]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سطور حول التصوف

بواسطة: رشيد العالم  |  بتاريخ: 2013-10-24 ، الوقت: 17:29:58
  • تقييم المقالة:

سطور حول التصوف

 

 

بقلم رشيد العالم

قد نختلف كثيرا في تأويل معاني التصوف، وتشخيص ماهياتها ودلالاتها نضرا للحضور الدائم الذي شهده التصوف في مختلف مسارح الحياة، السياسية، الاجتماعية، الدينية، الثقافية، والحربية أيضاً، و دوره في وضع اللبنات الأساسية في بناء الدولة المغربية وتثبيت هويتها الدينية، وتوجيه سياساتها وثقافتها، فنجد من يفسره بأنه: خلوة وعزلة يتفرغ فيها الانسان إلى العبادة والتأمل والرياضة الروحية بغية تزكية النفس وتصفية القلب وتنوير العقل والروح، وقد يعرفه أخرون بما قاله أحد كبار المتصوفة:     " أن تكون مع الحق بقدر ما أوجب" أو ما قاله الحلاج " عليك بالنفس إن لم تشغلها عن الحق شغلتك عن الحق" وقد يختصر تعريفه الفلاسفة في ما قاله سقراط " اعرف نفسك بنفسك"، وقد يعرفه إخواننا المسيحيون بما قاله القديس أوغسطين حين وصف التصوف بأنه سياحة تفضي في نهاية المطاف إلى تجربة داخلية" أو ما جاء في إنجيل في رسالة كورنثوس الثانية  6 و7 ص 482 إنجيل العهد الجديد التي بعثها يسوع إلى خدام وكهان كنيسة كورنثوس قائلا " فلنطهر أنفسنا من كل ما يدنس الجسد والروح ساعين إلى القداسة الكاملة في مخافة الله "

وقد نجد للشعراء تفسيرا أخر للتصوف قد يكون ما قاله شيخ الشعراء الصوفيين و سلطان العاشقينشرف الدين أبو الفارض:

وطاح وجودي في شهودي وبنت عن

وجود شـــهودي ماحيا غير مثـــــبت

وعانقت ما شاهدت في محو شاهدي

بمشهده للصحو من بعد ســـــــكرتي

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها

وذاتي بذاتــــي إن تحلت تجــــلت

أو ما قاله شهيد الحب الالهي، الحسين بن منصور الحلاج

عليك يا نفـــس بالتــــملي....فالـــعز بالزهـــد والتخلي

عليك يا نفس بالطلعة التي....مـشكاتها الكشف والتجلي

قد قام بعضي ببعض بعضي....وهــــام كــــلي بكل كـــلي

 

لعل من مظاهر تسيس التصوف الدعم المادي الدائم والمتواصل والهبات الملكية والمبالغ المالية الكبيرة التي تخرج من خزينة الدولة والتي تقدم لزوايا المغرب وفروعها في دول افريقيا، بالإضافة إلى الميزانية التي تنفق في تنظيم الملتقيات العالمية في التصوف " ملتقى سيدي شيكر العالمي، مهرجان فاس العالمي لموسيقى التصوف،...وغيرها ولعل هذه المظاهر وأخرى تأكد تحول التصوف من منهج إصلاحي تربوي إلى اداة سياسية في يد أجهزة الدولة، فقد أصبحت السياسة مصدر دعمه الوحيد الذي يستمد منه قدرته على الديمومة والبقاء، بحيث أصبح من اللاممكن تصور سياسة بمنأى عن التصوف، ولا تصوفا بمنأى عن السياسة وعن إمارة المؤمنين وعن الطقوس المخزنية التي تزكيها وتقدسها.

فاستغلال الدولة للتصوف و لحركاته بكل نزعاتها لم يكن بمحض الصدفة لا ولم يكن عشقا لروحانياتها المزعومة، إنما لتجذره في تاريخ المغرب، وللعلاقة التمفصلية العميقة التي تربط الشعب بحركات التصوف إلى جانب دورها التأثيري الفعال في شحن وتعبئة الشعب، نظرا لارتباطه الوثيق بجانبهم الديني والروحي، ونذكر أن حركات التصوف في القرن الخامس عشر لعبت دورا مهما في مجابهة وطرد المستعمر والمحتل عبر تجنيد الأمة، وشحن وتعبئة المقاتلين.

وبداية التصوف السياسي لم يقتصر على عصرنا الراهن فقط إنما برز إبان الدولة السعدية، بعد وفاة أحمد منصور، بحيث شهدت الزوايا الصوفية نوعا من التهافت نحو السياسي، فنافست السعديين على السلطة، ولايزال التصوف في نضر أجهزة الدولة عملة استثمارية ناجحة في تحقيق بعض المآرب السياسية النسبية والضيقة، التي تتجلى في خدمة " الدولة ، رموز الحكم، طقوس الطاعة والولاء، السلطة، القصر ...."

لا بغية خدمة الدين، وإصلاح المجتمع، وترسيخ القيم والمبادئ السامية، وتكريم الانسانية، وحفاظا على تثبيت عرش النظام القائم وسياسته، لا حفاظا على تاريخ الأمة الديني وهويتها، وموروثها الثقافي واللغوي، وقيمها المستخلصة من تعاليم الاسلام السمحة،

إن الاستغلال السياسي للدين من طرف الدولة لا يعني إلا ضعف هذه الأخيرة في تبني سياسات فعالة، واستراتيجية إصلاحية شاملة على جميع الأصعدة بعيدا ً عن استثمار الدين، الذي كان من أسباب انحطاط العرب، تسيس الدين واستغلاله بغير علم لصالح السياسية، فهل يا ترى سيأتي يوم   تستغني فيه الدولة عن الزوايا والأضرحة و عن استغلال التصوف خدمة لأجندتها ؟؟ لا أظن ذلك.  

Rachid-mastre@hotmail.fr

rachidelaalem@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق