]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الكاتبُ في حالةِ عُـرِيٍّ .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-10-06 ، الوقت: 10:42:06
  • تقييم المقالة:

قال الأستاذ (قصي نسور) ، وهو من الأردن :

ـ أن تكتبَ ... يشبه كثيراً أن تتعرَّى ... لكن تحت طاقيّة إخفاء !...

وهل يوجدُ وصْفٌ للكتابة أجمل من هذا الوصف ؟!

وهل يمكنُ لعبارةٍٍ أخرى أنْ تُزاحِمَ هذه العبارة للتعبير عن حالة الكاتب حين يكتب ؟!

بعد هذا الوصف ، وهاته العبارة ، لا أظنُّ ... !!

فالأستاذ (قصي) أتاها من الآخر ـ كما يقولون ـ . وجمَعَ مغزى الكتابة ، وحقيقة الكاتب ، في هاته الجملةِ العاريةِ ، و(فضحَ) كل صاحب قلم ، وصاحبتَهُ أيضاً . والأدْهى أنه نَزَعَ عن الجميع طاقيةَ الإخفاءِ ، وبدوْا عُراةً ، حُفاةً ، كما يكتبونَ !!

نعم ، فصاحبُ القلم حين يستعِدُّ للكتابة يعي تماماً أنه سيقوم بعملية العُرِيِّ ، والتعري ، والتعرية ... وسينزعُ عن ذاته ، وعن ذواتٍ كثيرةٍ ، أثوابَها وقشورَها ، ويُسلطّ أضواءً كاشفَةً عن الخفايا والخبايا ، ويُبْرِزُها واضحَةً للعيان والأفهامِ .

فالكاتبُ يكتب كي تظهر الحقائقُ ..

ويكتب كيْ يُلْفِتَ الإنتباه ..

ويكتب كي يُثيرَ التساؤلات ..

ويكتبَ كي يعرف الناسُ أوْجُهَ الحق والباطل .. وأطرافَ الخير والشر .. وملامح الجمالِ والقُبْحِ ...

يكتبُ عن ما تُخْفي الصدور ، والسطور ، والأحداثُ ، والوقائعُ ...

بل يكتب أيضاً عن خائنة الأعين ، والقلوب ، والضمائر .. وعن الظنون ، والأفكار ، والهواجس ، والوساوس ... وما يُبَيِّتُ الناسُ لبعضهم البعض ، وما يسعوْنَ إليه خِفْيَةً ، وما ينزعون إليه من أماني ، وأشواقٍ ، وأحلامٍ ...

وأحياناً يتوجَّهُ بقلمِهِ إلى المقابر ، وينبشُ في رُفاتِ الغابرين ، ويُقَلِّبُ في دفاترهم القديمة ، ويطَّلِعُ على أسرارٍ تمَّ التعتيم عليها ، وإغْفالُها من سجلاَّت التاريخ ... وأحياناً يتوغَّلُ في كهوف الزمن ، وسراديب الأيام ، بحْثاً عن المفاجآت ، والمجهول ، ويتحرَّقُ فضولاً وشوْقاً لمعرفة ما يخبِّئُهُ الحاضرُ والمستقبلُ .

وأكثَرُ حالةٍ يبدو فيها الكاتبُ عارياً ، حين يكتب عن نفسه ، ويتحدث بضمير المتكلم ، ويسْتسلمُ لعمليَةِ البوْحِ ، ويعترفُ بخطاياه ، أو انكساراته ، أو انتصاراته . وقلَّما ينتصرُ الكاتبُ في الحياةِ ؛ لأنَّ الحياةَ تُغَطّي جِسْمها بألْفِ ثوْبٍ وثوْبٍ ، وتتخذُ أكثر من سمْتٍ وصورةٍ ، وتخدعُ الأحياءَ عنها وعن أنفسهم ، وتجعلُهُمْ يخدعون بعضهم بعضاً ، ولا يجرؤونَ أن يكشفوا عن ذواتهم إلاَّ في موْقِعٍ واحد ، وحالةٍ واحدةٍ ؛ أما الموقعُ فهو مباحٌ لهم جميعاً ، وأما الحالةُ فهي مستحيلةٌ ، ولا تتأَتَّى إلاَّ في الخيال والأحلام ؛ والموقعُ هو الحمَّامُ .. والحالة هي الحصول على طاقية إخفاء !!

وأجملُ كتابةٍ هي ما كانت في حالةِ عُرِيٍّ !!

وأَصْدَقُ كاتبٍ هو الكاتبُ العاري !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق