]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المقامة الملحميّة الجزائريّة

بواسطة: البشير بوكثير  |  بتاريخ: 2013-10-25 ، الوقت: 22:16:52
  • تقييم المقالة:

* المقامة المَلحميّة الجزائريّة

بقلم: بشير بوكثير   إهداء: إلى أرواح شهداء الجزائر عبر العصور  بمناسبة عيد الثورة  أهدي هذه السطور . حدّثنا راوي الأخبار، عن تاريخ جزائرِ  النشامى الأحرار:

 

ياسادة ياكرام: هذا تاريخ بلادي المعطار، أطيب من الثمار، وأشذى من فوْح الأزهار، وأشجى من شدْو البلابل والأطيار، أسوقه لكم على صفحات من نور ونار، لتأخذوا العبرة من ماضينا التليد، وتاريخنا المجيد.

 

دار الزمان ودار، وعادت أرضُ  الأجداد الأطهار،  للأبناء  الأبرار، بعدما عاث فيها الاستدمار، فسادا وخرابا ودمار،بيْدَ أنّه اصطدم بشعبٍ ذكيّ ، ذي قلب شهم أبيّ، فاحتْ أزهارُه، ولاحتْ أنواره، مثل الشهب اللوامع، في ساح الوغى والمعامع، فكُتبت بدمائه أروع ملحمة، لازالت للورى  قاطعةً مُفْحِمة.

 

   هذه الأرض الشذية النديّة، تضمّخت بدماء قوافل من الشهداء الأبطال، وتعطّرت بعرق ملايين الثائرين في ساحات الوغى والنّزال، عبر مسيرة الكفاح والنّضال.

 

 هي نوميديا الحرّة ليس لها ضرّة،   بالثناء دوما حقيقة ،  لأنها مثل الباز مُحلّقة طليقة، ولن تكون رهينة  حبيسة ،  فقد خرج  من ثراها يوغرطة ويوبا وماسينيسا !

 

من بين هذه الصخور والقبور صاح يوغرطة:

 

 الثار ولاالعار، الحميّة ، ولا الدنيّة، سَلُوا هذه الجبال والتلال، والوهاد والنجاد، أين قُبِر الرّومان والوندال، وكلّ الغزاة الأنذال ؟

 

كلهم دخلوا البلاد، وخرجوا منها خِرقا بالية الأجساد، وذاقوا مرارة الخزي والعار، والويل والثبور والشنار.

 

وقعقعتِ السيوف ، ورُصّتِ الصفوف ، لمقارعة كلّ مُحتلّ خنِزٍ  حلّوف ، ، وفُتحتِ الحُتوف .

 

 وارتفعت حناجر الثائرين:

 

 اطردوا الغزاة المحتلين، والجبابرة المتكبرين، والطغاة المستبدّين.

 

امرأة تبكي ابنها المضرّج بالدّماء:

 

نَم ياولدي قرير العين هادىء البال، فهذه البلدة الطيبة المقاوِمة  لن تكون لقمة سائغة  للدخيل العليل، وأنّ حرائرها لازلن يلدن الفارس المغوار، والبطل الهمام الذي لايشق له غبار، واسألوا شرشال وتيمقاد وسيرتا عن سيرة الأمازيغ الأحرار؟!

 

وتلوح بشائر  النبوة  والسّلام ، تحمل للأمازيغ الأحرار تباشير الخير والازدهار، فقد أطلّت الأنوار، وتفتّحت الأزهار، وغرّدت الأطيار، وغار الظلام، وانتشر نور الإسلام، يدك قلاع اللئام .

 

هذا عقبة الفهري يدكّ القلاع، ويقتلع شوكة الكفر ويطرد الرّعاع، وذاك مهاجر بن دينار، لايغره الدرهم والدينار، بل يحوّل الهزيمة إلى انتصار.  وهذا حسّان بن النعمان، ينشر الأمان في كلّ البقاع والأوطان، فينصاع له  القلب والجنان .

 

 ويدخل الإسلامُ هذه الربوع، ويقيم بها إلى غير رجوع، فيُحييها بعد موات، ويجمع شملها بعد شتات، ويلحق ركبها قبل فوات. 

 

 روحي فداك ، لقد سمعتُ نداك ،  بعدما جاء الأتراك، ولبى الأخوان الشقيقان عروج الشهم المحروس ، وخير الدين بربروس، نداء السيف والطُروس. فدار حوار الشجعان ، ونخوة والفرسان:

 

عروج: انظر يا أخي الحبيب إنّ بلدان شمال إفريقيا تمور بالفتن، وتعصف بها المحن، وهؤلاء الإسبان، ليس لهم عهد ولا أمان، فهم يتحينون الفرص،لالتهام الجزائر وتونس ، بل كل شمال إفريقيا فماذا ترى ، يازند الورى ؟

 

خير الدين:ألم تأتنا رسالة  إخواننا في العقيدة ، يطلبون العون والنجدة برغبة  شديدة،  لردّ العدوان، وكسر شوكة الكفر والطغيان ؟ فلْنلبّ النداء ونرفع راية الجهاد ،لردع الأوغاد.

 

وهكذا يتدخل القائدان التركيان الهمامان، عروج وخير الدين لإنقاذ الجزائر من العدوان الإسباني والأطماع الخارجية، وتدخل الجزائر تحت الحكم العثماني سنة 1518م، وتبقى طيلة أكثر من ثلاثة قرون سيدة  المعامع ، بلا منازع، بأسطولها الجبار، الذي قهر الأعداء ورد الهيبة والاعتبار للبعيد وللجار، ولكن دوام الحال من المحال، فهاهو الأسطول الجزائري العتيد، والصرح المجيد، يتحطم في موقعة نافارين سنة 1827م، وتفقد الجزائر قوّتها الضاربة، وشوكتها المحارِبة، وتظهر الأطماع الفرنسية في هذه البلاد، بعدما رأت الأسد الهصور، والبطل الجسور، قد اعتراه الضعف والفتور.

 

وتأتي حادثة المروحة، التي كانت ذريعةً فاضحةً مُفصِحة،  كشفت الأفعى ، وأسالتِ  الدّمعة ، ودخلت الجزائر حقبة سوداء، وذاقت صنوفا من المحن والبلاء، لكن سُمع النّداء ، يزلزل الفضاء، ويناطح الجوزاء:

 

 هي شجرة الدّردار ، تروي ذكرى فتى مغوار ، لا يشق ّ له في البيان والسّنان غبار ، اسمه عبد القادر بن محي الدين ، فارس السيف واليراع النحرير ، والسياسي المحنّك الخبير ، الذي أجمع المتمرّس كما الغرير ، على أنّه منارة من منارات التنوير ، في زمن الإبادة والتدمير ، لمن رفعوا زورا شعار الحضارة والتنوير.. 

 

هو الصوفيّ في صومعة الواصلين العارفين. ألم يكن بجوار ابن العربيّ دفين ؟  وهو الفارس في الفلاة والضرغام في العرين. هو الشاعر الفنّان ، على مرافىء القوافي والأوزان ، كما كان الحسام المهنّد اليمان ،في الوغى أقضّ مضجع بيجو و ديبرمان ، وهذه التّافنة ناطقة بأفصح لسان ، على مدار سبع عشرة سنة لم يغمض للدخيل مقل ولا أجفان . هوصاحب المقراض الحاد ، والسنون الشّداد ، و السّمّ الزّعاف و النار على الأوغاد . هو باني الدولة الجزائرية الحديثة ، بالتخطيط والجهود الحثيثة .  يا سادة يا كرام : لم يفتّ في عضده تخلّي الإخوان ، وتآمر الخلاّن ، وكيد العدوان ، ولم يستسلم استسلام الرعديد الجبان ، كما يزعم كلّ حاقد ذو شنآن .  ضاق مرارة النفي والسجون ، ورأى بأمّ عينيه المنون ، فما لان ولا استكان. حنّت إليه ربى الشام ، وأرخت له الزّمام ، فسكن دمشق الفيحاء ، وتنسّم نسيم حلب الشّهباء ، وتضوّع أريج الغوطة الغنّاء . أطفأ سعير فتنة عارمة ، بحكمة فريدة حاسمة .. لقد أبلى الشعب البلاء الحسن ،  بعدما عركته المحن، واشتعل أوار المقاومات ،واشتدت معها الضربات، وادلهمت الخطوب والنكبات،  واستفحلت الخيانات ، فعجز الشعب الأعزل عن دحر الغزاة، وردع الطغاة.

 

 لكن ماكانت تخمد ثورة إلا وتشتعل أخرى ، أشدّ وأضرى، فهذا الشيخ بوزيان بطل الزعاطشة يقودهم من نصر إلى ثان، وذاك المقراني ذو السيف اليماني، يكبد الاحتلال،خسائر في الأرواح و العتاد والأموال ، وهذا بوعمامة ، رمز النخوة والفروسية والشهامة، حاز  القيادة والزعامة، بعدما صال وجال، وكسر شوكة الأنذال، فكان غصّة في حلق الاحتلال.

 

 غير أنّ الحمية، تكسر ناب الليث وتُرديه المنية.

 

ويطل القرن العشرون، والأوضاع في الجزائر ذات شجون وسجون: الجهل يضرب بجرّانه لايريم، والفقر المدقع ينهش بسنانه لايتزحزح بل يُقيم، وتجد فرنسا في هذا الوضع المتعوس المنحوس، المساعد والمساند والمعاضد، فتعمل على المسخ والفسخ والسلخ، والفرنسة والتجهيل، لمحو شخصية هذا الشعب الأصيل، وطمس كل شيء جميل ، لكن هيهات، فلا بدّ بعد الاحتضار من حياة لجمع الشتات.

 

 وتحوّل الشعب من المقاومة الشعبية إلى المقاومة السياسية، بظهور أحزاب الحركة الوطنية، التي تعدّدت مذاهبها ومشاربها،  فذاك نجم الشمال، وهذا حزب الشعب  ينادي جهارا بالاستقلال ، وتلك حركة الانتصار، تجمع المريدين والأنصار، وترفع صوت الأحرار.

 

 لكن تلوح بعد طول انتظار ، ساعة  الفرج والانتصار، وتبزغ في سماء الجزائر الأنوار، معلنة  ميلاد  جمعية العلماء الأطهار، المصاقعة الأخيار .

 

لقد قيّض الله تعالى للجزائر خير جمعية أُخرِجت للنّاس، كانت الأساسَ والنّبراس ، بل الرّوح والأنفاس ، والسّوسن والآس، هي "جمعية العلماء" رافعة الهمّة والرّاس ، وبالغةُ القمّة ياناس ! قادت الأمّة نحو الصلاح والفلاح، وهيّأت أرضيةَ الثورة والكفاح.

 

قادها رُوّادُ أعمال، لامَاضِغِي أقوال، هم رجالٌ ليسوا كباقي الرّجال، وأبطالٌ ليسوا كباقي الأبطال ،نَسُوا في خدمتها الكرى والشّهوات، فَجابوا المداشر والفلوات، ونادموا الذّخائر والدّفاتر، وسامروا -كما قيل قديما- القماطر والمحابر ، ونظموا القلائد الثّمان، بالزّبرجد والعِقيان ،في جِيدِ الزّمان، وتركوا أياتهم الحِسان ، شاهدةً على مآثرهم عبر الأزمان . لقد أجالوا في هموم الأمّة أبصارهم، وبـثُّـــوا فيها أفكارهم، ووصلوا ليلهم بنهارهم ، وأنفقوا في الذّود عن حياض العلم أعمارهم ، فتفتّحتْ في رُبى الجزائر المكلومة أزهارهم، وتعطرت بعبقهم وتكحّلت بأنوارهم، فكانوا الهداة الأباة، في عصرالبدع والخرافات .

والتقى الطودان الشامخان، والعَلمان الراسخان، في المدينة المنوّرة، والروضة الشريفة المُعطّرة :

 

ابن باديس: يابشير إذا أديت المناسك فعجّل الأوبة إلى ناسك، فنحن كما ترى مُذْ نزلنا بالمدينة ، وتركنا الجزائر رهينة، لن يستقرّ لنا ولها حال، ولن يهدأ لنا بال، فلابدّ من وضع عصا الترحال،  فالوطن الحبيب ينادي البعيد فكيف بالقريب ؟ لأنّ الجهاد فيه مضاعف ومهيب، فالعلل والأدواء قد استشرت، والباطل أنيابه برزت وتفشّت، وحقوق الجزائريين هُضمت وقُضمت ، من لدن  مستعمر ظالم ،ومستدمر غاشم، والحل الوحيد هو الإصلاح والتعليم ، على المنهج القويم، والهدي  المستقيم، ليعرف الشعب العظيم، حقه المهضوم، وعدوه الغشوم، فتسهل الثورة عليه بعدما عجزت الأحزاب، عن ردّ الحق المسلوب، واسترجاع الإرث المنهوب، وتحقيق المبتغى والمرغوب، وتعديل قانون الغالب والمغلوب.

 

الإبراهيمي: نِعم الرأي يابن باديس! فهذا لعمري طريق الأباة الأشاوس، لمحاربة البدع والوساوس، وتجنيد طليعة الفوارس، لاسترجاع المجد التليد، والإرث المجيد،فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، فلابدّ من تأسيس جمعية العلماء، لرفع هذا البلاء، وكشف الغطاء، عن ممارسات التنصير والتبشير، والتجهيل والتفقير، والتهميش والتحقير، فمصيبة البلاد في أمرين: علماء جُهّال، واستدمار استيطانيّ ختّال.

 

ابن باديس: فلنتحرك لتحقيق المراد، قبل ضياع البلاد والعباد.

 

ودوت  صيحة الأطهار، وصدحت بروائع الأشعار، تحكي قصة شعب يأبى الذوبان والاندثار:

 

شعب الجزائر مسلم * وإلى العروبة ينتسب

 

من قال حاد عن أصله * أو قال مات فقد كذب

 

وتأتي مجازر الثامن ماي الرهيبة، التي تركت القلوب كئيبة، فسالت الدماء كاالأنهار، بعدما أطلق المستدمر النار، على الكبار والصغار، وخان عهد الشرفاء الأحرار، وصدحت حناجر المشيعين الباكين :" ثمانية ماي خمسة وربعين تكلم الرصاص وابْكات العين".

 

بعدها أدرك الشعب أن الوسائل السلمية لن تنفع مع الاحتلال، ولن تجدي نفعا مع هؤلاء  الأنذال، هي لغة الحديد والنار، التي ستعزف ملحمة الانتصار. 

 

وسُمعت صرخة الثوار : إنّ الوقت قد حان لإعلان ثورة تزلزل الكيان، وترفع الغبن عن شعب لن يذل ولن يُهان.

 

 أيها الناس، لقد ظهر الليلة نجم الخلاص، في جبال الأوراس، يبثّ جذوة الجهاد ويحبس الأنفاس، ويحرّك الحميّة والحماس ، فيُنير طريق الناس، بعدما رامَ الأنجاس، إطفاء القنديل والنبراس.   ولبّى الشعب  ما سَمِعا ، فماكان يوما خوّارا  ولامتضعضعا، بل كان في نحور العدى رشاشا ومدفعا، وللخامدين الجامدين دوما مُقرّعا، شعب هجر الفراش والمضجعا، وافترش الدروع وامتطى صهوات المعْمَعة، نادى الأوراس فلبّته جرجرة والشلعلعا، وأصغت الآذان وبكت العيون رصاصا ودما  وأدمُعا، حرّكت المهج والأضلعا. شعب هيهات أن يذلّ أو يخضعا .

 

وبعد سنوات الكفاح والنضال ، تحقق الاستقلال، بدماء الشهداء الأبرار، والمجاهدين الأطهار، واندفعت الأجيال، في مسيرة البناء والتشييد، للحفاظ على رسالة الشهيد، غير أنّ المؤامرات الخارجية، والخلافات الداخلية والأيادي الخفيّة، خلطت الأوراق، وشتت شمل الإخوة الرفاق، فسال الدم الجزائري المهراق، واشتعلت فتنة هوجاء، و حرب  تخريبية شعواء، ومأساة وطنية سوداء، تركت الجزائر أشلاء، لولا همّة الرجال، وصولة الليوث الأبطال، تقول للأجيال:  جزائركم حتما  ستسود، رغم أنف الحسود وكيد الحقود.

 

وارتفعت في سماء الجزائر سمفونية الخلود:

 

  هي الجزائر البيضاء....

النخلة السامقة في العلياء...

والسنديانة الشاهقة في السماء...

والنجمة المتلأ لئة في أفق الجوزاء...

والقصيدة الماتعة العصماء...

والرّوضة المزدانة شموخا وإباء...

لاتسلني يا صاحبي كيف ينبض عشق الشعراء...

وكيف تركض الكلمات تترى لوصالٍ ولقاء...؟

ألم يُسطّرْ ابن الرومي أبياتا سائرة غرّاء:

"ولي وطن آليتُ ألاّ أبيعه وألاّ أرى غيري له الدهر مالكا".


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق