]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

البحث عن الجنة

بواسطة: عبده مغربي  |  بتاريخ: 2013-10-25 ، الوقت: 16:43:56
  • تقييم المقالة:

 

البحث عن الجنة

 

في  كوخ صغير علي الطريق بين قريتي " أبنود " و " الكلاحين " في أقصي صعيد مصر ،  يجلس  الفتي النحيف علي ماكينة الخياطة القديمة ، التي تعمل بحركة " القدم " ، ويحيك عليها بعض جلاليب فقراء القرية ، الذين يقصدونه فقط لأنه الأرخص ، شخص من بين كل خمسة تقريباً يلقي عليه التحية ، أما الباقون فلا ، والغالبية من المسلمين والأقباط يرفضون تحيته ، بل ويحرمونها  ، فقد تنقل بين المسيحية والإسلام بحثاً عن جنة الآخرة ، ولما ضل الطريق ، إنتهي به المقام في" كوخ " علي منتصف الطريق بين القريتين ، " ابنود " التي عاش فيها مسيحيته ، و" الكلاحين " التي قصدها ليعيش فيها إسلامه ، وما بين المسيحية والإسلام تدور قصة " طه المسيحي " أو " "برسوم المسلم " حسبما التسمية التي عُرف بها عند الطائفيتين .

متزوج من مريم ، وله منها أرمنيوس ، وبطرس ، قضي في أبنود أجمل سنوات عمره ، قبل أن يُعكر عليه أئمة المسلمين  صفو حياته ، حيث يصله صوتهم ، وهم يخطبون في المساجد ، عن جنة الآخرة التي لن تكون إلا للمسلمين ، ونار "جهنم " التي ستحرق كل ما سواهم ، فقط لأنهم لم يدخلوا الإسلام .

 هناك مثل شعبي في مصر يقول " الزَن علي الودان أمَر من السحر " لقد سحره الشيوخ بحلو الكلام ،  وطلاوة المعني ، فوجد الإسلام  أعلاه مثمر ، وأسفله مغدق ، وهو النجاة في الدنيا والآخرة ، فأعلن إسلامه ، هجر " أبنود " التي فيها مسيحيوه  ، فاراً بدينه الجديد  لـ" الكلاحين " المسلمة ، تاركاً لزوجته وأولاده المسيحيين " العار " الذي لحقهم من تغيير دينه . في الكلاحين استقبلوه بالرقص والطبل البلدي والمزمار  ، رغم أنه محرم عند بعض المسلمين ، لكنها الفرحة التي لا تخلو في بعضها من الكيد الطائفي .

مرت سنه ، وأراد " طه " أن يتزوج ، لكن" التعصب القبائلي " وقف حائلاً دون رغبته ، إلا من فقيرة لا تملك عائلتها شيئاً من الحسب أو النسب ، قبلت به بعد رفض البعض تزويجه ، لإعتبارت عرقية  ، فإسلامه لم يلغ عند معظمهم  اصوله المسيحية . كما  وقف  الفقر حائلاً أمام  إستمرارهم في تقديم العطايا له ، كما عودوه في البداية ، ومن " عائشة " زوجته المسلمة أنجب " أسماء " ،  التي فرح بها كثيراً لكنها زادت أعباء المعيشة ، والتي من شدتها  عليه ، شيئاً  فشيئاً  تغيرت قناعاته في المسلمين ، فلم ير من معظمهم  ذلك الود والتكافل  الذي كان يتحدث به أئمة المساجد ،  وجد فارقاّ شديداً بين الخطابة علي المنابر ، والتطبيق علي الأرض ، ترك المسلمين ولم يترك الإسلام  ، أخذه الشوق إلي أبنود حيث مريم زوجته الأولي ، وأولاده " أرمنيوس"  و "بطرس " ، لكنهم لم يقبلوه ، أحس بالوحدة فأراد أن يعود إلي "عائشة " ،  زوجته المسلمة ، و " أسماء" ابنته  ، فلم يقبلوه ، أصبح منبوذاً عند الأسرتين ، وعند القريتين ،  ومطروداً من الطائفتين ، الأولي لأنه تركها إلي الإسلام ، والثانية لأنه ارتد منها إلي المسيحية عندما أراد العودة إلي حياته الأولي ، واُجبر علي ترك القريتين ، فبني لنفسه " كوخاً في منتصف الطريق ، اتخذه بيتاً ، وأيضاً محلاً للحياكة ، يقصده فيه بعض من ، فقراء الطائفتين ، وفقراء القريتين ، الذين  شغلهم جحيم الدنيا عن جنة الآخرة ، يا محير العقول فيك يارب ، تلك هي الجملة التي أنهي بها  صاحب الكوخ جلستنا ، بعد أن هممت بمغادرة كوخه  الذي توقفت عنده ، لأستريح من عناء الطريق إلي قرية " أبنود " ،  حيث أقوم فيهما بمهمة صحفية ، عن التعايش السلمي بين المسلمين والأقباط ، في القرية التي لم تشهد في تاريخها أي عنف بدني بسبب الدين ، هذا إذا اعتبرنا أن الطرد لا يُعد شكلاَ من أشكال العنفاً البدني ، وإن كان البعض يعتبره نوعاَ من أنواع العنف النفسي .

 

عبده مغربي

honamasr@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق