَ سيكون بعد المُداولَةِ ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق