]]>
خواطر :
يا فؤادي ، سمعت دقات همسا على أبوابك ... أخاف أنك في مستنقع الهوى واقع ... اتركنا من أهوال الهوى ، أسأل أهل الهوى لترى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وداعا سيدي البشير

بواسطة: البشير بوكثير  |  بتاريخ: 2013-09-30 ، الوقت: 19:38:12
  • تقييم المقالة:

* وداعا سيّدي البشير

دموع: بشير بوكثير / رأس الوادي

إهداء: إلى روح المربي القدير، والمعلّم الكبير، والمدير النّحرير، سيّدي " البشير بورحلة "  -رحمه الله تعالى- أسكب هذه الدّموع الحَرّى.

وصلني اللحظة نبأ وفاة المربّي الألمعي، والمعلّم اللوذعيّ،  والمديرالحَييّ الأروعيّ، سيّدي ومعلّمي (البشير بورحلة) عليه شآبيب الرّحمة والغفران، عن عمر ناهز السبعين حوْلا .

هذه  القمّة التربويّة السامقة،  والقامة الإنسانيّة الباسقة، والقلعة التعليميّة الشاهقة، التي طالما وقفتْ مُنافِحة عن أصالة المدرسة الجزائريّة وعطائها المتجدّد، بعزيمة تفلّ الحديد والجلمود، وهمّةٍ حقّقت المبتغى والمنشود.

لقد كان سي البشير من أوائل المُربّين الذين وضعوا لَبِنات وأسس المدرسة الجزائرية الحديثة  بمدينة رأس الوادي بعد الاستقلال مباشرة ، وشكّلوا ملامحها الأصيلة، وكتبوا ملاحمَها الجليلة، فهو ممّن شيّدَ للتربية صروحها، ونقشَ في نفوس الناشئة مُتونها وشروحها، وداوى علل الأميّة وقروحها ، وضمّد للأجيال القادمة  كُلومها وجروحها .

لقد كان سيدي البشير مربّيا من الطراز النادر الأصيل، ومُسيّرا ناجحا  من الزمن الجميل، ومشرفا تربويا ينضح بالفكر الجليل، والخُلق النبيل، والعطاء الجزيل.

نفتقده اليوم ونحن في أمَسّ الحاجة إلى خبرة أمثاله من أساطين التربية ، ودهاقنة التعليم، وجهابذة التسيير التربوي والبيداغوجي ، هذا الرعيل الجميل الذي حمَل الأمانة باقتدار، وأدّى الرسالة بعزم وإصرار، ورفضَ الاستسلام والانكسار، لبقايا الاستدمار،وصمدَ في وجه الإعصار، فأشرقتْ شمسُه بعد طول انتظار.

سيدي وأبي الثاني البشير:

  يامن كنتَ للمدرسة الجزائرية عمادها وأُسّها، وخزرجها وأوسها، وجميلها وقيسها، وغطفانها وعبسها، بل كنتَ لحْمتها وسداها، ومبدأها ومنتهاها، حقّقتَ غاياتها ومبتغاها .

 فلو نطقتْ جدران مدرسة الذكور سابقا-(مدرسة شنوف رمضان حاليا)، لأنصفتك حيّا وميّتا. هذه المدرسة التي قضيتَ فيها زهرة شبابك وكهولتك، وصارت بفضلك  روضة غنّاء، وخميلة تزدان رونقا وبهاء، وأصبحتْ بحنكتك  قِبلة للمعلّمين المُجدّين والمتعلمين المجتهدين على حدّ سواء.

هذه المدرسة الحبيبة إلى قلبي لأنني قضيتُ فيها سنوات المرحلة الابتدائية تلميذا  من سنة 1973 إلى غاية 1979، وتحت إدارتك الحكيمة، ومعاملتك الرحيمة، وبخاصة معنا نحن أبناء الفقراء القادمين  من الريف - الدوّار-، فقد كنتَ لنا الأب الرحيم، والأخ الحميم، والمربيّ الكريم.

ولازلتُ أذكر سيدي البشير تلك اللحظات التي كنتَ تقضيها معنا مُعلما ومُوجّها حين يغيب معلّم الفرنسية لطارىء ما.

 أيها الأب الثاني والقلب الحاني سيدي  البشير :

 لقد كنتَ الأسوة والقدوة، فبلغتَ القمّة والذّروة، حين كوّنتَ أشبالا صاروا أسودا، وربّيت أجيالا أضحوا في جِيد الأمّة لؤلؤا وزبرجدا منضودا. ويكفيك فخرا أنّك صنعتَ الرّجال يا سيّد الرّجال .

 خلال الأيام القليلة الماضية كنتُ أمرّ ببيتك المتواضع  قرب المسجد العتيق،  وما إنْ أراك جالسا قرب دكانك الصّغير حتى تتهلّل أساريرك  وأساريري فأحييّك تحيّة التلميذ لمعلّمه، والمُريد لشيخه ، وعلى الرّغم من آلام المرض الخبيث الذي ينهش اللحم والعظم ، إلاّ  أنّ الابتسامة البريئة الحنونة لا تكاد تغادر مُحيّاك، فما أروعك وما أحلاك أيها المربّي الملاك !

   وعلى الرّغم من العلل الدّفينة ، والأنّات الحزينة الّتي تعانيها كنتَ جَلْدا صبورا، نقيّا طهورا، وعبدا شكورا، قلبك دوما مُضمّخ بالإيمان،ومعطّر بشذى الرّيحان ، ومستسلم لمشيئة الرّحمن.  هذه عبراتي الحرّى، وكلماتي الحيْرى، راجيًا من ربّي أن يجمعني بك في الدّار الأخرى.

 سيّدي البشير :

 هذه آهاتُ ذبيح، صدرتْ من قلبٍ جريح، مُسهّد الجفن قريح ...آن لك يا سيدي أن تستريح .

 نمْ قريرَ العين مطمئنّ البال، أيّها المربّي المثال، و ياسيّد الرّجال.

 ولله درّ أبي الطيب المتنبي حين قال:

يامن يعزّ علينا أن نفارقهم ***وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم رحمك الله تعالى  سيّدي الحبيب "البشير" في الأوّلين والآخرين ،و جمعنا وإيّاك مع الصّالحين، غير مبدّلين ولامُغيّرين، وإنّا على فراقك لمحزونون، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. 

       الإثنين : 30 سبتمبر 2013م


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق