]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

نسف إساءات الفكر التقليدي لنبي الله سليمان عليه السلام .براهين مفحمة و عبر عظيمة .

بواسطة: جمال العربي  |  بتاريخ: 2013-10-06 ، الوقت: 10:48:19
  • تقييم المقالة:

السلام عليكم .

انتهى زمن الإساءة للقرآن الكريم , و انقضى زمن الإساءة للأنبياء الكرام . و ولى زمن الفهم الخرافي للقصص القرآني .

و حان للشيوخ التقليديين الذين يتكبرون عن عوام الناس  بعلمهم و مالهم .و هم أناس مثلهم .بينما يرمون سليمان عليه السلام بما يسيئ إليه .فزعموا أنه كان يمضي ساعات و ساعات يخاطب النملة , و يسمر مع بومة , و يستفيد من علم هدهد, و ربما يهتدي بكلام دبور ......حان لهؤلاء المشايخ أن يدركوا عظمة القرآن الكريم , و أن يكفوا عن الإساءة إليه بالتمسك بالفهم الخرافي المشوه للإسلام كله .


إليكم قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ .لتعرفوا من هي النملة و من هو الهدهد الموحد الله .



السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
قصة سليمان عليه السلام , في سورة النمل قصة جميلة رائعة مليئة بالمعاني العظيمة و العبر المفيدة. لكن للأسف الشديد , لقد جعلتها التفاسير التقليدية قصة فارغة من المحتوى , عديمة العبر و الفوائد .بل جعلتها جسرا للتفاسير السطحية الخرافية , التي يستحي علماءنا أن يطرحوها بين أيدي البشر الذين يحترمون عقولهم رغم كفرهم. و لكنهم يطرحونها بطمأنينة عجيبة على مسامع المسلمين , الذي ألفوا مجالس العلماء على أنها مقاعد للسمع فقط.يحرم فيه التفكير و السؤال المنطقي .

فالهدهد في سورة النمل عند مشايخنا الأعزاء , هو ذلك الطائر الضعيف غير العاقل و لا المكلف .رغم وجود عشرات أو مئات القرائن التي تثبت يقينا أنه بشر من خاصة جند سليمان عليه السلام .
و يكفي أن تعرف أن قرينة العقل وحدها كافية لإثبات أن الهدهد في قصة سليمان هو بشر و رجل عالم من خاصة جند و علماء سليمان عليه السلام .
لكن للأسف الشديد لقد ألفت الأمة تلك القصص العجيبة الغريبة حيث تتكلم الحيوانات و يتعلم من حكمتها و من علمها أنبياء الله عليهم الصلاة و السلام. و لا ينتبه هؤلاء القوم أنها إساءة رهيبة للأنبياء الكرام.فكيف يتعلم نبي الله من نملة أو من طائر غير عاقل.

كثيرة هي أفلام السينما التي تبدأ فورا بطرح مشهد هو في حقيقة الأمر مشهد من المشاهد التي تتوسط القصة . لكنه مشهد يبين مرحلة من المراحل الهامة في القصة.بمعنى قد يكون هذا المشهد نقطة تحول من الضعف إلى القوة.او من الهوان إلى العزة .

فمثلا , رأينا فيلم الرسالة للعقاد رحمه الله تعالى.و أول ما ترى في الفيلم, هو مشهد رسل رسول الله إلى ملوك العالم آنذاك . ثم يبدأ الفيلم من بعدها من البداية حيث كانت مكة تعيش أيام الشرك و الوثنية قبل مجيء الصادق الأمين خاتم النبيين .

و بعد ذلك بزمن , معتبر نرى نفس اللقطة, و هي انطلاق رسل رسول الله إلى بعض ملوك العالم يومها .

ألا يمكن أن تكون الآية الكريمة ( {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } (18) سورة النمل)).
ألا يمكن أن تكون مقدمة قصيرة لكنها بليغة , تتحدث عن أهم حدث في قصة سليمان مع ملكة سبأ؟.

كيف لا , و هي النقطة التي بينت حكمة الملكة , التي بها جنبت قومها حربا لا نصر فيها لهم ؟.

و هي النقطة التي اعتبرها سليمان عليه السلام, نقطة الحمد و الشكر لله تعالى الذي نصره من غير حرب و لا قتال . إذ لا معنى لغبطة سليمان عليه السلام إذا كان الأمر يتعلق بخراب جحر او جحرين من جحور النمل الضعيفة التي لا حول لها و لا قوة حتى أمام أضعف صبي .او أضعف حيوان من آكلة النمل .

فما قيمة انتصار جيش سلميان على جحر نمل ؟؟؟؟.

ثم يعود النص القرآني العظيم إلى سرد وقائع القصة من البداية .
يقول الله تعالى : {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} (20) سورة النمل.
بدأ سرد القصة الآن من البداية المنطقية لتسلس الأحداث.
و تفقد الطير , فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين؟.

لقد توهم أصحاب الفكر التقليدي أن الهدهد إنما هو ذلك الطائر الضعيف .و تمسكوا بأوهن الخيوط في القضية, و ظنوا أن كلمة الطير وحدها كافية لإثبات كون الهدهد هنا هو طائر و ليس إنسانا عاقلا .

و تناسى القوم أن البشر ايضا كثيرا ما يتسمون بأسماء الحيوانات لسبب أو لآخر.
فهناك من يسمي ابنه ليث.
و لو أنك سمعت أحدا يتحدث قائلا: دخلت حديقة الحيوانات فوجدت ليثا يحدث الناس عن عالم الحيوان , و طبائع السباع .و الناس يستمعون كلامه و يسألونه و هو يجيب .
فهل سيفهم الناس أن الذي كان يتكلم هو أسد هزبر؟.

أم أن قرينة كلامه مع الناس و حواره مع الناس قد تحدد الحقيقة جيدا, بحيث يعلم السامع أن الرجل يتكلم عن رجل اسمه ليث.
نسمع على قناة سوريا الحبيبة في نشرة الاخبار مثل هذه العبارات : أعلن الأسد ان علاقات سوريا و إيران قوية .....

مثلا .


حضرت مرة من المرات جلسة عقد قرزواج .

و بدأ المأذون يقوم بمهمته, فعرف الحضور على كيفية الزواج في الإسلام .و بين أركان الزواج , و شرحها.
ثم شرح كيفية تحقيق صيغة الزواج بأن يقوم ولي الزوج بالتوجه بالخطاب إلى ولي الزوجة قائلا : هل تزوجني ابنتك فلانة لابني فلان على سنة الله و رسوله؟.
و هو الإيجاب.
ثم يقول ولي الزوجة, معلنا قبوله قائلا: نعم قبلت أن أزوج ابنتي فلانة لابنك فلان على سنة الله و رسوله . و هذا هو القبول .

فهم الحضور الكيفية.

ثم مر المأذون لتطبيقها .فسأل أين ولي الزوج ؟.
فأشار الحضور إليه. فأمره بالإقتراب منه .
ثم طلب ذلك أيضا من ولي الزوجة.
ثم توجه لولي الزوج و قال له : ما اسمك ؟.
فأجاب الولي: النمر.
ضحك الحضور بملء أفواههم لهذا الإسم . لكنهم رغم قراءتهم كتاب الله المجيد لا يربطون بين ما يقرءون و ما يعيشونه من مواقف .
لأنهم ببساطة يتوهمون ان هدهد سليمان إنما هو ذلك الطائر غير العاقل .
من خلال الآية الكريمة التي مرت بنا , نرى أول الأدلة على كون الهدهد في القصة إنما هو رجل من خاصة علماء و جند سليمان عليه السلام .
1-و أول برهان هو: لماذا يتفقد نبي الله سليمان الطير؟.
هل هو مبعوث من الله تعالى إلى الطيور؟.
و أي طيور هي ؟.
أم أنها الهداهد فقط؟.
و كلنا يعلم أن الرسول يكون من جنس المرسل إليهم.فلو صح تكليف الطيور لبعث الله لهم طيرا رسولا.
يقول الله تعالى : {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} (95) سورة الإسراء.
2- البرهان الثاني :
مجيء كلمة الهدهد معرفة ب(( الألف و اللام )).
حيث لا بد أن نسأل : هل كان سليمان عليه السلام يتحكم في هدهد واحد بحيث أن ذكره مباشرة ينقلنا للمعهود الذهني ؟.أم أن هناك هداهد كثيرة تحت ملك سليمان؟.
لو قلنا أن سليمان كان يتحكم في طائر واحد لاصطدمنا بنفس الآية , لأنها تتحدث عن الطير .و الطير تشمل طيورا كثيرة و أصنافا من الطير كثيرة .
لو قلنا العكس أن نبي الله سليمان كان يتحكم في طيور كثيرة و هداهد كثيرة , لبثت أن القرآن الكريم يفتقر إلى الدقة. لأنه كان من الأسلم أن يقول: فتفقد الطير فقال : ما لي لا أرى الهدهد رقم 45512 مثلا؟.
أو الهدهد صاحب الرقبة العريانة؟.
3-البرهان الثالث:
أم كان من الغائبين؟.
كلمة الغائبين في الآية دليل قاطع على كون الهدهد هنا اسم لرجل من البشر فقط و ليس طائر الهدهد. لأن الكلمة هنا هي جمع العاقل .
و لو كان المقصود هو طائر الهدهد, لكانت الكلمة تعني جمع غير العاقل , بحيث تصبح قطعا : أم كان من الغائبة؟.
مثل النسور الجارحة, و الضباع القاتلة.
{لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} (21) سورة النمل.
04- البرهان الرابع :
لأعذبنه: هل يعقل أن يتوعد نبي الله سليمان كائنا ضعيفا طائرا غير عاقل بالعذاب؟.
فهل سيقول له الناس: ما أروعك يا نبي الله سليمان.حين تعدب الهدهد .فلا أحد يقدر على عذاب الهداهد غيرك.
05-كثير هم من توهم كون الهدهد هنا هو طائر لمجرد ورود كلمة (( لأذبحنه)) في كلام سليمان عليه السلام .لأنهم يستبعدون ذبح البشر كما يزعمون.
لكنهم لو رجعوا للقرآن الكريم لعرفوا يقينا أن الذبح أيضا قد يمس البشر.يقول الله تعالى على لسان أبي الأنبياء عليه السلام : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات.
و جاء في القرآن الكريم أيضا : {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} (49) سورة البقرة.
و هنا يدرك القارئ الواعي أن وعيد سليمان عليه السلام لهذا الهدهد بالعذاب الشديد أو بالذبح إنما ينم عن عظم جرمه .و لا أظن أحدا ينسب إلى الطيور جرما تجاه رسالة الأنبياء أصلا, لأنها كائنات غير عاقلة و لا مكلفة .
و لا فائدة و لا عبرة من ذبح سليمان عليه السلام هدهدا ضعيفا يمكن للأطفال القبض عليه و ذبحه بلا جهد .
6-البرهان السادس:
(( أو ليأتيني بسلطان مبين )).
لا شك أن سليمان عليه السلام , نبي و ملك عادل.فلا يرضى بتوقيع الحكم قبل المحاكمة . لكن هل من العقل أن ننصب محكمة لمحاكمة أفعال الطيور و الهداهد؟.
و ماذا ننتظر من طيور غير عاقلة أن تقدم بين أيدي القضاة أدلة و براهين على صدقها و بيان عدم جرمها.
فثبت أن سليمان عليه السلام إنما يتوعد بشرا , عاقلا يمكنه أن يخطئ و يمكن عقابه على جرمه .
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} (22) سورة النمل.
7-البرهان السابع :
فمكث غير بعيد فقال:
كلمة فقال وحدها كافية لدحض تفسيرات السطحيين الذي يرون أن هدهد سليمان عليه السلام إنما هو طائر الهدهد بريشه و جسمه الضعيف.
لأن القول يقتضي البيان .و الكائن الوحيد الذي علمه الله تعالى البيان هو الإنسان . لقول الله تعالى : {خَلَقَ الْإِنسَانَ} (3) سورة الرحمن{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (4) سورة الرحمن.
و لا شك أن الإنسان علمه الله تعالى البيان لأنه الكائن العاقل الوحيد من بين جميع مخلوقات الله تعالى في الأرض.
فثبت جليا أن هدهد سليمان إنما هو كائن حي عاقل .
و قرينة العقل لوحدها كافية لإثبات هذه الحقيقة القرآنية , و كافية لنسف كل التفاسير الخرافية التي تقوم على هدم سنن الله تعالى في خلقه .
بحيث يصبح الهدهد كائنا علمه الله البيان , و يتحدث و يقول ...و يؤدي مهمات يعجز عنها كثير من البشر العقلاء.
8-البرهان الثامن:
(( أحطت بما لم تحط به)).
هنا تثبت قرينة وجود العقل لهذا الهدهد يقينا . فهو يعرف أن علم الغيب لا يملكه إلا الله تعالى . و هو يواجه نبي الله سليمان بهذه الحقيقة القرآنية العظيمة .
و لا نرى غضبا من سليمان عليه السلام من هذا الخطاب الذي يثير العزة بالإثم لدى كثيرين من المسئولين و الرؤساء .
09- البرهان التاسع :
((و جئتك من سبأ بنبأ يقين )).
هنا أيضا لا مجال للتبريرات الواهية التي يقدمها دعاة التفاسير السطحية .
فالطيور و الحيوانات جميعا لا تعرف مكان عيشها مطلقا .
فالوحوش التي تعيش في الأدغال الأفريقية , هي ستخبرك أنها تعيش هناك؟.
و لو نقل بعضها إلى سيبيريا , فهل سترفض و تقول : كنا نعيش في أدغال إفريقيا؟.
لكن هدهد سليمان عليه السلام , يعرف معرفة دقيقة للمكان الذي كان فيه و أطال مكثه هناك حتى تأخر عن موعد العودة.
فهو يخبر نبي الله سليمان أنه جاءه بنبأ من مكان معين معروف ألا و هو سبأ .
10-البرهان العاشر:
(( بنبأ يقين)).
هل للكائنات غير العاقلة قدرة على التمييز بين خبر يقين و خبر كاذب أو غير يقيني ؟.
إن قلنا نعم.فذاك يعني أنها صارت عاقلة تماما .أي أنها بشر و ليس حيوانات و طيور.
فهذا الهدهد على ثقة عظيمة بإمكاناته و على يقين بمعلوماته .و هو يسردها و ينفي تسرب احتمال الخطأ فيها مطلقا . فهل يكون هذا لطير غير عاقل؟.
11- البرهان الحادي عشر:
{إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} (23) سورة النمل.
هنا ندخل في البراهين التي لا يماري فيها عاقل قط .
فلا يعقل أبدا أن يصبح هدهد طائر غير عاقل , على كل هذه الثقة و الدراية في مهمته .و الإلمام التام بدقائق امورها . فها هو يعلن أنه وجد قوم سبأ تملكهم ملكة.
ألا يرى أصحابنا أن الهدهد قد أحاط بنظام الحكم عند هؤلاء القوم؟.
و قد ميزه على بقية أنظمة الحكم و وصفه بكونه نظاما ملكيا .
ألا يعني ذلك أن هذا الهدهد إنما هو رجل حكيم عليم, يميز بين دقائق الأمور التي تعرض عليه؟.
و ألا يعني هذا الحكم أنه نتج عن مكث طويل بين القوم, و دراسة تحليلية عميقة لنظام الحكم عند قوم سبأ ؟.
أم أننا ينبغي أن نستسلم لتفاسير السطحية التي تسيء للقرآن الكريم بأن تصوره على أنه كتاب حكايات الحيوان و الطيور؟.
12- البرهان الثاني عشر:
((وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ)).
كيف لطائر غير عاقل أن يقيم ما أوتيت هذه الملكة ؟.
ألا يستدعي الأمر أن نطيل التوقف امام هذا الدليل العظيم؟.
لا يمكن حتى للبشر العقلاء , أن يصدروا أحكاما صحيحة حتى في أبسط المسائل التي يعيشونها يوميا . فكيف بطائر غير عاقل أن يصدر حكما دقيقا صحيحا في حق ملكة هو غريب عن ديارها أولا . و كيف كان له أن يميز أنها أوتيت من كل شيء أم أنه ينقصها شيء كثير؟.
13 البرهان الثالث عشر:
((وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)).
نفس التساؤلات السابقة , نطرحها هنا .لكن يمكن أن نضيف ما هو أعمق .لأننا لو تصورنا أن حكم هذا الهدهد كان يشمل العرش, ككرسي الملكة, لكان الأمر أهون مع استحالة مطلقة أن يقوم بهذا التقييم طائر غير عاقل.
لكن ماذا لو صار المقصود بالعرش هنا , هو الحكم نفسه؟.
ألا نصبح هنا أمام خبير عليم حكيم , بأمور السياسة و الحكم؟.
و هل يكون هذا لطائر غير عاقل ؟.
14- البرهان الرابع عشر:
((
{وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} (24) سورة النمل)).
الحقيقة أن البرهان الرابع عشر يشمل هذه الكلمات و تلك التي في الآية السابقة و في الآيات التي سوف تليها .باعتبارها كلاما منسوبا للهدهد نفسه .
و عليه يا أصحاب العقول الرشيدة, أيمكن لكائن غير عاقل أن يقول كلاما معجزا كهذا؟.
لو جمعنا خيرة علماء اللغة العربية , لما استطاعوا أن يقدموا عبارات كالتي قدمها الهدهد في وصف ملك سبأ .
و هي عبارات تبدأ من (( إني وجدت امرأة تملكهم......رب العرش العظيم)).
حيث اختتم الهدهد كلامه بالحديث عن التوحيد الخالص لله تعالى , مستنكرا سجود قوم سبأ لغير الله تعالى . و كان في هذه الآيات قرينة قاطعة في كون الهدهد هنا رجل من خاصة جند سليمان و من خاصة علمائه.لأن قرينة العقل لدى الهدهد هنا أعظم من أن تقبل تبريرا مها أحكم أصحابه نسجه.
15- البرهان الخامس عشر:
((وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ)).
لا شك أن حكم الهدهد هنا, كان على دراية تامة بنية قوم سبأ . إذ أنه حكم على كفرهم يقينا بدليل قاطع تام .عكس ما يفعله شيوخ المسلمين اليوم الذين لا يتورعون على تكفير مخالفيهم رغم نطقهم بالشهادتين و رغم اتفاقهم في أركان الإيمان و أركان الإسلام .
و لكل من توهم أن الهدهد مر في السماء على قوم سبأ , فحكم عليهم أن يسجدون للشمس , أقول: لو أنك يا صاحب هذا الطرح أنت الرجل العاقل , و البشر المميز المكلف, لو أنك مررت على قوم في الطائرة و لم تنزل إليهم .و رأيتهم في وضعية السجود.
فهل ستحكم أنهم يسجدون للشمس أم أنهم يقومون بتمارين رياضية؟.
هنا يدرك القارئ العاقل أن أصحاب التفاسير السطحية إنما يتعمدون الإساءة للقرآن الكريم بتفاسيرهم الواهية .
إذ أن حكم الهدهد على كفر قوم سبأ كان مبنيا على اطلاعه اليقيني على نوايا حركاتهم .و لم يحكم لمجرد رؤية تلك الحركة .
مما يثبت يقينا أنه مكث عندهم زمنا طويلا يدرس جميع نواحي الحياة اليومية لقوم سبأ .فعرق ان نظام الحكم ملكي. و أم من يحكمهم امرأة و ليست رجلا.و لا أظن أن الطيور يمكنها التفريق بين الرجل و المرأة.
و عرف أنهم وثنيون يتخذون الشمس إله من دون الله تعالى . فهل سيقبل هؤلاء القوم أن هدهد سليمان إنما هو رجل عليم حكيم من خاصة جند سليمان عليه السلام؟.
أم أنهم سيؤثرن التصلب على الباطل و ترك الحق رغم نصاعة بيانه؟.
16-البرهان السادس عشر:
إن قراءة الكلمات التي لخص بها هذا الهدهد العاقل الحكيم حال قوم سبأ بدقة فائقة لهو البرهان القاطع على كونه رجلا عالما حكيما من خاصة جند سليمان عليه السلام .
ذلك أنها عبارات لا يمكن لجهابذة اللغة العربية أن يكتبوا مثلها أبدا.و لاجتمعوا لهذا الغرض.لأنها عبارات وجيزة جدا لكنها تحمل ما يمكن أن يكون كتيبا كاملا عن وصف حال قوم سبأ بهذا الشكل المعجز.بحيث وضح الهدهد من خلال عباراته القليلة حال القوم السياسي , بحيث بين أنهم يعيشون في ظل نظام حكم ملكي.و أن الذي يحكمهم إنما هو ملكة امرأة .و أنها أوتيت من كل شيء و لعل أعظم ما لاحظه الهدهد هو حكمة هذه المرأة التي ستتجلى من خلال بقية القصة القرآنية العظيمة. و من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا .
كما وصف الهدهد عرش الملكة بكونه عرشا عظيما.و لا شك أن الكلمة –عرش- تسمح للمتدبر أن يحملها على معان كثيرة و متعددة .منها أن تكون تعني حاشية الملكة نفسها أو نظام حكمها كلها , بأنه عظيم .مما يوحي بقوة هذه المملكة العظيمة من كل النواحي.
و سنشهد بعد قليل ما يثبت صحة هذا الوجه من المعاني .ذلك أن الملكة بحكمتها لم تنفرد بقرار خطير كدخول حرب مع جيش قوي يرأسه رجل واثق من نفسه و أنه يدعي أنه يتكلم باسم الله الخالق القهار.
ثم يختم الهدهد بكلمات بليغة منقطعة النظير حول توحيد الله تعالى و أنه هو سبيل الهداية وحده .
و لنقرأ كل الآيات مع بعضها مرات و مرات لعل القائلين بكون الهدهد طائرا يستيقظون من سباتهم العميق و يعرفون قيمة كتاب الله المجيد .
(({فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} (22) سورة النمل{إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} (23) سورة النمل{وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} (24) سورة النمل)) {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} (25) سورة النمل{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ*} (26) سورة النمل.
17- البرهان السابع عشر :
{قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (27) سورة النمل.
هذه الآية الكريمة على قلة كلماتها تحمل أدلة و براهين متعددة تثبت يقينا أن هدهد سليمان إنما هو رجل عاقل عالم حكيم من خاصة جند سليمان , و لا تدع مجالا لتبرير التفسير السطحي الخرافي الذي يقبل أن تتفوق الطيور على البشر في المجال العقلي العلمي .
(( قال سننظر أصدقت )).
هل من رفيع مقام أنبياء الله تعالى أن يعقدوا محاكمات للطيور و الحشرات و السباع؟.
ألا يعتبر هذا عبث لا يقبله عقل و لا منطق , فكيف يصح نسبته لله تعالى باعتبار أن القوم يريدون منا أن نصدقوا أن هدهد سليمان إنما هو ذاك الطائر غير العاقل الضعيف .
18-
21-البرهان الحادي و العشرون:
{اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} (28) سورة النمل.
لا شك أن خطاب سليمان عليه السلام هنا , إنما هو خطاب لرجل عاقل .جعله سليمان أول مرة عينا له على مملكة سبأ . و أثبت جدارته , و ها هو نبي الله سليمان الآن يجعله سفيرا , رسولا إلى مملكة سبأ .
و بعد أن أراد سليمان عليه السلام مراسلة قوم سبأ , و بعد أن كتب كتابه أو أمره بكتابته .و لا شك أن عبارات هذا الكتاب إنما كانت على الأقل من إملاء نبي الله نفسه .لأن عباراته ستتضح لاحقا في سياق القصة القرآنية .
و ها هو يخاطب الهدهد هذا السفير الحكيم و قائلا: اذهب بكتابي هذا .
و لو كان نبي الله يتعامل مع الطيور و الهداهد لما صح منه تكليف هدهد قد يضيع في الفلوات.أو قد تأكله الطيور الجارحة الكبيرة من نسور و عقبان .
و لو أن مملكة سليمان عليه السلام كانت تتكون من الأشباح أولي السرعة الفائقة الرهيبة, أو من جميع الطيور و الحيوانات لفضل سليمان عليه السلام أن يرسل عفريتا من الجن الأشباح .أو على الأقل أن ينتدب لهذه المهمة الصعبة نسرا كبيرا قويا , لا يمكن أن يكون عرضة للهلاك في رحلته الطويلة .
لقد توهم المفسرون الأوائل أن نبي الله سليمان أمر الهدهد أن يلقي من السماء إلى قوم سبأ هذا الكتاب دون أن يحضر بينهم و يخاطبهم و يحل ضيفا عليهم .
و تناسى هؤلاء المفسرون أن الطيور غير عاقلة , فلا تدري عمن تلقي رسائل أصحابها .و هي لا تعرف أصلا المكان الذي تعيش فيه فضلا على الأماكن التي تحلق فوقها .
و لا يعني كلام سليمان إلا أنه أمر هذا الرجل أن يكتفي بتبليغ الكتاب فقط .أي بإلقائه عليهم فقط .و أن مضمون الكتاب سيغنيه عن شرح القضية كلها .
ثم تول عنهم.
أي لن يكون من مهمتك أن تبدي رأيا في القضية أصلا .و إنما بمجرد أن تلقي إليهم الكتاب , عليك أن تنصرف لشئونك .و تنتظر ردهم بشأن الكتاب .
22- البرهان الثاني و العشرون :
((فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)).
هذا برهان في غاية القوة و الحجية .و هو بمثابة برهان ثبوت قرينة العقل لدى الهدهد . حيث رأينا أن الكائن العاقل الوحيد في الأرض هو الإنسان .
و هنا في هذا البرهان نرى جليا أن نبي الله سليمان قد جعل من الهدهد حكما على رد مملكة سبأ.فانظر ماذا يرجعون .
و ليس من سنن الله تعالى التي لا تبديل لها و لا تحويلا أن تصبح الطيور و الحيوانات قضاة على الناس.



هنا تبدأ تفاصيل قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ .حيث يقول الله تعالى على لسانها : {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} (29) سورة النمل {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (30) سورة النمل {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (31) سورة النمل.
ها هي ملكة سبأ قد قرأت كتاب سليمان عليه السلام , و عرفت و فهمت ما فيه .و لا شك أن عبارات الكتاب , إنما هي من إملاء سليمان نفسه.لأنها تتحدث بصيغة المتكلم .
و هو كتاب كريم , لما فيه من عبارات جميلة راقية, تخاطب ملكة و فتعطيها مقامها الرفيع .و ليس فيه كلاما عشوائيا , ينم عن تكبر و صلف و غرور بقوة مادية عسكرية .
ثم إن سليمان عليه السلام , لا يفوت فرصة الدعوة إلى الله تعالى .و يخبر ملكة سبأ أنه يتحدث باسم الله الرحمن الرحيم .و ليس متحدثا باسمه الشخصي .
و لم يطلب منهم سليمان عليه السلام إلا أن يقبلوا الإسلام , كدين فيه توحيد الله تعالى بحق.
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} (32) سورة النمل.
23- البرهان الثالث و العشرون :
هذا البرهان إنما هو برهان عقلاني محض , يستنبط من خلال تصرف ملكة سبأ مع كتاب سليمان عليه السلام.حيث نلاحظ أن الملكة و كل الحاضرين أيضا , لم يستغربوا الأمر, بحيث يقولون: ما هذا؟.
طائر يحمل كتابا ؟. إنه لشيء عجيب غريب.
لم ترد أية عبارة في القصة تفيد أن قوم سبأ تملكتهم الحيرة و الدهشة لمنظر الطائر الضعيف و هو يلقي إليهم كتابا من السماء . و ليس في القصة ما يوحي أن القوم استقبلوا القضية على أنها معجزة أو حدثا غريبا .
لذلك نرى جليا أن الأمر يسير بشكل طبيعي جدا جدا . فالسفير من البشر , و يخاطب بشرا مثله , فلا عجب و لا أية إشارة تشير من بعيد أو من قبيل لحادث فريد من نوعه .حيث قام طائر ضعيف بنقل كتاب إلى ملكة عظيمة .
استشارت الملكة حاشيتها في تواضع كبير .و طلبت منهم أن يفتوها في أمرها .لعظم هذا الأمر.مما يؤكد يقينا أن المسألة ليست مسألة أن طائرا مر فوق مملكة سبأ و ألقى كتابا . بل القضية أعقد من هذا و اخطر بكثير. فوراء الكتاب ملك يدعي أنه نبي يتكلم باسم الله .
{قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} (33) سورة النمل.
جاء رد الحاشية الملكية على ملكتهم , بأنهم قوم أولو بأس شديد و أنهم أولو قوة كبيرة , و لا يخشون الحرب .و لا ينتظرون سوى قرار الملكة الحكيمة .أما باقي ما في الكتاب فلا يعنيهم البتة . فهم ينظرون إلى صاحب الكتاب على أنه ملكا دنيويا , يريد الإستيلاء على ملكهم و خيراتهم .
لكن الملكة التي استحقت هذا المنصب عن جدارة فائقة, ترى ما لا يرى حاشيتها .فهي رأيت في الكتاب ما يشير إلى علو مقام صاحبه قطعا .و لا يفيد التسرع في الحكم على قضايا لا تزال معظم تفاصيلها غامضة مستورة .
فقررت الملكة أن تسبر أغوار القضية جيدا قبل أن تتخذ أي قرار قد يكون وبالا عليها و على مملكتها .
اهتدت الملكة الحكيمة إلى حيلة محكمة و هي أن تختبر نفسية صاحب الكتاب قبل أن تتخذ قرارا بشأن مطلبه .فهي تعرف شئون الملوك معرفة كبيرة , و تدرك أن غالبيتهم إنما هم ملوك متع دنيوية لا غير. و همهم الأوحد هو التسلط على رقاب الناس و إذلال من حولهم .
لكنها توسمت في الكتاب ما يفيد بوجود استثناء من هذه العينة الملكية التي تعرفها الملكة .فقالت: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (34) سورة النمل. {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (35) سورة النمل.
و هنا تتكشف حكمة و نوايا الملكة, بحيث قررت أن تدخل صاحب الكتاب في امتحان من خلاله ستعرف يقينا إن كان من الملوك التي تعرفهم أم أنه ملك من نسيج خاص يتحدث باسم الله تعالى و لا يريد غير الخير للناس.
{فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} (36) سورة النمل.
لم تكن حكمة نبي الله سليمان أن تتخلف في أمر خطير كهذا .بل أدرك على الفور أن ملكة سبأ تريد امتحانه في حقيقته التي حملها كتابه الكريم .فثارت غضب نبي الله سليمان عليه السلام, بشأن هذا التصرف الإستدراجي.و أعلن أن الملك الذي آتاه الله تعالى خير من هدايا هؤلاء القوم كلها .
24-البرهان الرابع و العشرون:
{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} (37) سورة النمل.
البرهان في كلمة (( ارجع إليهم)) .
لقد رأينا أن المفسرين القدامى توهموا أن الهدهد هو ذلك الطائر الضعيف و لمجرد إمكانية إرسال خطاب او كتاب مربوط تحت جناحه أو على قدمه . و عن كان الأمر أعقد مما يتصورون .
إذ من كان ليحل رباط الكتاب من على قدم الهدهد أو من تحت جناحه؟ , كي يلقيه ليهم من عل؟.
لكن هنا تتضح القضية أكثر و بشكل جلي .
يقول سليمان عليه السلام مخاطبا الهدهد ارجع إليهم .
أي عد إليهم .لكن هذه المرة , لا توجد إشارة البتة أن حمله كتابا أو رسالة ما.
مما يعني بالضرورة انه حمله رسالة شفوية . و هذا يزيل كل لبس في القضية .حيث أن مخاطبة الهدهد لقوم سبأ , لن تفسر على أنها معجزة ربانية .أجراها الله على يدي نبي من أنبيائه .
و إنما الأمر لا يستدعي حدوث أية معجزة , فها هو الهدهد يخاطب قوم سبأ مباشرة .و يفهمونه و يفهمهم و لو بواسطة ترجمان .
و من خلال الآية الكريمة كلها , نرى فحوى تلك الرسالة الشفوية التي حملها الهدهد العاقل الحكيم إلى قوم سبأ .(( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)).
إنها رسالة بمثابة إعلان حرب على هؤلاء المتمردين الذين لا يسمحون بالدعوى إلى الله تعالى أن تعبر وطنهم الذي انغمس أهله في براثن الوثنية .
{قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (38) سورة النمل.
أدرك نبي الله سليمان أن شدة بأس قوم سبأ , قد سولت لهم أنهم على استطاعة تامة لصد جيوش سلميان, و هم في الحقيقة لا يعرفون عنها شيئا .و أدرك سليمان أن القوم لا يريدون الإستسلام , كما توهم بعض المفسرين من قبل .لأن القصة كلها تثبت يقينا أن قوم سبأ إنما أرادوا الحرب و ليس الاستسلام .
فأراد سليمان عليه السلام أن يريهم قوته العظيمة و أنهم ليسوا في مقام قوته و منافسته و حربه .و على عكس التفسيرات التقليدية التي توهمت أن نبي الله سليمان أراد أن يستولي على عرش الملكة أي كرسيها , لتتفاجأ حين تراه .لا أرى أن كرسي أو عرش الملكة المادي قد خطر على بال سليمان عليه السلام, الذي رفض الهدايا من قبل .فالعرش أي الكرسي لن يكون أكثر من متاع مهما غلا و مهما علت قيمته .
فضلا على أن السرقة حرام , و لا شك أن الأنبياء الكرام هم أرفع من أن يمارسوا مثل هذه التصرفات .
و ليس في القصة ما يشير إلى استسلام الملكة أصلا , و أنها ستقدم إلى حيث قصر سليمان عليه السلام مستسلمة .و إنما ما يوجد في القصة أن الملكة تدبرت الأمر هي و حاشيتها و آثروا صد الجيوش الغازية بالقوة .و لم تحضر هي لسليمان كما توهم البعض.
بل بالعكس , لقد استدعى الأمر أن ينتقل نبي الله سليمان في جيشه إلى حيث الملكة .
لذا يبدو أن الأقرب إلى الصواب أن نبي الله سليمان طلب من خاصة جند من يريد أن يتأمر الجيش لغزو هؤلاء القوم , و يخضع مملكتهم لحكم سليمان .
أيكم يأتيني بعرشها أي من يستطيع أن يقود الجيش لإخضاع ملك هؤلاء المتمردين ؟. و هذا معنى يأتيني بعرشها.
{قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} (39) سورة النمل.



هنا تبدأ تفاصيل قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ .حيث يقول الله تعالى على لسانها : {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} (29) سورة النمل{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (30) سورة النمل{أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (31) سورة النمل.
ها هي ملكة سبأ قد قرأت كتاب سليمان عليه السلام , و عرفت و فهمت ما فيه .و لا شك أن عبارات الكتاب , إنما هي من إملاء سليمان نفسه.لأنها تتحدث بصيغة المتكلم .
و هو كتاب كريم , لما فيه من عبارات جميلة راقية, تخاطب ملكة و فتعطيها مقامها الرفيع .و ليس فيه كلاما عشوائيا , ينم عن تكبر و صلف و غرور بقوة مادية عسكرية .
ثم إن سليمان عليه السلام , لا يفوت فرصة الدعوة إلى الله تعالى .و يخبر ملكة سبأ أنه يتحدث باسم الله الرحمن الرحيم .و ليس متحدثا باسمه الشخصي .
و لم يطلب منهم سليمان عليه السلام إلا أن يقبلوا الإسلام , كدين فيه توحيد الله تعالى بحق.
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} (32) سورة النمل.
23- البرهان الثالث و العشرون :
هذا البرهان إنما هو برهان عقلاني محض , يستنبط من خلال تصرف ملكة سبأ مع كتاب سليمان عليه السلام.حيث نلاحظ أن الملكة و كل الحاضرين أيضا , لم يستغربوا الأمر, بحيث يقولون: ما هذا؟.
طائر يحمل كتابا ؟. إنه لشيء عجيب غريب.
لم ترد أية عبارة في القصة تفيد أن قوم سبأ تملكتهم الحيرة و الدهشة لمنظر الطائر الضعيف و هو يلقي إليهم كتابا من السماء . و ليس في القصة ما يوحي أن القوم استقبلوا القضية على أنها معجزة أو حدثا غريبا .
لذلك نرى جليا أن الأمر يسير بشكل طبيعي جدا جدا . فالسفير من البشر , و يخاطب بشرا مثله , فلا عجب و لا أية إشارة تشير من بعيد أو من قبيل لحادث فريد من نوعه .حيث قام طائر ضعيف بنقل كتاب إلى ملكة عظيمة .
استشارت الملكة حاشيتها في تواضع كبير .و طلبت منهم أن يفتوها في أمرها .لعظم هذا الأمر.مما يؤكد يقينا أن المسألة ليست مسألة أن طائرا مر فوق مملكة سبأ و ألقى كتابا . بل القضية أعقد من هذا و اخطر بكثير. فوراء الكتاب ملك يدعي أنه نبي يتكلم باسم الله .
{قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} (33) سورة النمل.
جاء رد الحاشية الملكية على ملكتهم , بأنهم قوم أولو بأس شديد و أنهم أولو قوة كبيرة , و لا يخشون الحرب .و لا ينتظرون سوى قرار الملكة الحكيمة .أما باقي ما في الكتاب فلا يعنيهم البتة . فهم ينظرون إلى صاحب الكتاب على أنه ملكا دنيويا , يريد الإستيلاء على ملكهم و خيراتهم .
لكن الملكة التي استحقت هذا المنصب عن جدارة فائقة, ترى ما لا يرى حاشيتها .فهي رأيت في الكتاب ما يشير إلى علو مقام صاحبه قطعا .و لا يفيد التسرع في الحكم على قضايا لا تزال معظم تفاصيلها غامضة مستورة .
فقررت الملكة أن تسبر أغوار القضية جيدا قبل أن تتخذ أي قرار قد يكون وبالا عليها و على مملكتها .
اهتدت الملكة الحكيمة إلى حيلة محكمة و هي أن تختبر نفسية صاحب الكتاب قبل أن تتخذ قرارا بشأن مطلبه .فهي تعرف شئون الملوك معرفة كبيرة , و تدرك أن غالبيتهم إنما هم ملوك متع دنيوية لا غير. و همهم الأوحد هو التسلط على رقاب الناس و إذلال من حولهم .
لكنها توسمت في الكتاب ما يفيد بوجود استثناء من هذه العينة الملكية التي تعرفها الملكة .فقالت: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (34) سورة النمل.{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (35) سورة النمل.
و هنا تتكشف حكمة و نوايا الملكة, بحيث قررت أن تدخل صاحب الكتاب في امتحان من خلاله ستعرف يقينا إن كان من الملوك التي تعرفهم أم أنه ملك من نسيج خاص يتحدث باسم الله تعالى و لا يريد غير الخير للناس.
{فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} (36) سورة النمل.
لم تكن حكمة نبي الله سليمان أن تتخلف في أمر خطير كهذا .بل أدرك على الفور أن ملكة سبأ تريد امتحانه في حقيقته التي حملها كتابه الكريم .فثارت غضب نبي الله سليمان عليه السلام, بشأن هذا التصرف الإستدراجي.و أعلن أن الملك الذي آتاه الله تعالى خير من هدايا هؤلاء القوم كلها .
24-البرهان الرابع و العشرون:
{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} (37) سورة النمل.
البرهان في كلمة (( ارجع إليهم)) .
لقد رأينا أن المفسرين القدامى توهموا أن الهدهد هو ذلك الطائر الضعيف و لمجرد إمكانية إرسال خطاب أو كتاب مربوط تحت جناحه أو على قدمه . و إن كان الأمر أعقد مما يتصورون .
إذ من كان ليحل رباط الكتاب من على قدم الهدهد أو من تحت جناحه؟ , كي يلقيه إليهم من عل؟.
لكن هنا تتضح القضية أكثر و بشكل جلي .
يقول سليمان عليه السلام مخاطبا الهدهد ارجع إليهم .
أي عد إليهم .لكن هذه المرة , لا توجد إشارة البتة أنه حمله كتابا أو رسالة ما.
مما يعني بالضرورة انه حمله رسالة شفوية . و هذا يزيل كل لبس في القضية .حيث أن مخاطبة الهدهد لقوم سبأ , لن تفسر على أنها معجزة ربانية .أجراها الله على يدي نبي من أنبيائه .
و إنما الأمر لا يستدعي حدوث أية معجزة , فها هو الهدهد يخاطب قوم سبأ مباشرة .و يفهمونه و يفهمهم و لو بواسطة ترجمان .
و من خلال الآية الكريمة كلها , نرى فحوى تلك الرسالة الشفوية التي حملها الهدهد العاقل الحكيم إلى قوم سبأ .(( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)).
إنها رسالة بمثابة إعلان حرب على هؤلاء المتمردين الذين لا يسمحون بالدعوة إلى الله تعالى أن تعبر وطنهم الذي انغمس أهله في براثن الوثنية .
{قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (38) سورة النمل.
أدرك نبي الله سليمان أن شدة بأس قوم سبأ , قد سولت لهم أنهم على استطاعة تامة لصد جيوش سلميان, و هم في الحقيقة لا يعرفون عنها شيئا .و أدرك سليمان أن القوم لا يريدون الاستسلام , كما توهم بعض المفسرين من قبل .لأن القصة كلها تثبت يقينا أن قوم سبأ إنما أرادوا الحرب و ليس الاستسلام .
فأراد سليمان عليه السلام أن يريهم قوته العظيمة و أنهم ليسوا في مقام قوته و منافسته و حربه .و على عكس التفسيرات التقليدية التي توهمت أن نبي الله سليمان أراد أن يستولي على عرش الملكة أي كرسيها , لتتفاجأ حين تراه .لا أرى أن كرسي أو عرش الملكة المادي قد خطر على بال سليمان عليه السلام, الذي رفض الهدايا من قبل .فالعرش أي الكرسي لن يكون أكثر من متاع مهما غلا و مهما علت قيمته .
فضلا على أن السرقة حرام , و لا شك أن الأنبياء الكرام هم أرفع من أن يمارسوا مثل هذه التصرفات .
و ليس في القصة ما يشير إلى استسلام الملكة أصلا , و أنها ستقدم إلى حيث قصر سليمان عليه السلام مستسلمة .و إنما ما يوجد في القصة أن الملكة تدبرت الأمر هي و حاشيتها و آثروا صد الجيوش الغازية بالقوة .و لم تحضر هي لسليمان كما توهم البعض.
بل بالعكس , لقد استدعى الأمر أن ينتقل نبي الله سليمان في جيشه إلى حيث الملكة .
لذا يبدو أن الأقرب إلى الصواب أن نبي الله سليمان طلب من خاصة جنده من يريد أن يتأمر الجيش لغزو هؤلاء القوم , و يخضع مملكتهم لحكم سليمان .و هدفه الرئيس و الوحيد هو سماحهم بنشر دعوة التوحيد لا غير.
أيكم يأتيني بعرشها أي من يستطيع أن يقود الجيش لإخضاع ملك هؤلاء المتمردين ؟. و هذا معنى يأتيني بعرشها.
{قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} (39) سورة النمل.
هنا بالضبط ينبغي للمسلمين الذين ألفوا قصص الجن و العفاريت أن يعودوا للقرآن الكريم ,ليبحثوا حقيقة الجن و العفاريت .و هل حقا قال القرآن الكريم بوجود صنفين من الكائنات الحية العاقلة و المكلفة ؟.أم أننا توارثنا هذا الفهم من غير دليل مقبول ؟.
ما يجب على كل عاقل الإقرار به , دون مكابرة , هو انعدام الدليل المادي الذي يثبت وجود الجن الأشباح و العفاريت.فلا أحد بوسعه إثبات وجود الأشباح بدليل مادي يقبله كل البشر العقلاء.
حتى أولئك الذين يدعون استخدام الجن و التحكم فيهم, يبقون عاجزين إذا ما طلبت منهم تقديم دليل مادي واحد يثبت وجود الأشباح .رغم ادعاء بعضهم أنهم يحرقون الجن .و يتناسى هؤلاء أن الإحراق لا يكون إلا لأشياء مادية تتكون من مواد عضوية تشتغل .و لا بد من أن يتولد من اشتعالها بقايا كالرماد مثلا .
و عليه فلا حجة لمن يوهم الناس أن الجن من الغيب .إذ لا يمكن حرق شيء من الغيب مطلقا , و لا التحكم فيه البتة.
و الحكم الفيصل هنا هو كتاب الله المجيد .
و المتدبر لكتاب الله سيرى بوضوح أن القرآن الكريم كتاب الله العليم للبشر فقط .فالخطاب القرآني كله موجه للناس و للإنسان , و من هنا ندرك أن أوهام القائلين بوجود الجن الأشباح و تكليفهم إنما نتج عن تعاملهم مع كتاب الله المجيد بتجزئة آياته و محاولة فهمها كل آية بعيدة عن باقي آي الذكر الحكيم .
كأن يتناول إنسان قول الله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات.
فالآية الكريمة قد توحي للقارئ المكتفي بهذه الآية أن الله تعالى خلق صنفين من الكائنات المكلفة , جن أشباح و بشر ناس .
لكن بمجرد العودة إلى كتاب الله الذي لا يظلم و لا ينسى و لا يتناسى نصف المكلفين على فرض وجودهم , فحين يقرأ القارئ قول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (21) سورة البقرة.
هنا لا بد للإنسان الواعي أن يسأل : لماذا خص الله تعالى الناس فقط بالأمر بالعبادة مع أنه خلق لعبادته صنفين جن و بشر؟.
و لا شك أن المسلمين الذين حرموا أنفسهم بركات الفكر الإسلامي الأحمدي سيحتارون في هذا المقام .فلا هم يستطيعون الإدعاء أن الله تعالى نسي الجن من الأمر بعبادته .و لا هم يستطيعون حل الإشكال هنا .
لكن الفكر الإسلامي الأحمدي الذي يدعو الإنسان المسلم أن يبحر في علوم القرآن الكريم ,سيجعله حتما يبحث لحل الإشكال.و لا يتطلب الأمر سوى الرجوع إلى القرآن الكريم .ليعلم صاحبنا أن الله تعالى قال في كتابه المجيد : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30) سورة الروم.
فالإسلام هو دين الله الحنيف الذي فطر الناس عليه .
و لم تذكر الآية الكريمة أن الله تعالى جعل الإسلام دين الفطرة التي فطر عليها كائنا آخر غير الإنسان . و مرة أخرى نجد أنفسنا أمام السؤال الملح:هل يمكن أن الله تعالى تجاهل ذكر الجن ؟.
أو و العياذ بالله : هل يمكن أن الله تعالى نسي ذكر نصف المكلفين؟.
و الجواب: حاشا لله تعالى أن يظلم أو أن ينسى .
و يبحر صاحبنا في علوم القرآن الكريم , مستنبطا من البراهين ما يكشف عنه تفاصيل اللغز المحير.فيقرأ قول الله تعالى : {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (72) سورة الأحزاب.
و تبدأ فكرة كون الإنسان هو الكائن العاقل المكلف الوحيد في الأرض تترسخ في عقل صاحبنا الباحث عن الحق.
فالآية الكريمة تذكر أن الأمانة مهما كان تفسيرها إنما حملها الإنسان .و لا تذكر الآية أن الجن حملت الأمانة .
و ليستزيد صاحبنا من معارف القرآن, لا بد عليه من البحث أكثر فأكثر , فيبحث عن مناسك الجن الأشباح في كتاب الله المجيد .
لكنه لن يجد مناسك الجن مذكورة في كتاب سماوي هو من المفروض كتاب الجن أيضا . لكن حيرة صاحبنا تتبدد كلما غاص أكثر في بحار علوم القرآن المجيد .لأنه سيقرأ أيضا قول الله تعالى : {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم.
فيدرك صاحبنا يقينا أن مهمة رسول الله هي إخراج الناس فقط من الظلمات إلى النور.
و أمام الكم الهائل من آي الذكر الحكيم التي تذكر الناس و الإنسان و لا تذكر الجن و الأشباح حين تتحدث عن المناسك و العبادات يدرك مرة أخرى أن الكائن العاقل المكلف الوحيد هو الإنسان .
ثم يمضي صاحبنا باحثا الموضوع من جديد , ليجد أن الله تعالى يؤكد لنا هذه الحقيقة التي طالما غابت عن أذهان المسلمين .فصاحبنا حين يقرأ قول الله تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} (96) سورة آل عمران.
و قول الله تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى ..............} (185) سورة البقرة.
البيت وضع للناس.
و رمضان أنزل فيه القرآن هدى للناس .
هنا لا بد أن يعي صاحبنا أنه ليس في الأمر نسيان و لا تجاهل ظالم لنصف المكلفين, و إنما هو إصرار قرآني عظيم على أن الله تعالى خلق الناس البشر و كلفهم بعبادته .
و بعد فراغه من البحث عن مناسك الجن الأشباح و التي لم و لن يجدها مذكورة في كتاب الله , سيتجه صاحبنا للبحث عن الحديث بشأن عاقبة الجن .و هل يدخلون الجنة و النار كما سمعنا من مشايخنا الأفاضل من غير برهان مقبول؟.
و هنا تستوقفه آيات قرآنية عظيمة .يقول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6) سورة التحريم.
وقودها الناس و الحجارة .
و ليس في القرآن ذكر للجن الذين يدخلون النار .لا سيما حين يقرأ صاحبنا قول الله تعالى : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} (103) سورة هود.
ذلك يوم مجموع له الناس .
و لا يجد صاحبنا ذكر الجن مرة أخرى حين الحديث عن يوم القيامة .لأنه يوم مجموع له الناس فقط .
و لكنه سيقرأ أيضا قول الله تعالى : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (179) سورة الأعراف.
و هنا سيحتار صاحبنا قليلا , لكن لاستحالة وجود تناقض واحد في كتاب الله المجيد , سيدرك صاحبنا أن النار التي قال الله تعالى عنها , وقودها الناس و الحجارة , هي نفس النار التي ذرأ لها الله تعالى كثيرا من الجن و الإنس.و لا يمكن أن يكون هذا خلل أو تناقض في كتاب الله المجيد.
و سرعان ما تستوقفه كلمات الآية الكريمة (( قلوب ....أعين.....آذان)).
عندها سيرى جليا أن كلا الصنفين لهما نفس الأعضاء البدنية المادية .و يتلاشى الغموض بفضل الله تعالى .ليهتف صاحبنا فرحا مسرورا: (( الناس تشمل الجن و الإنس)).
لكنه قد يقول: لعل الناس تصلح بشأن البشر الماديين .كما تصلح بشأن الجن الأشباح؟.
فيعود باحثا مرة أخرى في كتاب الله المجيد , ليجد نفسه أمام الجواب القرآني العظيم الذي يحدد من هم الناس .يقول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ..........} (5) سورة الحـج.
و هنا لا بد أن الحقيقة قد ظهرت .فالكائن العاقل الوحيد الموجود في الأرض و المكلف بعبادة الله تعالى هو الإنسان الذي خلقه الله تعالى من تراب .
و هنا لا بد من الرجوع للغة العربية و لكونها واحد من مفاتيح فهم كتاب الله المجيد .ليجد صاحبنا نفسه أمام تعريف اللغة للجن.
و يجد أن كلمة الجن جاءت من الفعل : جن.
الذي يعني اختفى و استتر.
كما يعني تسلط و سيطر و هيمن .
و كما يعني أيضا, حذق و برع في صنعة ما أو في مهنة ما .
و لا شك أن التطبيقات اليومية للكلمة ستساعد صاحبنا في حل اللغز المحير.
فإذا غفلت لحظة عن زميلك الذي كان بجنبك ثم افتقدته بسرعة, فستقول: أين ذهب ؟.كأنه جان.
و إذا تعطلت سيارتك , و عجز عن إصلاحها كثيرون من الحرفيين في ميكانيك السيارات , ثم دلك أحدهم على ميكانيكي حاذق .و ذهبت إليه, و أعطاك موعدا لاستلام سيارتك .
و في الموعد ذهلت لإصلاحه سيارتك .فستقول : إنه جان أو شيطان , مادحا و ليس ذاما له .
و هنا نعود إلى موضوعنا الرئيس , لنبحث حقيقة العفريت من الجن .في ضوء حقيقة قرآنية عظيمة ألا و هي وجود كائن حي عاقل و مكلف واحد و هو الإنسان .
و نعود لقواميس اللغة العربية , لنجد أن العفريت أو العفرية النفرية هو الرجل البارع الحاذق.
و تتكشف لنا الحقيقة كاملة , و هي أن عفريت سليمان عليه السلام لم يكن سوى رجلا من العباقرة الذين يستعين بهم سليمان عليه السلام في المهام الجليلة .
لا سيما حين نتذكر وصية الله تعالى للإنسان المؤمن بألا يتبع خطوات الشياطين .و من المستحيل أن يكون سليمان قد خالف أمر الله و صار يتعامل مع الشياطين و الجن الأشباح التي لا حقيقة لها أصلا .
قال هذا الرجل البارع لسلميان بإمكاني إخضاع هؤلاء القوم لحكمك قبل أن تقوم من مقامك .أي في مدة وجيزة جدا .لكن هناك من كان أقدر منه , على إنجاز المهمة و في ظرف زمني أقل مما اقترحه العفريت .
{قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (40) سورة النمل.
الطرف في اللغة العربية يطلق على العين .
و العين يقصد بها أيضا من يقوم بالتجسس أو بحراسة قوم أو شيء ما .و بعبارة أشمل الطرف يقصد الرجل الذي بعثه سليمان لاستخبار حال القوم .
و يكون بذلك أن الزمن الذي يتطلب إنجاز المهمة من طرف الذي عنده علم من الكتاب إنما هو إلى حين رجوع الرجل الذي حمله سليمان مهمة الإطلاع على حال القوم و من الممكن جدا أن يكون المقصود هو الهدهد نفسه , الذي أمره سليمان عليه السلام بالرجوع إلى قوم سبأ برسالة شفوية .(( ارجع إليهم)).
عهد سليمان مهمة إخضاع هؤلاء القوم للذي عنده علم من الكتاب , و لا شك أنه رجل عليم بفنون الحروب و القتال , ذو دراية واسعة بخطط الحرب .
تأمر الجيش و اتجه نحو مملكة سبأ , لينجز المهمة, حيث لا يوجد في القصة و لا في موضع آخر من كتاب الله المجيد ما يدل أن قوم سبأ قد استسلموا لسليمان , بل على العكس تماما لقد أبدوا استعدادهم التام للمواجهة لأنهم قوم أولو بأس شديد و أولو قوة .
دخل جيش سليمان عليه السلام مملكة سبأ , التي كانت تتمتع بحكمة و بعد نظر, و كانت مع حاشيتها قد درست الموضوع جيدا, و بدا لهم أن يراقبوا حال جيش سليمان من مكان بعيد يمسح لهم بقياس قوتهم إلى قوته قبل الدخول في القتال .
و يبدو أنها اتخذت كل التدابير التي من شأنها حماية نفسها و حاشيتها.فغادرت القصر الملكي , على مكان آمن , حتى لا تكون في متناول جيش سليمان.
جاءتها أخبار جيش سليمان, و نقلت لها عظيم قوته , و عظيم عدته و عتاده.فأدركت الملكة أن جيشها لا يقارن أبدا بجيش سليمان عليه السلام.و أن دخول معركة مع هذا الجيش العرمرم , إنما هو ضرب من ضروب الإنتحار الأكيد.و أن جيش سليمان سيقضي على جيشها دون أن يتكبد خسائر تذكر.
هنا , ظهرت قمة الحكمة عند ملكة سبأ .و أدركت أن قوة سليمان لا تقهر أبدا . و غرفت من قبل من رسالة سليمان أنه نبي كريم ذو أخلاق عالية رفيعة .
و آثرت الملكة أن تجنب قومها الدمار و الويلات .و هي تعلم أن من لزم بيته فهو آمن .فأصدرت أوامرها لجيشها و بقية رعيتها : ((حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.18.
و هي اللحظة المفصيلة في القصة, و هي القرار السليم الحكيم الذي جنبت به الملكة دمار قومها .و كانت هذه اللحظة هي التي بدأ بها القرآن الكريم سرد قصة سليمان عليه السلام .لعظم هذه اللحظة و عظم قرار الملكة.
و كان موقفها هذا حكيما , و كان بالنسبة لسليمان عليه السلام, فتحا عظيما , حيث قبل هؤلاء القوم الحق من غير إراقة قطرة دم واحدة.
لذا توجه سليمان عليه السلام لله تعالى حامدا , شاكرا أنعم الله تعالى .
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.19.
بل طالبا عون الله تعالى في شكره الله على هذه النعمة العظيمة و على هذا الإنتصار الباهر المنزه عن سفك الدماء.
أما ان يدعي أحد أن سليمان تبسم و حمد الله , و شكره لخوف النمل من جيش سليمان , فهذا ضرب من الوهم و من الجنون .
فما قيمة جحر نمل امام جيش عرمرم؟.
و اية فائدة في أن يخاف النمل من جيش قوي ؟.
و كل العقلاء يدركون أن إهلاك جحور النمل لا يتطلب جيشا و لا حتى جنديا واحدا, بل يكفي أن توجه نحو الجحر أو نحو الجحور العديدة للنمل , جدول ماء صغير , فما يلبث النمل حتى يهلك , و ياخذه الماء و يبدده .
أو أن تضرم النار في جحور النمل , فتفرق جموعها و تفني الأعداد الكبيرة منها .
دخل جيش سليمان عاصمة المملكة , و وصلوا إلى القصر الملكي , و دخلوه فلم يجدوا لا الملكة و لا حاشيتها .بل كان القصر فارغا .
تأمل لسيمان عليه السلام حال القصر, فإذا هو مليء بالتماثيل التي تصور الشمس إله هؤلاء القوم .و تأمل الصور الكثيرة التي ترمز للوثنية التي كان يغرق فيها قوم سبأ .
و أرسل سليمان للملكة أن تعود لقصرها معززة كريمة, لأن موقفها كان من الحكمة و العلم , ما ينم عن عقل الملكة الرصين .و أن حكمها لن يتغير بل ستبقى هي الملكة كما كانت , لأن نبي الله سليمان ليس ملكا دنيويا همه الثروات و التكاثر في الأموال و في النفوذ .
و في انتظار وصولها , أمر سليمان عليه السلام جنوده أن ينكروا لها عرشها .بمعنى أن يزيلوا مظاهر الوثنية جميعا .دون أن تطال أيديهم أي شيء آخر .
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ.41.
و لم يكن المقصود بالهداية في قول سليمان مجرد معرفة الملكة لعرشها أو سريريها كما توهم بعض المفسرين, و إنما أراد أن يختبر علم الملكة و حكمتها, و كيف سيكون موقفها عندما ترى أن مظاهر الوثنية كلها لم تنفعها .
و أن كل آلهتها لا تغني عن نفسها شيئا .فها هي كل مظاهر الوثنية قد أزيلت .لكن الآلهة ما حركت ساكنا قط. فكان سليمان ينتظر من ملكة سبأ أن تهتدي للحق , و أن النافع و الضار و القادر إنما هو الله تعالى الذي لا إله غيره .و هذه هي الهداية .
و سوف يرى القارئ أن ظن سليمان عليه السلام لم يخب في الملكة . و سنرى موقفها حين تأتي و ترى قصرها .
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ.42.
جاءت الملكة , و دخلت قصرها , و رأت أنها لا تزال ملكة مملكتها دون منازع .و أن شيئا لم يتغير سوى دخول دعوة سليمان مملكتها و هي دعوى التوحيد لا غير .
فقيل لها : أهكذا عرشك؟.
فكان منطقيا عادلا : كأنه هو .
أي أنني ما دمت ملكة مملكتي كما كنت من قبل , دون اضطهاد أو استعمار , فعرشي هو هو .و ما زوال تلك الأوثان و التماثيل و صور الآلهة المزيفة شيء يذكر مقابل نعمة بقاء ملكها .و اهتدت ملكة سبأ هنا إلى الحق.و عرفت أن سليمان عليه السلام إنما هو نبي من أنبياء الله تعالى و ليست لديه رغبة في استعمار قوم غيره و الاستحواذ على خيراتهم .
و أوتينا العلم من قبلها , و كنا مسلمين , قيل أن من كلام سليمان عليه السلام, و يعني أن العلم الحقيقي هو العلم الذي يهدي صاحبها لحقيقة التوحيد و عبادة الله تعالى .و هو ما لم تكن ملكة سبأ تعلمه.و لذلك لم تكن من المسلمين الموحدين الذين يعلمون حقيقة الله تعالى .
و هو ما سنجده في الآية التالية : وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ.43.
حيث ان عبادتها للأوثان هو الذي صدها عن العلم الحقيقي و هو توحيد الله تعالى .و كل ذلك لأنها كانت من قوم كافرين.بعكس الآية السابقة التي تصف سليمان و قومه أنهم قوم مسلمون .
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.44.
قيل لها : ادخلي الصرح .
أي تفضلي بالعودة إلى ملكك كما كنت من قبل .
فلما تأملت ما جرى في مملكتها من تغيرات جذرية , حسبت الأمر لجة.أن أنها رأت أن قيادة المملكة اليوم في ظل كل هذه المتغيرات هو بمثابة بحر شديد الأمواج .
و لا شك أن قارءنا يتذكر أن المفسرين القدامي , قالوا : أن ملكة سبأ إنما كانت ابنة جنية .و أن قدميها كانا قدمي عنزة أو حمار.
و ان سليمان عليه السلام أراد أن يرى قدميها .فأمر ببناء صرح عظيم, و أمر أن يكون سطحها الداخلي حيث يمشي الماشي , من زجاج , و من يجري من تحته الماء.
حتى تقوم الملكة بسحب ثيابها عن ساقيها و يتسنى له رؤية ساقيها .
و هي تأويلات سخيفة لا عبرة فيها فضلا أنه خرافة , و انها إساءة رهيبة لنبي الله سليمان .الذي لا يغض بصره .
و لم ينتبه هؤلاء أن ملكة سبأ الحكيمة, لا يمكن أن تنخدع بمجرد رؤية الماء , فكشف ساقيها .و أنه بإمكانها, دخول الماء بثيابها حفاظا على سرها القاتل هذا.
لكن الأمر ببساطة شديدة , لقد رأت الملكة أن سياسة ملكها اليوم في ظل المتغيرات الجديدة إنما هو بحر مواج شديد الخطورة.فحسبته لجة .
لكنها مع ذلك واثقة بنفسها .فكشفت عن ساقيها لخوض عباب المهمة .أي أنها أبدت استعدادها التام لتولي قيادة المملكة رغم كل التطورات الجديدة .
و جاء قول سليمان بعد ذلك ليطمئنها .فقال لها: لا تخشي شيئاو هؤلاء القوم الجدد على مملكتك إنما هو أناس ربانيون مؤمنون بالله تعالى , لا تغرهم الدنيا و زخرفها .بل سترين منهم ما تقر به عينك . أي أنهم سيكونون لك قوارير , تقر بهم عينك .
و هنا , ظهر تمام عقل الملكة و حكمتها, و صارت من الذين يهتدون .فما كان منها إلا أن أعلنت إيمانها بالله تعالى مع سليمان عليه السلام .
و انتهت القصة القرآنية الرائعة هنا نهاية جميلة عظيمة المعاني .أ/ا في التفاسير الموروثة على سطحيتها و خرافيتها, فالقصة , عبارة عن كلام الحشرات و الطيور , و هو أمر يخالف سنن الله في كونه .و هو تفسير مسيء لنبي الله سليمان الذي كان يتعلم من الحشرات و الطيور .

 

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .آمين .و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق