]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جريُ الوحوش .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-10-21 ، الوقت: 08:53:29
  • تقييم المقالة:

على رغم أنَّ اسمه (سعيد أبو الذهب) إلاَّ أنه لم يكن يشعرُ بالسعادة كثيراً في حياته ، ولم يُغْنِهْ الذهبُ والمالُ الوفيرُ ، اللذان يملكانه ، فقد كان فريسةً للحزن طول أيامه ؛ لأنه كان محروماً من الخَلَفِ ، فقد شاءت إرادةُ ربِّنا أن يجعله عقيماً ...
أما (عبد القوي شديد) فهو فَحْلٌ ، ويتمتَّعُ ببُنْيَةٍ جسديَّةٍ ، يُحْسَدُ عليها ، وعافيَةٍ تامَّةٍ ، إلاَّ أنه ضعيفُ الحالِ ، بائسٌ في معيشتِهِ ، يشكو إِمْلاقاً عسيراً ، وينوءُ بحمْلِ ثلاثةِ عيالٍ ، وزوجةٍ حبْلى بالرابع ...

وبالنظر إلى الاثنين يتبيَّنُ أن (سعيد أبو الذهب) يمْلِكُ المالَ ، ولا يملكُ البنينَ .. 

و(عبد القوي شديد) يملِكُ البنينَ ، ويفْتقِرُ إلى المالِ ... 

ونُتابعُ سلوكَهُما في حياتهما الجارية فنُلاحظُ أن لا أحدَ منهما قد رضيَ بما يملكُ ...

فجمعَ اللهُ بينهما في الحياةِ ، وتعارفا ، واتفَّقا أَنْ يُقايضَ أحدُهما الثاني نصيباً ممَّا ينْعَمُ به ؛ فسعيدٌ يمْنَحُ لعبد القوي حِصَّةً ثقيلةً من مالِهِ .. وعبد القوي يتخلَّى لسعيد عن قِطْعَةٍ ضئيلةٍ من لحْمِهِ ، موجودةٍ في الغدَّةِ النُّخاميَّةِ !!

والغايةُ من هذه المُقايضة العجيبةِ أن يُرْزقَ سعيدٌ بولدٍ ، ويَنْتشِلَ عبد القوي نفْسَه من وهْدَةِ الفقر ...

والذي سيُشْرِفُ على هذه المقايضة الجرّاحُ الكبيرُ ، الدكتور (نبيه) ، الذي يؤمنُ بفتوحات العلم فقط ، ولا يسلِّمُ بحِكْمةِ القدر قطُّ !!

ولطالما حذَّرَهُ صديقُهَ المحامي (عبد الحكيم) من مغَبَّةِ هذا الأمر ، وألقى على سمْعِهِ آياتٍ قرآنيةً تدُلُّ على نفاذ إرادة الله فوق إرادة البشر ، وأنَّ لله حكْمَةً خفيَّةً في قِسْمَةِ الأرزاق بين الجميع ، وأنه لا يظلمُ أحداً من عباده ، ويجعلُ من يشاءُ عقيماً ، ويَبْسُطُ الرزقَ لمن يشاءُ ويقدرُ ، فلا يغْتَرّْ بتجاربه العلمية ، ويقيس العلومَ الإنسانيةَ بالسُّنَنِ الإلهيَّةِ .. إلاَّ أن الدكتور الجرَّاحَ ، و(سعيد أبو الذهب) كانا يسْخرانِ منه دائماً ، وينْعتانِه بالجهْلِ ، ويتَّهمانه بالدَّرْوَشَةِ . وأَعْيَتْ المحامي الحججُ التي كان يستدلُّ بها من أحْكامِ القرآن ، وموادِّ القانون ، وأَصَرَّ أصدقاؤُهُ أن يستجيبوا لرَاْيِ العِلْمِ فحسب .

والدَّليلُ المُقْنِعُ الذي قدَّمَهُ الدكتور (نبيه) للطرفين ، على إمكانية نجاح العملية ، هو التجربة العلمية التي قام بها على (النَّسانيسِ) ، وادَّعى أنها نجحتْ ، واستطاعَ من خلالها أن يجعلََ قِرْداًً عقيماً يُنْجِبُ بإذْنِهِ !!

وفي مشْهَدٍ أمام قِرْدٍ كان يقفزُ بإِفْراطٍ داخل القفص ، سألَ (عبد القوي شديد) الدكتورَ (نبيه) : لماذا ؟ . أجابَ أن المسألةَ عاديَّةٌ بالنسبة إلى قِرْدٍ .

ولكنَّ (عبد القوي شديد) لم يُدْرِكْ الجوابَ الصحيح إلاَّ بعد أن خضع للعملية ، وأمْسَكَ به صُداعٌ قاسٍ في دماغِهِ . ونسيَ الثروةَ الضَّخْمةَ التي حصلَ عليها ، ولم يعُدْ يشْغلُ نفسه إلاَّ بمعرفة إنْ كان القردُ الذي شاهده قبل العملية ، ما زالَ يقفزُ ، أم أنه توقَّفَ عن القفز ؟!

وواجهَ الدكتور (نبيه) بحقيقة التغيير الذي أصابه ، في حالة غضبٍ وثوْرَةٍ ، وقال له :

ـ يا دكتور ، أنا لستُ أنا ... !!

فهو لم يعُدْ يتصرَّفُ في حياته الجديدة ، مثلما كان في حياته الفقيرة ، وتغيَّرت عاداتُه في الأكل ، والنوم . ودفعت زوجتَهُ أن ترتابَ في أمره ، وتشكوهُ لجارةٍ لها قديمةٍ ...

أَمَّا (سعيد أبو الذهب) ، فقد جاءتْهُ المُفاجأةُ من حيثُ لم يحْتَسِبْ ، والعَيْبُ ظهرَ ، هذه المرة ، في زوْجته ، بعد أن اختفى منه هو ، فقد انقطعَ عنها الطَّمْثُ ، وأكَّدَ له طبيبٌ مُخْتَصٌّ أنها بلغتْ سنَّ اليأْسِ ، ولم يعُدْ بمقْدورِها أن يكونَ له ولدٌ !!

ولم يتَّعِظْ ، ولم يعتبرْ ، ولكنه انساقَ وراء أنانيته الطاغية ، وزيَّنَ له الدكتور (نبيه) أنْ يرتبط بامرأة أخرى ، لمدة شهر واحدٍ فقط ، ينْجزان خلالَه عملية التوالد ، وتتحقَّقَ بذلك الفرضية العلميةُ ، والرغبة الإنسانيةُ ، في فُرْصَةٍ واحدةٍ .

وينْهارُ ما كان بينه وبين زوجته الأولى من آصرةٍ قويةٍ كان يسودُها المودَّةُ ، والرحمةُ ، والصَّبْرُ ، وتطْلُبُ منه الطلاقَ ...

ويسْقُطُ مريضاً بين أحضان المرأة الثانية ، ويُصابُ بالشَّلَلِ ...

ويتوسَّلُ (عبد القوي شديد) العِلاجَ منْ ماسحِ أحْذِيةٍ تارةً ، وعند متسوِّلٍ تارةً أخرى ، ويُغْريهما بالمال ، فيرْفُضان عَرْضَهُ بإباءٍ شديدٍ . ويستسلمُ للسُّكْرِ كلَّ ليلةٍ ، ويتعرَّضُ للتقريع والنَّكَدِ من طرف زوجته ، فيُواجهها بالطلاق ...

ويهيمُ في شوارع المدينةِ ، ومسٌّ من الجنون قد بدَّلَ حالَهُ تماماً ...

فلا المالُ ، ولا العلْمُ ، يُغْنيان عن قدر الله . 

وإذا كانت الفُلوسُ تشتري الأكْلَ فإنها تعجزُ أن تشتري النَّفْسَ التي تشتهي الأكلََ .. 

وإن كانت تشتري الدَّواءَ فإنها لا تشتري الصِّحَّةَ والعافيةَ .. 

وإن كانت تشتري السَّريرَ فإنها لا تشتري النَّوْمَ ...

  وهذا هو الكلامُ الصَّوابُ الذي نطقَ به (عبد القوي شديد) قبلَ أن يفقِدَ عقْلَهُ ، ومالَهُ ، وراحةَ بالِهِ ، وأُنْسَ زوجته وعيالِهِ ، في النهاية ...

{ ومنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فإنَّ اللهَ شديدُ العِقابِ } . صدق الله العظيم .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2013-10-21
    قصة بصراحة كانت غاية في الروعة وطلاقة الفكرة
    قد وضحت بحكمة الامور الشائكة والانانية الماحقة
    تلك الأنانية وعدم الرضى بحكم الله تقضي على لحظات الهدوء والسكينة التي كانت متواجده
    ولكن لم يتبصر لها ولم يدركها بعقلانيه
    بورك بكم اخي واستاذي الفاضل الخضر واسعدكم في الدارين
    طيف بخالص التقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق