]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لعنةُ السلطة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-10-26 ، الوقت: 13:20:29
  • تقييم المقالة:

 

لعنة السلطة

 

محمد الحداد /  العراق

للسلطةِ سطوةٌ أزلية تظلُّ تسطعُ مثلَ فكرةٍ عذراء أبداً..مهما طالَ عليها الزمن ودار..أو هكذا يراها على الأقل عشاقها المفتونون بها..وكلُّ مَنْ يحلمُ بالجلوسِ على كرسي عرش أيّ بلدٍ عربيٍّ سيكونُ معبأ سلفاً بلعنةِ السلطةِ اللذيذة التي تدحرجها إليهم في كلِّ حينٍ من غياهبِ غاباتها البعيدةذاكرةٌ عنيدة..لعنة تظلُّ تتنطط أمامهم دائماً ببريقها الساحر..وغنجها الفاتن..

لعنة ربما انفردتْ بكونها الوحيدة التي يظلُّ الهائمون يتتبعونها بنظراتهم الطامحةِ ويطاردونها أنّى ذهبتْ وحيثما حلّتْ طمعاً باللحاقِ بها ومع ذلك هي تسبقهم إليهم! وكلّما ارتقوا درجة في سُلَّمِ الوصولِ وجدوها أمامهم..تُمهدُ الطريقَ لهم لارتقاءِ سُلّمٍ جديد وهكذا دواليك..حتى يظفرونَ بكرسي الأحلام الأول ليجدونها هنالكَ أيضاً..تتربعُ بينَ أحضانهِ بانتظارهم..

الأحزابُ تحلمُ بالسُلطةِ أيضاً..والحكوماتُ والدول..ولا يكادُ يُستثنى من ذلك الطموحِ حتى مَنْ يدَّعي الزُهدَ بها ليلَ نهار.

في خضمِّ هذا المولد المصري الكبير وبرغم كلِّ ما حصل..فإنَّ الضحية الأولى للأحداث كان مرسي نفسهُ ولمرتين لا مرة واحدة..ولا أجدُ شخصياً في هذا الأمر كثيرَ غرابة..مرةً..ضحية توقيتٍ خاطئ في وصولِ الإخوان إلى الحُكم أو وصولِ الحُكم إلى الإخوان..ويمكنُ أنْ نُسميَ ذلكَ بنحسِ التوقيت..لأنَّ مرسي كان فيهِ ضحية أسوأ مرحلةٍ استلمَ فيها الإخوان زمام حكم مصرَ المحروسة بعد ثمانيةِ عقودٍ طويلة من العمل السياسي العسير بوجهيهِ السري والمعلن..ومرةً ثانية كان مرسي ضحية جماهير مُحبطة.. غاضبة ومُستفَزةبكلِّ ما يعنيهِ استلام الإخوان للسلطةِ في بلدٍ مُتعدد المشارب مُنفتحٍ على كلِّ شيء تكادُ تتنوعُ فيهِ الاتجاهاتُ حدَّ اشتباكها..بلدٌ تعوّدَ أنْ يواربَ أبوابهُ لكلِّ الانتماءات الدينية والعقائدية والفكرية والاجتماعيةدونَ أنْ تشعرَ أنَّ ثمة صراعَ بقاءٍ يحكمُ وجودها ويُنظمُ حركتها..في خضمِّ كلِّ ذلك كانت تلك الجماهير مُحمّلة بفوبيا مُسبقة من احتمالِ أنْ يثأرَ الإخوانُ لكلِّ ما تراكمَ في ذاكرتهم السياسية والاجتماعية من شعورٍ مُحتقنٍ بالظلم والإقصاء جرّاء تلك العقودِ الطويلة من الانتظار..

غير بعيدٍ عن ذلك..أجدُ شخصياً وعلى النقيضِ من آراءٍ مُغايرة كثيرة أنَّ بريقَ السُلطةِ والرئاسةِ هذا الذي أعمى بصرَ الكثير من زعمائنا العرب وبصائرهم لم يُغري الرئيسَ المخلوع مرسي كثيراً..لم يكن بريقاً كافياً ليجعل طموحهُ الشخصي يغلبُ طموحَ الجماعةِ التي انتظرتْ فرصتها الأسطورية هذِهِ بصبرٍ حديديّ كلَّ تلك المدةِ الطويلة ..ذلك البريقُ لم يكن مُضللا بشكلٍ يمكنُ أنْ يُصيبَ مرسي بغرورِ السلطةِ إلى الدرجةِ التي جعلتْ البعض يلصقون بهِ صفاتِ الديكتاتور المُستبد شأن كثيرٍ من الطغاة ..على الأقل لم يكن ذلك سببَ المشكلةِ ولا نتيجتها أيضاً..فمشروع مرسي كان مشروع الجماعة بأكملها..وقد كان يمثلُ بنظرهم رجلَ المرحلةِ الأول الذي سيؤرخُ على يديهِ بداية عصرٍ جديد انتظروهُ طويلاً..ومن الخطأ أنْ تفهمَ الأمور بغير سياقها الحقيقي هذا..أما كرسي الرئاسةِ الذي سالَ لهُ لعابُ الجميع حتى أكثر منافسي مرسي فلم يكن يغريهُ أيضاً بهذا المعنى الضيق لذاتهِ..لأنَّ الكرسيَّ بما يرمزُ إليهِ من معاني الحُكم والسلطة والنفوذ لم يكن يُشكّلُ للإخوان إلا قنطرةً صغيرةً على الطريق يعبرونَ فوقها إلى ضفةٍ جديدة لا نهاية لامتدادها.. كانَ كرسيُّ مصرَ على أهميتهِ محضَ وسيلةٍ لغايةٍ كبرى وفق المعنى الأدق الذي يفهمونهُ..ليس كما ينظرُ إليهِ الآخرون على أنهُ كرسي أحلامٍ سحريٍّ سيغدقُ عليهم بالزعامةِ والوجاهةِ والاستفرادِ بالسلطة..لم يكن كرسي الحُكم هذا ليُنسي مرسي حلمَ الإخوان التاريخي بإقامةِ دولتهم المنتظرة وطموحهم الأغلى في بناءِ مشروعهم التاريخي الأشمل..النظرة التقليدية لمجملِ ما حصلَ من هذهِ الزاويةِ الضيقةِ فيها قصور واضح لأنَّ المسألة أعمقُ من ذلك بكثير فطموح الجماعةِ وأحلامها العريضة كانت تبدو بين يَديّ مرسي على المَحك..لذا غلبَ انتمائهُ الكبير لمصلحةِ الجماعةِ وأهدافها على انتمائهِ الشخصي وطغى طموحهُ العام على طموحهِ الفردي كذلك.

كان انصهارُ مرسي حدَّ التماهي مع تنظيمهِ الذي ربّاهُ انصهار كينونةٍ وحلم مصير..وقد بدا ذلك واضحاً للعيانِ منذ البداية حتى باتَ من الصعبِ حقاً أنْ تُميَّزَ مرسي الرئيس عن مرسي الإخوان..فالرجل دخلَ من بابِ الإخوان إلى بابِ الرئاسةِ بذاتِ ردائهِ القديم في الوقتِ الذي كان يتوجبُ عليهِ - حرصاً على طمأنةِ الجميع وإزالةِ مخاوفهم وموازنة بين ثقلِ الواجب وسعةِ الطموح - أنْ يخلعَ ردائهُ القديم هذا أمام الملأ ويستبدلهُ بآخر يوائمُ منصبيهِ معاً ويليقُ بهما..وكانت تلك تشكّلُ بنظر شريحةٍ كبيرةٍ من الشعب معضلة مرسي الكبرى..

ربما نشوة تحقق أغلى أحلام الأخوان التاريخية بالظفرِ بحُكم مصرَ على يَدَيّ مرسي جعلهُ يتوقفُ عند ذلك الإنجاز ويتأملهُ طويلاً..كأني بهِ تمنى على عقاربِ الزمنِ أنْ تقفَ عند ذلك الحدث ولا تغادرهُ أبداً..طمعاً بأنْ يحتفيَ بهِ التاريخ طويلاً ويسجلَ انجازهُ هذا بأحرفٍ من نور..وليس بالضرورةِ أنْ يعكسَ ذلك الشعور نرجسية مَرَضية في الرجلِ بقدرِ ما عكسَ بوضوحٍ هولَ الإنجازِ المتحقق الذي ربما كان أكبرَ من الرجل وجماعتهِ على حدٍّ سواء! هول أنْ يجلسَ هو دونَ سواهُ على كرسيِّ عرش أهم دولةٍ عربيةٍ بكلِّ ما يحملهُ ذلك من ثقلٍ معنويّ كبير بامتدادهِ التاريخي والسياسي والاجتماعي مما جعلهُ يجلسُ بفكرٍ مُشتتٍ..عينٌ تنظرُ إلى جماعتهِ وأخرى إلى الحُكم..هذهِ الزغللة المُربكة بين سطوةِ الإنجازِ وأعباءِ المسؤوليةِ وأهوالها جعلتهُ يذهلُ كثيراً حدَّ الاستخفاف حتى عن كيدِ أشرس وأدهى أعدائهِ المتربصين بهِ..ولعلَّ مرسي نَسيَ في غمرةِ كلِّ ذلك أنَّ السُلطةَ هذهِ امرأةٌ حسناءَ لا يكفُّ عُشاقها من حُلمِ الوصولِ إليها حتى لو اقترنتْ بغيرهم..لعلهُ نَسيَ أنَّ أقذرَ ما في الثوراتِ غريزةُ التناسلِ والانشطارِ التي لا تنتهي..وأنَّ في رحمِ الثوراتِ دائماً بقايا شهوةٍ مُتفجّرةٍ تظلُّ سخونتها في تصاعدٍ مُضطردٍ لا يمكنُ للحُكمِ أنْ يُطفئَ لهيبها..

وبعيداً عن الجدلِ الذي يبدو أنهُ لن ينتهي أبداً حولَ شرعيةِ تمسّكِ مرسي بالحكمِ من عَدَمهِ أو شرعيةِ خلعهِ من قِبلِ المؤسسةِ العسكريةِ من عَدَمِها وبعيداً أيضاً عن شخْصَنةِ الأزمةِ والتوهانِ بدائرتها الضيقة فانَّ إصرارَ مرسي على البقاءِ في الحُكم وتمسكهُ حتى آخر لحظةٍ بما عدَّهُ الإخوانُ وأنصارُهم حقاً دستورياً لا غبارَ عليهِ هو إصرارٌ يجبُ أنْ يُنظر إليهِ بمنظارٍ جديدٍ يتوغلُ داخلَ نسيجِ هذا المُنجز الإخواني ويتتبعُ خيوطهُ المتشابكة كي يُفهمَ وفقَ سياقه الموضوعي العام بكلِّ الملابساتِ التي تمخّضَ عنها ذلك المنجز..خاصة أنَّ ثمة قناعة ولدتْ من رحمِ الأحداث بأنَّ الذي حصلَ مع مرسي كان يُمكنُ أنْ يتكررَ بسيناريو مشابه مع أيٍّ من منافسيهِ على السلطة..رسّخَ هذا المعنى بشكلٍ أوضح ذلك الزلزال العنيف من اليأسِ الذي ضربَآمالَ شريحةٍ واسعةٍ من المصريين حدّاً غلبَ على ظنهم أنَّ الفشلَ الذي انتهوا إليهِ قدَرٌ حتميٌّ كانَ ينتظرُ أياً من زعماءهم الآخرين مهما اختلفتْ مُسمياتهم و تباينتْ خبراتهم وانجازاتهم..أما الاكتفاءبإلقاءِ اللوم على شخصِ مرسي وحدهُ ولذاتهِفلن يُعينَ أبداً مَنْ يروم الوصول إلى الحقيقة وإصابة كبدها..لأنَّ تشبثَ مرسي لم يكن محضَ استبدادٍ بالحُكمِ بشكلٍ فرديٍّ أخرق عِشقاً بهِ بقدر ما كان إصراراً على الإمساكِ بجمرةِ انجازٍ نادرٍ من الصعبِ تكرارهُ وتخوّفاً مُرعباً من حُكم التاريخ عليهِ..التاريخُ الذي سيكتبُ عنهُ بقلمٍ لا يرحم أنهُ أضاعَ على الإخوانِ فرصة العُمر وأنَّ سلطانَ الحُكم الذي أتى إليهم زحفاً في زمنِ مرسي بعد ثمانيةِ عقودٍ طويلةٍ من الأحلامِ والتضحياتِ زالَ وتبخّرَ منهم على يديهِ هو نفسه لا غيره..

تأزمُ الأوضاعِ في الشارعِ المصري برُمّتهِ وانحدارها إلى أسوأ مرحلةٍ مرَّتْ بها مصر في تاريخها في أعقابِ إسقاط حكم مرسي كان لهُ الأثر الأكبر في ضبابيةِ المشهدِ القادم أيضاً..إذ بدتْ الجماهيرُ منقسمة على نفسها تماماً بعد أنْ وحّدتهم ثورتهم الأولى ولم تعدْ تلك الجماهير تعرفُ على وجهِ اليقين هل كانَ مرسي خطأ الإخوانِ وخطيئتهم أم كان الإخوانُ خطأ مرسي وخطيئته؟خطأ فردٍ أم جماعةٍ أم كلاهما معاً؟هولُ المسؤوليةِ أم صعوبة الإنجاز؟هل كان الرجلُ مُبددَ حلمهم الطويل بالجلوسِ على عرشِ مصر وإعادةِ الاعتبارِ لفكرةِ الخلافةِ الإسلاميةِ الراشدةِ من جديد؟ هل كان المسؤول الأوحد عن إضاعتهِ لفرصتهم الذهبية التي ربما لن تتكررَ ثانية أم العكس هو الأصح؟أم أنَّ كلاهما مشتركان في مسؤوليةِ ما حصل حينما لم يُحسنوا تقديرَ المواقف بموضوعيةٍ وحكمةٍ وفق ما يمليهِ الواقع؟أين الخطأ وأين الخطيئة؟ تساؤلاتٌ كبيرة بدأ يرددها اليوم حتى أنصار الإخوان أنفسهم..ربما ستظلُّ الإجابة عليها مبهمة ومختلفاً عليها أيضاً..لكنَّ المفروغَ منهُ تماماً أنَّلعنة السلطةِ وسطوتها هذهِ ستظلُّ أبداً صِنواً أبدياً لكراسي الحُكم..مثل حقيقةٍ تتلبسُ شكلَ كابوسٍ مرعبٍ في بلداننا المحكومة بلعنةٍ أزليةٍ متوارثةٍ وملتصقةٍ بصراعِ البقاء وبلعناتٍ أخرى كثيرة يبدو أنهُ لا فكاكَ من براثنها ولا جدال أيضاً.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق