]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اقرأ كتاب حزب التحرير المرسل الى سفير ايران في لبنان

بواسطة: احمد اللبو  |  بتاريخ: 2011-10-31 ، الوقت: 08:31:11
  • تقييم المقالة:

 

جانب سعادة سفير “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” في لبنان،
ومن خلاله إلىالسادة كبار الحكام في الجمهورية،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


بناء على طلب سعادتكم اللقاء بنا، نحن مسؤولي “حزب التحرير-ولاية لبنان،قرّرنا أن نقدّم لكم خلال لقائنا الكتاب النصيحة التالي، والذي نوضح فيه موقفنا منجمهوريتكم ونظامها وسياساتها الداخلية والخارجية بإيجاز، علمًا أنّ “حزب التحريركان قد أرسل وفدًا إلى إيران سنة 1979م للتهنئة بإسقاط نظام الشاه، ولتقديم مذكّرةتتضمّن نصائحنا، ثمّ عاد وفد آخر في السنة نفسها يحمل مشروع دستور، وقدّمه إلىاللجان التي كانت تعمل على وضع دستور للدولة الجديدة.

معلوم لدينا أنّ نظامكم الإيراني الحالي قام على أثر نجاح الثورة في إسقاط نظامالشاه الطاغوتي سنة 1979م، وهو النظام الذي اقتفى أثر هادم دولة الخلافة الخائنمصطفى كمال، في تغريب المجتمع المسلم في إيران وإلحاقه بعجلة الحضارة الغربيةالكافرة التي تقوم على أسس تناقض الإسلام جملة وتفصيلاً. وقد أحيت الثورة الإيرانيةيومذاك الآمال لدى الأمّة الإسلامية بأنّها، إذا حزمت أمرها، قادرة على استعادةسلطانها المغصوب من الحكّام الطغاة الذين تسلّطوا عليها بمعاونة من الغرب المستعمرالكافر، والإمساك بالتالي بزمام أمورها.
ولسنا هنا بصدد الخوض في مراجعة تفصيليةللمحطات والأحداث والتحدّيات التي واجهتها الثورة في إيران، بما في ذلك هجوم “صدّامحسين” على إيران، ولكنّنا نريد التوقّف عند طبيعة النظام الذي قامت الثورة بتشييدهفي إيران، ونتوقف بخاصّة عند المسألة الأساسية والجوهرية: هل قام النظام ليطبّقالفكرة الإسلامية القائمة على العقيدة الإسلامية والمتجسّدة في أحكام الشريعة دونسواها؟

الإجابة على هذا السؤال تقتضي بعض التفصيل في سياسات الجمهورية في مجالين: فيالسياسة الداخلية، داخل إيران على مستوى أنظمة الحكم والاقتصاد والاجتماع وسياسةالتعليم، وفي السياسة الخارجية. إذ لا يخفى أنّ إعادة صياغة المجتمع على أساسالإسلام تقتضي هدم كلّ ما بناه نظام الشاه والذي -كأقرانه في سائر البلاد الإسلامية- بُني على عين الاستعمار الغربي. ومعلوم لدى الجميع أنّ هذه السياسات تقوم علىالأسس التي حدّد معالمها الدستور الإيراني ورسم إطارها العامّ والوجهة التي تسيربحسبها. والواجب الشرعي يقضي بأن تكون العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي يقوم عليهالنظام وسياسة الدولة، وأن تكون الشريعة هي المتحكّمة بكافّة جوانب السلطة والمجتمعفي الدولة الاسلامية، مهما كانت الصعوبات والعقبات التي تواجهها، سواء من كيدالأعداء الخارجيين أو من جهل المجتمع في الداخل الذي تأثّر بشكل أو بآخر بسمومالثقافة الغربية عبر عقود من السياسات المتغرّبة.

1-  مراجعة لواقع النظام الإيراني وسياسته الداخلية:

من خلال مراجعة نشوء نظام الجمهورية بعد الثورة، فإنّنا نلمس وجود تناقضات عدّةفي هيكل النظام، ليس أقلّها غموض فكرة “ولاية الفقيه” وعدم بلورتها سياسيًّا لتشكّلأساسًا لحكم إسلامي. وما تنحية “آية الله منتظري” عن منصب نائب الوليّ الفقيه الذيكان معيَّنًا فيه على عهد الإمام الخميني إلا شاهد صارخ على هذه المعضلة التي مازالت تلقي بظلالها على طبيعة نظام الجمهورية إلى لحظتنا هذه. وهناك الكثير منالشواهد التي تصبّ في هذا الاتجاه، منها التخبّط الواضح في تحديد معالم النظامالجمهوري” منذ أيّامه الأولى في تجربة “مهدي بازركان” و”بني صدر”، وتعدّد الرؤوسما بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان ومجلس الخبراء ومجلس تشخيصمصلحة النظام، في ظلّ الصلاحية المطلقة لولي الفقيه “الإمام الخميني” يومذاك، قبلأن يتم إجراء بعض التعديلات لاحقًا. هذا عدا عن استمرار الجدل الدائر داخل إيرانوخارجها حول فكرة “ولاية الفقيه” التي شكّلت أساس نظام الحكم في إيران، بعد تطعيمهابعناصر من الفكرة الغربية القائمة على الحكم الجمهوري، ما أنتج نظامًا هجينًا ضاعتمعالمه جرّاء هذا التداخل. فمن المعروف أنّ هناك فريقًا كبيرًا ومهمًّا من المراجعالشيعية في إيران والعراق ولبنان رفضوا “ولاية الفقيه” كما أسّسها الإمام الراحلالخميني، إذ يذهب هؤلاء المراجع إلى عدم ممارسة  العلماء (رجال الدين كما يرون) الشأن السياسي وحصر دورهم في الإرشاد “الديني”.

ثمّ إنّه من خلال مراجعة السياسات التعليمية والثقافية والإعلامية للنظامالإيراني يخرج المراقب بخلاصة واضحة: وهي أنّ هذه السياسات إنّما قامت على نزعةقومية فارسية واضحة، وأنّهالم تُراعَ الناحية الإسلامية إلا من خلال مسحة تجميليةلإضفاء الشرعية الإسلامية على الدولة والمجتمع في إيران. فلم يتمّ بناء الدولةوالمجتمع على أساس الفكرة الإسلاميةالصافية، بدليل أنّ النظام استمر في التصرّفبناء على النظرة القومية الفارسية لا الإسلامية، حيث يشترط أن يكون الرئيس إيرانياًومن أبوين إيرانيين، ويجعل الدولة لإيران فقط وليس للأمة الإسلامية. ولم يجعل اللغةالعربية - وهي لغة الإسلام- لغة رسمية في الجمهورية، وما زال الجدل يدور حتّى الآنفي إيران حول الهوية الإيرانية والهوية الإسلامية وتداخل البعد القومي الإيراني فيكلّ هذا، وما الاستمرار في الاحتفال بما يسمّى بعيد النوروز إلا مثالاً علىالاحتفاظ بالنـزعة القومية. ولا يخفى ما أثارته هذه النـزعة من إثارة للعصبيات بينالفرس من جهة وسائر سكان إيران من العرب والبلوش والأكراد وغيرهم من الجهة الأخرى. وهذه النـزعة نفسها كان لها انعكاساتها على السياسة الخارجية للجمهورية. وهذايقودنا إلى الكلام في هذه السياسة.

2-  نظرة في السياسة الخارجية:

لقد كان بوسع النظام الإيراني، لو أنّه أقام سياساته على الفكرة الإسلاميةالجامعة، أن يجمع الأمّة الإسلامية حول الفكرة الإسلامية، أو أن يساهم في ذلك علىالأقلّ. فلا يخفى أنّ الأمّة مجمعة على عبادة ربّ واحد واتّباع نبيّ واحد والإيمانبقرآن واحد والتوجّه إلى قبلة واحدة، ولا يضير بعد ذلك تعدّد الاجتهادات الفقهيةبين المجتهدين، ولا سيّما حين تعمل الدولة على إزالة هذه الفوارق، أو في الحدّالأدنى على إبقائها ضمن إطارها العلمي الفكري دون أن تقود إلى التعصّب المذهبي وشقّالصفّ. فالواجب الشرعي يحتّم النظر إلى المسلمين بصفتهم أمّة واحدة، لا شعوبًاوأممًا ودولاً يفصل بينها ما يسمّى بحدود وطنية تمزّق الأمّة وتشكّل سياجًا لحمايةالنظم التي أوجدها الكافر المستعمر لتخدم مصالحه الاستعمارية، فلا يجوز لنا ولايصحّ أن نعترف بالواقع الذي فرضه الاستعمار، فضلاً عن أن نسعى لتكريسه وتشريعهوتطبيع الأوضاع التي أوجدها.

ولكنّ الناظر في واقع السياسات الإيرانية المتّبعة عبر العقود الثلاثة الماضيةيجد أنّ شيئًا من هذا لم يحدث. والذي حدث لم يتعدّ رفع الشعارات البرّاقة في الظاهروالخاوية من أيّ محتوى عملي. وهذا بحدّ ذاته يكشف غياب النظرة الجامعة للأمّةالإسلامية من حيث هي أمّة متميّزة عن غيرها من الأمم تربطها أواصر العقيدةالإسلامية ومفاهيم الإسلام وشريعته.
ولقد جاءت السياسة الخارجية لنظام الجمهوريةالإيرانية لتؤكّد النـزعة القومية في التفكير والتصرّف العملي. فهذه السياسة لمتستهدف يومًا توحيد الأمّة الإسلامية في إطار الإسلام الذي يقتضي بناء الدولةالإسلامية الجامعة، فعلاً لا تنظيراً أو أقوالاً.
فالجمهورية الإيرانية حين دخلتفي منظومة “هيئة الأمم المتّحدة” اعترفت بسيادة الكيانات التي أوجدها الاستعمار بينالمسلمين. وفي علاقاتها مع هذه الكيانات لم تلتفت أيّما التفات إلى مقتضيات الشرعالإسلامي، ولم تكن السيادة في هذه العلاقات للمبدأ الإسلامي، بل بنت هذه العلاقاتعلى أسس فاسدة تكرّس ما أوجده الاستعمار من أوضاع كارثية في العالم الإسلامي، فراحتتتحالف مع نظام الطغيان البعثي العلماني في سوريا، ليس فقط في سياق مواجهتها لحربصدام حسين”، بل وصولاً إلى هذه اللحظة التي يرتكب فيها النظام البعثي في سوريابحقّ شعبه من الجرائم ما ارتكبه الشاه بحقّ أهل إيران في عهده البائد.

ولطالما كانت المناورات السياسية والعسكرية الإيرانية لفرض الهيمنة والنفوذ فيالخليج الإسلامي، والجدل حول فارسية هذا الخليج أو عروبته في وقت بسطت أميركاهيمنتها عليه، لطالما كان دليلاً على الخلفية القومية العنصرية للسياسة الخارجيةالإيرانية.
وفي أفغانستان نجد  أنّ النظام الإيراني رحّب بالاحتلال الأميركيلأفغانستان ونسّق معه. ولا يشفع له تذرّعه بأنّ حركة طالبان اعتدت على مبعوثيه فيمزار شريف، وبأنّها روّجت لثقافة الكره ضد الطائفة الشيعية. فعمل حركة طالبان وخطأممارساتها لا يبرّران بحال الاستعانة بالكافر الأميركي - ومعه حلف الناتو بقضّهوقضيضه - ضدّ مسلمي أفغانستان ولاحتلال أرض إسلامية، بل الواجب الشرعي يقضي بنصرةأبناء الأمّة ضدّ الكافر المحتلّ والعمل على منع احتلاله أيّ أرض إسلامية.

وكذلك في العراق نجد أنّ إيران عمدت إلى تطبيع الأوضاع في ظلّ الاحتلال الأميركيمن خلال الجماعات التي تدين لها بالولاء في هذا البلد، حيث أوعزت إليها التنسيق معهوالعمل تحت وصايته، بل وصل الأمر إلى درجة مشاركة إيران رسمياً في اجتماعات التنسيقالأمني المباشر التي يشرف عليها الاحتلال الأميركي، ومن ثمّ زيارة الرئيس الإيرانيللعراق في ظلّ الاحتلال ولقاء أركان الحكم العملاء لهذا الاحتلال داخل المنطقةالخضراء التي يسيطر عليها جيش الاحتلال سيطرة كاملة. ولا يشفع لإيران القول إنّهاتدعم المقاومة العراقية من وراء ستار، فالواجب الشرعي يفرض عدم السماح لأمريكاباحتلال العراق، وإذا ما حصل هذا الاحتلال رغمًا عن المسلمين فالواجب الشرعي يفرضرفع راية الجهاد صراحة وعلانية لتحرير الأرض الإسلامية، لا للضغط على المحتلّ منأجل مقاسمته مكاسب الاحتلال. وليس مقاتلو فيتنام  الذين مرّغوا أنف أميركا فيالتراب بأكثر رجولة من مجاهدي المسلمين الذين يتوقون إلى الجنّة والشهادة في سبيلالله. والمسلمون الذين أذلّوا السوفيات في أفغانستان ويكبّدون الاحتلال الغربياليوم أفدح الخسائر، وكذلك المجاهدون الذين مرّغوا أنوف اليهود في لبنان قادرون علىدحر الأميركيين وحلفهم الصليبـي من العراق وأفغانستان. ولكن أنّى لإيران أن تدحرالأميركيين بينما يصرّح قادتها أنّه لولا تعاون إيران لما تمكّنت أميركا من احتلالأفغانستان؟! فقد نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية في 9/2/2002 عن الرئيسالإيراني السابق “علي أكبر هاشمي رفسنجاني” قوله: “إنّ القوات الإيرانية قاتلتطالبان وساهمت في دحرها، وإنّه لو لم تساعد قوّاتهم في قتال طالبان لغرق الأميركيونفي المستنقع الأفغاني”، وأضاف: “يجب على أميركا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيرانيالشعبي لما استطاعت أميركا أن تُسْقط طالبان”. وفي 15/1/2004 وقف “محمّد على أبطحينائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية بفخر في ختام أعمال مؤتمرالخليج وتحديات المستقبل في إمارة أبو ظبي ليعلن أنّ بلاده “قدّمت الكثير من العونللأميركيين في حربيهم ضدّ أفغانستان والعراق”، ومؤكّدًا أنّه “لولا التعاونالإيراني لما سقطت كابل وبغداد بهذه السهولة”. كما أنّ إيران صرّحت أنّها جاهزةلمدّ يد المساعدة لنظام كرزاي (الأميركي) في كابل بضخّ ملايين الدولارات له؟! ويصرّح المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية “رامين مهمانبرست” في 26-10-2010 أنّإيران “قدّمت مساعدة كبيرة لتسهيل استقرار أفغانستان”، بعد أن أقرّ الرئيس الأفغانيبتلقّي أموال من إيران! وتستقبل إيران النائب الأوّل للرئيس الأفغاني الجنرالمحمّد فهيم” 26-12-2010! فضلاً عن الاجتماعات المتعدّدة مع عملاء أميركا فيأفغانستان! أليس في هذا كلّه تطبيع مع الاحتلال الأميركي؟! قد يقدّم السياسيونالإيرانيون وأنصارهم أعذارًا شتّى، ولكنّها أوهى من بيت العنكبوت في تبرير هيمنةملّة الكفر على شبر من بلاد المسلمين. وها نحن نرى الأميركيين يقيمون المنشآتوالقواعد العسكرية الضخمة التي تضمن هيمنتهم وتحكّمهم  بالبلاد في كلّ من العراقوأفغانستان. ونرى الآن أن إيران تغض الطرْف عن موافقة أتباعها من عملاء أميركا فيالعراق على بقاء القوات الأميركية في العراق بعد نهاية سنة 2011، خلافاً للاتفاقالمعقود.

ونحن من جهتنا نقول: إن خلافنا المبدئي الشرعي مع الأنظمة المتسلّطة في سورياوليبيا واليمن والسعودية لا يبرّر بحال الاستعانة بالكافر أيًّا كان للتخلّص من ظلمالظالمين وبطشهم وجبروتهم. ألم يقل ربّنا عزّ وجلّ في كتابه الكريم: {وَلَنْيَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}. وإنّنا في هذاالسياق نرفض رفضًا قاطعًا ما حصل في ليبيا من استعانة بحلف الناتو في العمل علىإسقاط نظام الطاغية القذافي، ولكنّنا لا ننسى أيضًا أنّ الذي يتحمّل المسؤوليةالأولى عن ذلك هو هذا الطاغية الذي أبى إلا أن يسفك دماء الآلاف من أهل ليبيا عضًّاعلى السلطة في ذلك البلد، ثمّ حكّام دول الجوار وقادة جيوشها الذين بقوا يرقبونالمجزرة ثمّ تدخُّل حلف الناتو دون أن يحرّكوا ساكنًا لإنقاذ أهل ليبيا وقطع الطريقعلى تدخّل الأجنبي.

أمّا عن قضية فلسطين، فإنّ الواجب الشرعي القاضي بوجوب تحرير كلّ شبر فيها، لايتمّ عبر دعم تنظيمات مسلّحة لا تملك من أمرها شيئًا، أو عبر إعلان يوم سنوي للقدسفي رمضان من كلّ عام، أو عبر التحالف مع النظام السوري الحريص على عدم تكدير صفواليهود ولو بخرمشة على جبهة الجولان؟! وقد أثبت الزمن خلال ثلاثين عامًا أنّ عقدمهرجانات ومؤتمرات باسم القدس والأقصى لا يسمن ولا يغني من جوع، بل يعطي دولة يهودالفرصة الزمنية لتكريس يهودية القدس، بل ويهودية فلسطين كلّها، بينما خطباءالمسلمين يتبارون في عرض عضلاتهم الخطابية التي تضرّ ولا تنفع، إذ تدغدغ مشاعرالأمّة أن اطمئنّي فقد تحرّرت القدس والأقصى الشريف. ولو كان النظام الإيرانيجادًّا فيما يرفعه من شعار تحرير الأقصى والقدس لاتّبع السبل والوسائل التي توصلهإلى ذلك فعلاً لا قولاً. وهو حين يندرج في منظومة “هيئة الأمم المتّحدة” فإنّه يقرّبميثاقها الذي يفرض الاعتراف بسيادة الدول الأعضاء فيها ويحرّم التدخل في شؤونهاالداخلية فضلاً عن الاعتداء على حدودها...

وأمّا عن الموقف الإيراني من النظام البعثي الحاكم في سوريا، فلقد شكّل وقوفإيران بجانب النظام الطاغوتي المجرم في سوريا القشّة التي قصمت ظهر البعير, ولاندري إن كان هناك متّسع من الوقت لتخلّص إيراننفسها من هذه الورطة التي جنتها علىنفسها ولطّخت بها تاريخها الثوري كلّه، إذ استدعت السؤال المشروع التالي: إذا كانتالثورة الإيرانية قد انتفضت ضدّ ظلم الشاه وإجرامه واستحقّت بذلك تأييد الأمّةالعارم يومذاك، فكيف تبرّر اليوم وقوفها إلى جانب النظام البعثي في سوريا الذي ضاهىفي جرائمه ما ارتكبه شاه إيران سيّء الذكر من قتل لعباد الله وسفك لدمائهم وتكسيرلعظامهم وقلع لأظفار أطفالهم وتهجير لعائلاتهم بعد قطع الماء والكهرباء عن دورهم،دون مراعاة لحرمة شهر رمضان الكريم أو أيّ حرمة أخرى... وهذا كلّه بعد عقود منالممارسات العلمانية التي انتهكت من مقدّسات الإسلام وحرماته ما انتهكت ونشرت منالموبقات والرذائل ما نشرت! لا شكّ أنّ هذا الموقف ينقض كلّ تاريخها وشعاراتها فينصرة الشعوب المستضعفة في كفاحها لنيل حقوقها والتخلّص من الظلم الواقع عليها؟! فالجمهورية الإيرانية بوقوفها اليوم إلى جانب الطاغية الابن أعادت إلى الذاكرةوقوفها بالأمس إلى جانب الطاغية الأب، مستعدية بذلك أهل بلاد الشام، بل سائر الأمّةالمتألمّة لألمهم. إذ كيف للنظام الإيراني أن يدعم النظام البعثي الكافر في حربهعلى أهل سوريا في الوقت الذي يرفع فيه عقيرته بالاحتجاج على ممارسات شيخ البحرينضدّ ثوّار البحرين؟! أليس في هذا من التناقض ما لا يخفى على أولي الألباب؟!

إن التذرّع والتعذّر بالقول إنّ التحالف الإستراتيجي مع سوريا له مبرّراته، وهيوقوف النظام السوري إلى جانب إيران ضدّ “صدام حسين” في الأيّام الصعبة وأنّ إيرانلا يمكنها أن تتخلّى عن حلفائها، والقول إنّ النظام السوري هو نظام ممانع وإنّه دعمالمقاومة الإسلامية التي مرّغت أنف يهود في لبنان، وبالتالي فإنّ الضرورات تبيحالمحظورات، وإنّ التحالف مع سوريا يقوّي من موقف إيران في مفاوضاتها مع دول الغربفي حماية مشروعها النووي... كلّ هذه تبريرات انتهازية لا ترقى إلى مستوى التفكيرالمبدئي ولا تمتّ بصلة إلى واجب الولاء لله ولرسوله والمؤمنين والبراء ممّن عاداهم. فلا شيء من ذلك كلّه يبرّر الوقوف إلى جانب النظام الظالم ضدّ الشعب المظلوم، فضلاًعن أنّ الواقع يثبت أنّ شعار الممانعة الذي يرفعه نظام آل الأسد ليس سوى شعارمخادعة يتوسّله لتكريس هيمنته وتسلّطه على سوريا وأهلها. فلقد أعلن رأس هذا النظامبوضوح أنّ هدفه الإستراتيجي هو السلام مع كيان يهود، وأنّ دعم المقاومة ما هو إلامرحلة مؤقتة ريثما تنجح المفاوضات في التوصّل إلى هذا السلام. والآن ترى إيران أنحكم بيت الأسد إلى أفول سريع والشعب السوري هو الباقي، فمصلحة إيران الحقيقية هي معسوريا الباقية وليس مع شخص بدأ سقوطه.

سعادة السفير:
لطالما أعلنت دولتكم أنّها حريصة على درء الفتنة الطائفية بينالسنّة والشيعة. ولكنّ سياستها في أفغانستان وفي العراق وفي الخليج وفي لبنان وفيسوريا... قد تخدم  الفتنة الطائفية بدلاً من أن تئدها، أدركت ذلك الجمهوريةالإيرانية أم لم تدركه. ذلك أنّ درء الفتنة والحفاظ على وحدة الصفّ المسلم يقتضيانأن تقوم سياسات الدولة على أساس الإسلام لا غير، وتبنّي خطاب جامع للأمّة تواكبهممارسة عملية. أمّا عقد المؤتمرات مع رفع الشعارات التي تتصادم مع الممارساتالعملية فيضرّ ولا ينفع.
وفي هذا السياق، فإنّنا نحذّركم من كيد الغرب المتواصلالذي أدرك أنّ نور الإسلام في طريقه إلى أن يبدّد ظلام حضارته الفاسدة، فراح يعمل،درءًا لهذا الخطر عنه، على بثّ الفرقة بين صفوف المسلمين وإثارة الفتنة الطائفية،بين السنّة والشيعة تارة، وبين القوميات تارة أخرى، فالغرب يجد أن سياسة “فرّق تسدقد آتت أكلها من قبل، وأنّها خير منقذ له اليوم للحيلولة دون وحدة الأمّةالإسلامية. وإنّنا نلفت نظركم إلى الفخّ الذي تنصبه دول الكفر كلّها لإيقاعالمسلمين فيه. ومن أبرز مظاهر هذا الفخّ الفضائيات المتضادّة التي تنبش التاريخلإبراز الخلافات من عَقَدية وفقهية وخصومات سياسية ماضية، لإثارة نزاعات وحروبجديدة بين السنة والشيعة. وإنّ وقوفكم اليوم بجانب النظام البعثي في سوريا من شأنهأن يفاقم خطر الوقوع في هذا الفخّ.

إنّ الذي يحمي إيران وسواها من الأقطار الإسلامية، هو أن تقيم كيانها ونظامهاعلى أساس الإسلام وحده، وليس التحالف مع أعداء الله وأعداء الأمّة من أمثال النظامالسوري والنظام الأفغاني وغيرهما، وأن تسعى للأخذ بأسباب القوّة، وفي مقدّمتها وحدةالمسلمين تحت راية (لا إله إلا الله محمّد رسول الله)، وليس تحت راية قُطرية أوقومية أو فارسية، وليس تحت مظلّة منظومة دولية على شاكلة هيئة الأمم المتّحدةوغيرها من الأدوات التي أوجدها الغرب لخدمة مصالحه تحت عنوان “المجتمع الدولي”. وإنّ إقامة السياسة الخارجية على أساس الإسلام تقتضي التمسّك بالفكرة الإسلاميةالتي توجب وحدة الأمّة الإسلامية. وإذا كان هناك من أمل في تحرير الأمّة من براثنالاستعمار الغربي وهيمنته الحضارية والسياسية والعسكرية والاقتصادية فإنّ الوحدةالإسلامية المادّية على الأرض، لا المشاعرية فحسب، هي السبيل إلى ذلك. وإنّنا نرىأنّ الأمّة أمام فرصة تاريخية لتوحّد صفّها وتجمع شملها تحت كيان دولة الإسلامالقائمة على العقيدة الاسلامية والمنتظمة بالشريعة الربّانية. وهذا ما نعمل له حيننعلن العمل لإقامة دولة الخلافة.
فدولة الخلافة التي أمر الشرع بإقامتها هيرئاسة عامّة للمسلمين في الدنيا لرعاية شؤونهم بالشرع وحمل الإسلام رسالة إلىالعالم. وفي هذه الدولة تكون السيادة للشرع، بحيث تكون الأنظمة والقوانين مستمدّةفقط من الكتاب والسنّة وما أرشدا إليه، ويكون السلطان للأمّة، بحيث تتولّى الأمّةأو نوّابها اختيار رئيس الدولة (الخليفة) ومحاسبته باعتباره وكيلاً عنها في تطبيقالشرع ورعاية الشؤون. فالخلافة التي نسعى لإقامتها وترنو إليها الأمّة من شرق الأرضإلى غربها هي خلافة على منهاج النبوّة، وليست تلك التي عضّت فيها العائلات علىالحكم في العهود الأموية والعبّاسية والعثمانية. وإن التأمّل في هذه المعاني لدولةالخلافة ليقود إلى الجزم بأنّ القضية المصيرية للأمّة هي إقامة تلك الدولة، إذ هيالسبيل الوحيد لخروج الأمّة من المآسي التي تعانيها منذ عشرات السنين. وهي التيتخشاها دول الغرب وتحارب عودتها من خلال إغراء العداوة بين المسلمين سنّة وشيعةوعربًا وعجمًا. وبالتالي فإنّ إصرار إيران على اعتماد السياسة القومية الفارسيةوالتمييز بين ثورة البحرين وثورة سوريا فتدعم هذه وتحارب تلك، من شأنه أن يؤجّج هذهالعداوة، وإنّها لخطيئة من الخطايا التي لا يغفرها التاريخ. مع التنبيه إلى أنّكلامنا هذا لا يبرّئ ساحة سائر أنظمة العالم الإسلامي من هذه الخطيئة. ولكنّالخطيئة لا تبرّر الخطيئة المقابلة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواكُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُقَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوااللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

هذه جملة من القضايا نحسب أنّها أساسية للتباحث بشأنها. ولا نحتاج إلى التذكيربأن “حزب التحرير” إنّما يبني نظرته إلى ذلك كلّه على أساس الإسلام، نظرة صافيةنقيّة لا تشوبها شائبة، لا قومية ولا وطنية ولا مذهبية ولا طائفية، مبتغيًا مرضاةالله عزّ وجلّ والاعتصام بحبله والتمسّك بهدي نبيّه عليه وآله الصلاة والسلام،ونصيحةً صادقة خالصة للمسلمين ومن يعيش معهم من أهل الأديان. ومن فضل الله علىالحزب أنّه يعمل مع الأمّة ومع المسلمين حيثما وُجدوا، دون أيّ اعتبار مخالف لعقيدةالإسلام وشريعته، فالحزب يوجّه دعوته لكلّ مسلم أينما وجد، يدعوه إلى العمل معهلنصرة هذا الدين وإعلاء كلمة الله وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّالعباد.
فإن كان لدى الإخوة في إيران النيّة الصادقة لبحث هذه الأمور بصدقوشفافية فحيهلا، وسيجدون أنّ قلوبنا وعقولنا مرحّبة بالنقاش الجادّ الهادف إلى نصرةهذا الدين وإعلاء كلمة الله. أمّا التوقّف عند المعالجات السطحية والمجاملاتالشكليّة مع البعد عن السياسة الإسلامية الصافية، فلن يزيد النظام الإيراني إلابُعدًا عنّا وعن سائر الأمّة. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


د. محمّد جابر             
رئيس الهيئة الإدارية لحزب التحرير- ولايةلبنان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

جانب سعادة سفير “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” في لبنان،
ومن خلاله إلىالسادة كبار الحكام في الجمهورية،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


بناء على طلب سعادتكم اللقاء بنا، نحن مسؤولي “حزب التحرير-ولاية لبنان،قرّرنا أن نقدّم لكم خلال لقائنا الكتاب النصيحة التالي، والذي نوضح فيه موقفنا منجمهوريتكم ونظامها وسياساتها الداخلية والخارجية بإيجاز، علمًا أنّ “حزب التحريركان قد أرسل وفدًا إلى إيران سنة 1979م للتهنئة بإسقاط نظام الشاه، ولتقديم مذكّرةتتضمّن نصائحنا، ثمّ عاد وفد آخر في السنة نفسها يحمل مشروع دستور، وقدّمه إلىاللجان التي كانت تعمل على وضع دستور للدولة الجديدة.

معلوم لدينا أنّ نظامكم الإيراني الحالي قام على أثر نجاح الثورة في إسقاط نظامالشاه الطاغوتي سنة 1979م، وهو النظام الذي اقتفى أثر هادم دولة الخلافة الخائنمصطفى كمال، في تغريب المجتمع المسلم في إيران وإلحاقه بعجلة الحضارة الغربيةالكافرة التي تقوم على أسس تناقض الإسلام جملة وتفصيلاً. وقد أحيت الثورة الإيرانيةيومذاك الآمال لدى الأمّة الإسلامية بأنّها، إذا حزمت أمرها، قادرة على استعادةسلطانها المغصوب من الحكّام الطغاة الذين تسلّطوا عليها بمعاونة من الغرب المستعمرالكافر، والإمساك بالتالي بزمام أمورها.
ولسنا هنا بصدد الخوض في مراجعة تفصيليةللمحطات والأحداث والتحدّيات التي واجهتها الثورة في إيران، بما في ذلك هجوم “صدّامحسين” على إيران، ولكنّنا نريد التوقّف عند طبيعة النظام الذي قامت الثورة بتشييدهفي إيران، ونتوقف بخاصّة عند المسألة الأساسية والجوهرية: هل قام النظام ليطبّقالفكرة الإسلامية القائمة على العقيدة الإسلامية والمتجسّدة في أحكام الشريعة دونسواها؟

الإجابة على هذا السؤال تقتضي بعض التفصيل في سياسات الجمهورية في مجالين: فيالسياسة الداخلية، داخل إيران على مستوى أنظمة الحكم والاقتصاد والاجتماع وسياسةالتعليم، وفي السياسة الخارجية. إذ لا يخفى أنّ إعادة صياغة المجتمع على أساسالإسلام تقتضي هدم كلّ ما بناه نظام الشاه والذي -كأقرانه في سائر البلاد الإسلامية- بُني على عين الاستعمار الغربي. ومعلوم لدى الجميع أنّ هذه السياسات تقوم علىالأسس التي حدّد معالمها الدستور الإيراني ورسم إطارها العامّ والوجهة التي تسيربحسبها. والواجب الشرعي يقضي بأن تكون العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي يقوم عليهالنظام وسياسة الدولة، وأن تكون الشريعة هي المتحكّمة بكافّة جوانب السلطة والمجتمعفي الدولة الاسلامية، مهما كانت الصعوبات والعقبات التي تواجهها، سواء من كيدالأعداء الخارجيين أو من جهل المجتمع في الداخل الذي تأثّر بشكل أو بآخر بسمومالثقافة الغربية عبر عقود من السياسات المتغرّبة.

1-  مراجعة لواقع النظام الإيراني وسياسته الداخلية:

من خلال مراجعة نشوء نظام الجمهورية بعد الثورة، فإنّنا نلمس وجود تناقضات عدّةفي هيكل النظام، ليس أقلّها غموض فكرة “ولاية الفقيه” وعدم بلورتها سياسيًّا لتشكّلأساسًا لحكم إسلامي. وما تنحية “آية الله منتظري” عن منصب نائب الوليّ الفقيه الذيكان معيَّنًا فيه على عهد الإمام الخميني إلا شاهد صارخ على هذه المعضلة التي مازالت تلقي بظلالها على طبيعة نظام الجمهورية إلى لحظتنا هذه. وهناك الكثير منالشواهد التي تصبّ في هذا الاتجاه، منها التخبّط الواضح في تحديد معالم النظامالجمهوري” منذ أيّامه الأولى في تجربة “مهدي بازركان” و”بني صدر”، وتعدّد الرؤوسما بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان ومجلس الخبراء ومجلس تشخيصمصلحة النظام، في ظلّ الصلاحية المطلقة لولي الفقيه “الإمام الخميني” يومذاك، قبلأن يتم إجراء بعض التعديلات لاحقًا. هذا عدا عن استمرار الجدل الدائر داخل إيرانوخارجها حول فكرة “ولاية الفقيه” التي شكّلت أساس نظام الحكم في إيران، بعد تطعيمهابعناصر من الفكرة الغربية القائمة على الحكم الجمهوري، ما أنتج نظامًا هجينًا ضاعتمعالمه جرّاء هذا التداخل. فمن المعروف أنّ هناك فريقًا كبيرًا ومهمًّا من المراجعالشيعية في إيران والعراق ولبنان رفضوا “ولاية الفقيه” كما أسّسها الإمام الراحلالخميني، إذ يذهب هؤلاء المراجع إلى عدم ممارسة  العلماء (رجال الدين كما يرون) الشأن السياسي وحصر دورهم في الإرشاد “الديني”.

ثمّ إنّه من خلال مراجعة السياسات التعليمية والثقافية والإعلامية للنظامالإيراني يخرج المراقب بخلاصة واضحة: وهي أنّ هذه السياسات إنّما قامت على نزعةقومية فارسية واضحة، وأنّهالم تُراعَ الناحية الإسلامية إلا من خلال مسحة تجميليةلإضفاء الشرعية الإسلامية على الدولة والمجتمع في إيران. فلم يتمّ بناء الدولةوالمجتمع على أساس الفكرة الإسلاميةالصافية، بدليل أنّ النظام استمر في التصرّفبناء على النظرة القومية الفارسية لا الإسلامية، حيث يشترط أن يكون الرئيس إيرانياًومن أبوين إيرانيين، ويجعل الدولة لإيران فقط وليس للأمة الإسلامية. ولم يجعل اللغةالعربية - وهي لغة الإسلام- لغة رسمية في الجمهورية، وما زال الجدل يدور حتّى الآنفي إيران حول الهوية الإيرانية والهوية الإسلامية وتداخل البعد القومي الإيراني فيكلّ هذا، وما الاستمرار في الاحتفال بما يسمّى بعيد النوروز إلا مثالاً علىالاحتفاظ بالنـزعة القومية. ولا يخفى ما أثارته هذه النـزعة من إثارة للعصبيات بينالفرس من جهة وسائر سكان إيران من العرب والبلوش والأكراد وغيرهم من الجهة الأخرى. وهذه النـزعة نفسها كان لها انعكاساتها على السياسة الخارجية للجمهورية. وهذايقودنا إلى الكلام في هذه السياسة.

2-  نظرة في السياسة الخارجية:

لقد كان بوسع النظام الإيراني، لو أنّه أقام سياساته على الفكرة الإسلاميةالجامعة، أن يجمع الأمّة الإسلامية حول الفكرة الإسلامية، أو أن يساهم في ذلك علىالأقلّ. فلا يخفى أنّ الأمّة مجمعة على عبادة ربّ واحد واتّباع نبيّ واحد والإيمانبقرآن واحد والتوجّه إلى قبلة واحدة، ولا يضير بعد ذلك تعدّد الاجتهادات الفقهيةبين المجتهدين، ولا سيّما حين تعمل الدولة على إزالة هذه الفوارق، أو في الحدّالأدنى على إبقائها ضمن إطارها العلمي الفكري دون أن تقود إلى التعصّب المذهبي وشقّالصفّ. فالواجب الشرعي يحتّم النظر إلى المسلمين بصفتهم أمّة واحدة، لا شعوبًاوأممًا ودولاً يفصل بينها ما يسمّى بحدود وطنية تمزّق الأمّة وتشكّل سياجًا لحمايةالنظم التي أوجدها الكافر المستعمر لتخدم مصالحه الاستعمارية، فلا يجوز لنا ولايصحّ أن نعترف بالواقع الذي فرضه الاستعمار، فضلاً عن أن نسعى لتكريسه وتشريعهوتطبيع الأوضاع التي أوجدها.

ولكنّ الناظر في واقع السياسات الإيرانية المتّبعة عبر العقود الثلاثة الماضيةيجد أنّ شيئًا من هذا لم يحدث. والذي حدث لم يتعدّ رفع الشعارات البرّاقة في الظاهروالخاوية من أيّ محتوى عملي. وهذا بحدّ ذاته يكشف غياب النظرة الجامعة للأمّةالإسلامية من حيث هي أمّة متميّزة عن غيرها من الأمم تربطها أواصر العقيدةالإسلامية ومفاهيم الإسلام وشريعته.
ولقد جاءت السياسة الخارجية لنظام الجمهوريةالإيرانية لتؤكّد النـزعة القومية في التفكير والتصرّف العملي. فهذه السياسة لمتستهدف يومًا توحيد الأمّة الإسلامية في إطار الإسلام الذي يقتضي بناء الدولةالإسلامية الجامعة، فعلاً لا تنظيراً أو أقوالاً.
فالجمهورية الإيرانية حين دخلتفي منظومة “هيئة الأمم المتّحدة” اعترفت بسيادة الكيانات التي أوجدها الاستعمار بينالمسلمين. وفي علاقاتها مع هذه الكيانات لم تلتفت أيّما التفات إلى مقتضيات الشرعالإسلامي، ولم تكن السيادة في هذه العلاقات للمبدأ الإسلامي، بل بنت هذه العلاقاتعلى أسس فاسدة تكرّس ما أوجده الاستعمار من أوضاع كارثية في العالم الإسلامي، فراحتتتحالف مع نظام الطغيان البعثي العلماني في سوريا، ليس فقط في سياق مواجهتها لحربصدام حسين”، بل وصولاً إلى هذه اللحظة التي يرتكب فيها النظام البعثي في سوريابحقّ شعبه من الجرائم ما ارتكبه الشاه بحقّ أهل إيران في عهده البائد.

ولطالما كانت المناورات السياسية والعسكرية الإيرانية لفرض الهيمنة والنفوذ فيالخليج الإسلامي، والجدل حول فارسية هذا الخليج أو عروبته في وقت بسطت أميركاهيمنتها عليه، لطالما كان دليلاً على الخلفية القومية العنصرية للسياسة الخارجيةالإيرانية.
وفي أفغانستان نجد  أنّ النظام الإيراني رحّب بالاحتلال الأميركيلأفغانستان ونسّق معه. ولا يشفع له تذرّعه بأنّ حركة طالبان اعتدت على مبعوثيه فيمزار شريف، وبأنّها روّجت لثقافة الكره ضد الطائفة الشيعية. فعمل حركة طالبان وخطأممارساتها لا يبرّران بحال الاستعانة بالكافر الأميركي - ومعه حلف الناتو بقضّهوقضيضه - ضدّ مسلمي أفغانستان ولاحتلال أرض إسلامية، بل الواجب الشرعي يقضي بنصرةأبناء الأمّة ضدّ الكافر المحتلّ والعمل على منع احتلاله أيّ أرض إسلامية.

وكذلك في العراق نجد أنّ إيران عمدت إلى تطبيع الأوضاع في ظلّ الاحتلال الأميركيمن خلال الجماعات التي تدين لها بالولاء في هذا البلد، حيث أوعزت إليها التنسيق معهوالعمل تحت وصايته، بل وصل الأمر إلى درجة مشاركة إيران رسمياً في اجتماعات التنسيقالأمني المباشر التي يشرف عليها الاحتلال الأميركي، ومن ثمّ زيارة الرئيس الإيرانيللعراق في ظلّ الاحتلال ولقاء أركان الحكم العملاء لهذا الاحتلال داخل المنطقةالخضراء التي يسيطر عليها جيش الاحتلال سيطرة كاملة. ولا يشفع لإيران القول إنّهاتدعم المقاومة العراقية من وراء ستار، فالواجب الشرعي يفرض عدم السماح لأمريكاباحتلال العراق، وإذا ما حصل هذا الاحتلال رغمًا عن المسلمين فالواجب الشرعي يفرضرفع راية الجهاد صراحة وعلانية لتحرير الأرض الإسلامية، لا للضغط على المحتلّ منأجل مقاسمته مكاسب الاحتلال. وليس مقاتلو فيتنام  الذين مرّغوا أنف أميركا فيالتراب بأكثر رجولة من مجاهدي المسلمين الذين يتوقون إلى الجنّة والشهادة في سبيلالله. والمسلمون الذين أذلّوا السوفيات في أفغانستان ويكبّدون الاحتلال الغربياليوم أفدح الخسائر، وكذلك المجاهدون الذين مرّغوا أنوف اليهود في لبنان قادرون علىدحر الأميركيين وحلفهم الصليبـي من العراق وأفغانستان. ولكن أنّى لإيران أن تدحرالأميركيين بينما يصرّح قادتها أنّه لولا تعاون إيران لما تمكّنت أميركا من احتلالأفغانستان؟! فقد نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية في 9/2/2002 عن الرئيسالإيراني السابق “علي أكبر هاشمي رفسنجاني” قوله: “إنّ القوات الإيرانية قاتلتطالبان وساهمت في دحرها، وإنّه لو لم تساعد قوّاتهم في قتال طالبان لغرق الأميركيونفي المستنقع الأفغاني”، وأضاف: “يجب على أميركا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيرانيالشعبي لما استطاعت أميركا أن تُسْقط طالبان”. وفي 15/1/2004 وقف “محمّد على أبطحينائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية بفخر في ختام أعمال مؤتمرالخليج وتحديات المستقبل في إمارة أبو ظبي ليعلن أنّ بلاده “قدّمت الكثير من العونللأميركيين في حربيهم ضدّ أفغانستان والعراق”، ومؤكّدًا أنّه “لولا التعاونالإيراني لما سقطت كابل وبغداد بهذه السهولة”. كما أنّ إيران صرّحت أنّها جاهزةلمدّ يد المساعدة لنظام كرزاي (الأميركي) في كابل بضخّ ملايين الدولارات له؟! ويصرّح المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية “رامين مهمانبرست” في 26-10-2010 أنّإيران “قدّمت مساعدة كبيرة لتسهيل استقرار أفغانستان”، بعد أن أقرّ الرئيس الأفغانيبتلقّي أموال من إيران! وتستقبل إيران النائب الأوّل للرئيس الأفغاني الجنرالمحمّد فهيم” 26-12-2010! فضلاً عن الاجتماعات المتعدّدة مع عملاء أميركا فيأفغانستان! أليس في هذا كلّه تطبيع مع الاحتلال الأميركي؟! قد يقدّم السياسيونالإيرانيون وأنصارهم أعذارًا شتّى، ولكنّها أوهى من بيت العنكبوت في تبرير هيمنةملّة الكفر على شبر من بلاد المسلمين. وها نحن نرى الأميركيين يقيمون المنشآتوالقواعد العسكرية الضخمة التي تضمن هيمنتهم وتحكّمهم  بالبلاد في كلّ من العراقوأفغانستان. ونرى الآن أن إيران تغض الطرْف عن موافقة أتباعها من عملاء أميركا فيالعراق على بقاء القوات الأميركية في العراق بعد نهاية سنة 2011، خلافاً للاتفاقالمعقود.

ونحن من جهتنا نقول: إن خلافنا المبدئي الشرعي مع الأنظمة المتسلّطة في سورياوليبيا واليمن والسعودية لا يبرّر بحال الاستعانة بالكافر أيًّا كان للتخلّص من ظلمالظالمين وبطشهم وجبروتهم. ألم يقل ربّنا عزّ وجلّ في كتابه الكريم: {وَلَنْيَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}. وإنّنا في هذاالسياق نرفض رفضًا قاطعًا ما حصل في ليبيا من استعانة بحلف الناتو في العمل علىإسقاط نظام الطاغية القذافي، ولكنّنا لا ننسى أيضًا أنّ الذي يتحمّل المسؤوليةالأولى عن ذلك هو هذا الطاغية الذي أبى إلا أن يسفك دماء الآلاف من أهل ليبيا عضًّاعلى السلطة في ذلك البلد، ثمّ حكّام دول الجوار وقادة جيوشها الذين بقوا يرقبونالمجزرة ثمّ تدخُّل حلف الناتو دون أن يحرّكوا ساكنًا لإنقاذ أهل ليبيا وقطع الطريقعلى تدخّل الأجنبي.

أمّا عن قضية فلسطين، فإنّ الواجب الشرعي القاضي بوجوب تحرير كلّ شبر فيها، لايتمّ عبر دعم تنظيمات مسلّحة لا تملك من أمرها شيئًا، أو عبر إعلان يوم سنوي للقدسفي رمضان من كلّ عام، أو عبر التحالف مع النظام السوري الحريص على عدم تكدير صفواليهود ولو بخرمشة على جبهة الجولان؟! وقد أثبت الزمن خلال ثلاثين عامًا أنّ عقدمهرجانات ومؤتمرات باسم القدس والأقصى لا يسمن ولا يغني من جوع، بل يعطي دولة يهودالفرصة الزمنية لتكريس يهودية القدس، بل ويهودية فلسطين كلّها، بينما خطباءالمسلمين يتبارون في عرض عضلاتهم الخطابية التي تضرّ ولا تنفع، إذ تدغدغ مشاعرالأمّة أن اطمئنّي فقد تحرّرت القدس والأقصى الشريف. ولو كان النظام الإيرانيجادًّا فيما يرفعه من شعار تحرير الأقصى والقدس لاتّبع السبل والوسائل التي توصلهإلى ذلك فعلاً لا قولاً. وهو حين يندرج في منظومة “هيئة الأمم المتّحدة” فإنّه يقرّبميثاقها الذي يفرض الاعتراف بسيادة الدول الأعضاء فيها ويحرّم التدخل في شؤونهاالداخلية فضلاً عن الاعتداء على حدودها...

وأمّا عن الموقف الإيراني من النظام البعثي الحاكم في سوريا، فلقد شكّل وقوفإيران بجانب النظام الطاغوتي المجرم في سوريا القشّة التي قصمت ظهر البعير, ولاندري إن كان هناك متّسع من الوقت لتخلّص إيراننفسها من هذه الورطة التي جنتها علىنفسها ولطّخت بها تاريخها الثوري كلّه، إذ استدعت السؤال المشروع التالي: إذا كانتالثورة الإيرانية قد انتفضت ضدّ ظلم الشاه وإجرامه واستحقّت بذلك تأييد الأمّةالعارم يومذاك، فكيف تبرّر اليوم وقوفها إلى جانب النظام البعثي في سوريا الذي ضاهىفي جرائمه ما ارتكبه شاه إيران سيّء الذكر من قتل لعباد الله وسفك لدمائهم وتكسيرلعظامهم وقلع لأظفار أطفالهم وتهجير لعائلاتهم بعد قطع الماء والكهرباء عن دورهم،دون مراعاة لحرمة شهر رمضان الكريم أو أيّ حرمة أخرى... وهذا كلّه بعد عقود منالممارسات العلمانية التي انتهكت من مقدّسات الإسلام وحرماته ما انتهكت ونشرت منالموبقات والرذائل ما نشرت! لا شكّ أنّ هذا الموقف ينقض كلّ تاريخها وشعاراتها فينصرة الشعوب المستضعفة في كفاحها لنيل حقوقها والتخلّص من الظلم الواقع عليها؟! فالجمهورية الإيرانية بوقوفها اليوم إلى جانب الطاغية الابن أعادت إلى الذاكرةوقوفها بالأمس إلى جانب الطاغية الأب، مستعدية بذلك أهل بلاد الشام، بل سائر الأمّةالمتألمّة لألمهم. إذ كيف للنظام الإيراني أن يدعم النظام البعثي الكافر في حربهعلى أهل سوريا في الوقت الذي يرفع فيه عقيرته بالاحتجاج على ممارسات شيخ البحرينضدّ ثوّار البحرين؟! أليس في هذا من التناقض ما لا يخفى على أولي الألباب؟!

إن التذرّع والتعذّر بالقول إنّ التحالف الإستراتيجي مع سوريا له مبرّراته، وهيوقوف النظام السوري إلى جانب إيران ضدّ “صدام حسين” في الأيّام الصعبة وأنّ إيرانلا يمكنها أن تتخلّى عن حلفائها، والقول إنّ النظام السوري هو نظام ممانع وإنّه دعمالمقاومة الإسلامية التي مرّغت أنف يهود في لبنان، وبالتالي فإنّ الضرورات تبيحالمحظورات، وإنّ التحالف مع سوريا يقوّي من موقف إيران في مفاوضاتها مع دول الغربفي حماية مشروعها النووي... كلّ هذه تبريرات انتهازية لا ترقى إلى مستوى التفكيرالمبدئي ولا تمتّ بصلة إلى واجب الولاء لله ولرسوله والمؤمنين والبراء ممّن عاداهم. فلا شيء من ذلك كلّه يبرّر الوقوف إلى جانب النظام الظالم ضدّ الشعب المظلوم، فضلاًعن أنّ الواقع يثبت أنّ شعار الممانعة الذي يرفعه نظام آل الأسد ليس سوى شعارمخادعة يتوسّله لتكريس هيمنته وتسلّطه على سوريا وأهلها. فلقد أعلن رأس هذا النظامبوضوح أنّ هدفه الإستراتيجي هو السلام مع كيان يهود، وأنّ دعم المقاومة ما هو إلامرحلة مؤقتة ريثما تنجح المفاوضات في التوصّل إلى هذا السلام. والآن ترى إيران أنحكم بيت الأسد إلى أفول سريع والشعب السوري هو الباقي، فمصلحة إيران الحقيقية هي معسوريا الباقية وليس مع شخص بدأ سقوطه.

سعادة السفير:
لطالما أعلنت دولتكم أنّها حريصة على درء الفتنة الطائفية بينالسنّة والشيعة. ولكنّ سياستها في أفغانستان وفي العراق وفي الخليج وفي لبنان وفيسوريا... قد تخدم  الفتنة الطائفية بدلاً من أن تئدها، أدركت ذلك الجمهوريةالإيرانية أم لم تدركه. ذلك أنّ درء الفتنة والحفاظ على وحدة الصفّ المسلم يقتضيانأن تقوم سياسات الدولة على أساس الإسلام لا غير، وتبنّي خطاب جامع للأمّة تواكبهممارسة عملية. أمّا عقد المؤتمرات مع رفع الشعارات التي تتصادم مع الممارساتالعملية فيضرّ ولا ينفع.
وفي هذا السياق، فإنّنا نحذّركم من كيد الغرب المتواصلالذي أدرك أنّ نور الإسلام في طريقه إلى أن يبدّد ظلام حضارته الفاسدة، فراح يعمل،درءًا لهذا الخطر عنه، على بثّ الفرقة بين صفوف المسلمين وإثارة الفتنة الطائفية،بين السنّة والشيعة تارة، وبين القوميات تارة أخرى، فالغرب يجد أن سياسة “فرّق تسدقد آتت أكلها من قبل، وأنّها خير منقذ له اليوم للحيلولة دون وحدة الأمّةالإسلامية. وإنّنا نلفت نظركم إلى الفخّ الذي تنصبه دول الكفر كلّها لإيقاعالمسلمين فيه. ومن أبرز مظاهر هذا الفخّ الفضائيات المتضادّة التي تنبش التاريخلإبراز الخلافات من عَقَدية وفقهية وخصومات سياسية ماضية، لإثارة نزاعات وحروبجديدة بين السنة والشيعة. وإنّ وقوفكم اليوم بجانب النظام البعثي في سوريا من شأنهأن يفاقم خطر الوقوع في هذا الفخّ.

إنّ الذي يحمي إيران وسواها من الأقطار الإسلامية، هو أن تقيم كيانها ونظامهاعلى أساس الإسلام وحده، وليس التحالف مع أعداء الله وأعداء الأمّة من أمثال النظامالسوري والنظام الأفغاني وغيرهما، وأن تسعى للأخذ بأسباب القوّة، وفي مقدّمتها وحدةالمسلمين تحت راية (لا إله إلا الله محمّد رسول الله)، وليس تحت راية قُطرية أوقومية أو فارسية، وليس تحت مظلّة منظومة دولية على شاكلة هيئة الأمم المتّحدةوغيرها من الأدوات التي أوجدها الغرب لخدمة مصالحه تحت عنوان “المجتمع الدولي”. وإنّ إقامة السياسة الخارجية على أساس الإسلام تقتضي التمسّك بالفكرة الإسلاميةالتي توجب وحدة الأمّة الإسلامية. وإذا كان هناك من أمل في تحرير الأمّة من براثنالاستعمار الغربي وهيمنته الحضارية والسياسية والعسكرية والاقتصادية فإنّ الوحدةالإسلامية المادّية على الأرض، لا المشاعرية فحسب، هي السبيل إلى ذلك. وإنّنا نرىأنّ الأمّة أمام فرصة تاريخية لتوحّد صفّها وتجمع شملها تحت كيان دولة الإسلامالقائمة على العقيدة الاسلامية والمنتظمة بالشريعة الربّانية. وهذا ما نعمل له حيننعلن العمل لإقامة دولة الخلافة.
فدولة الخلافة التي أمر الشرع بإقامتها هيرئاسة عامّة للمسلمين في الدنيا لرعاية شؤونهم بالشرع وحمل الإسلام رسالة إلىالعالم. وفي هذه الدولة تكون السيادة للشرع، بحيث تكون الأنظمة والقوانين مستمدّةفقط من الكتاب والسنّة وما أرشدا إليه، ويكون السلطان للأمّة، بحيث تتولّى الأمّةأو نوّابها اختيار رئيس الدولة (الخليفة) ومحاسبته باعتباره وكيلاً عنها في تطبيقالشرع ورعاية الشؤون. فالخلافة التي نسعى لإقامتها وترنو إليها الأمّة من شرق الأرضإلى غربها هي خلافة على منهاج النبوّة، وليست تلك التي عضّت فيها العائلات علىالحكم في العهود الأموية والعبّاسية والعثمانية. وإن التأمّل في هذه المعاني لدولةالخلافة ليقود إلى الجزم بأنّ القضية المصيرية للأمّة هي إقامة تلك الدولة، إذ هيالسبيل الوحيد لخروج الأمّة من المآسي التي تعانيها منذ عشرات السنين. وهي التيتخشاها دول الغرب وتحارب عودتها من خلال إغراء العداوة بين المسلمين سنّة وشيعةوعربًا وعجمًا. وبالتالي فإنّ إصرار إيران على اعتماد السياسة القومية الفارسيةوالتمييز بين ثورة البحرين وثورة سوريا فتدعم هذه وتحارب تلك، من شأنه أن يؤجّج هذهالعداوة، وإنّها لخطيئة من الخطايا التي لا يغفرها التاريخ. مع التنبيه إلى أنّكلامنا هذا لا يبرّئ ساحة سائر أنظمة العالم الإسلامي من هذه الخطيئة. ولكنّالخطيئة لا تبرّر الخطيئة المقابلة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواكُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُقَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوااللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

هذه جملة من القضايا نحسب أنّها أساسية للتباحث بشأنها. ولا نحتاج إلى التذكيربأن “حزب التحرير” إنّما يبني نظرته إلى ذلك كلّه على أساس الإسلام، نظرة صافيةنقيّة لا تشوبها شائبة، لا قومية ولا وطنية ولا مذهبية ولا طائفية، مبتغيًا مرضاةالله عزّ وجلّ والاعتصام بحبله والتمسّك بهدي نبيّه عليه وآله الصلاة والسلام،ونصيحةً صادقة خالصة للمسلمين ومن يعيش معهم من أهل الأديان. ومن فضل الله علىالحزب أنّه يعمل مع الأمّة ومع المسلمين حيثما وُجدوا، دون أيّ اعتبار مخالف لعقيدةالإسلام وشريعته، فالحزب يوجّه دعوته لكلّ مسلم أينما وجد، يدعوه إلى العمل معهلنصرة هذا الدين وإعلاء كلمة الله وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّالعباد.
فإن كان لدى الإخوة في إيران النيّة الصادقة لبحث هذه الأمور بصدقوشفافية فحيهلا، وسيجدون أنّ قلوبنا وعقولنا مرحّبة بالنقاش الجادّ الهادف إلى نصرةهذا الدين وإعلاء كلمة الله. أمّا التوقّف عند المعالجات السطحية والمجاملاتالشكليّة مع البعد عن السياسة الإسلامية الصافية، فلن يزيد النظام الإيراني إلابُعدًا عنّا وعن سائر الأمّة. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


د. محمّد جابر             
رئيس الهيئة الإدارية لحزب التحرير- ولايةلبنان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق