]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

النعمان والشيخ (قصّة من التراث)

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2013-09-26 ، الوقت: 05:02:23
  • تقييم المقالة:

 

الشَّيْخُ وَالنُّعْمانُ

 

بقلم: أحمد عكاش

 

رَوَى الأَعْشَى قَالَ:

خَرَجَ (النُّعْمَانُ بْنُ المُنْذِرِ) مَلِكُ الحِيرَةِ، إِلَى ظَهْرِ الِحيرَةِ يَوْماً، وَكَانَ مُعْشِباً، وَكَانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ ((خَدَّ العَذْرَاءِ))، لِجَمالِهِ وَرَوْعَةِ أَلْوَانِهِ وَتَنَوُّعِها، فِيهِ نَبَتَ الشِّيحُ وَالقَيْصُومُ وَالخُزَامَى، وَالزَّعْفَرَانُ، وَشَقَائِقُ النُّعْمَانِ وَالأُقْحُوَانَ[1].

فَمَرَّ بِالشَّقَائِقِ فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ:

- مَنْ نَزَعَ مِنْ هَذَا شَيْئاً ... فَانْزَعُوا كَفَّهُ.

قَالَ: فُسُمِّيَتْ ((شَقَائِقَ النُّعْمَانِ)) لِذَلِكَ.

فَإِنَّهُ لَيَسِيرُ فِيهَا فَانْتَهى إِلَى وَهْدَةٍ [2] فِي طَرَفِ النَّجَفِ، وَإِذَا شَيْخٌ يَخْصِفُ نَعْلاً لَهُ [3]، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ:

- مِمَّنْ أَنْتَ يَا شَيْخُ؟.

قَالَ الشّيْخُ: أَنَا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.

فَقَالَ: يَا شَيْخُ ! مَالَكَ تَرْعَى أَنْعامَكَ [4] هَهُنا ؟.

قَالَ العَجُوزُ: طَرَدَ ((النُّعْمَانُ)) الرُّعَاةَ، فَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً، وَوَجَدْتُ وَهْدَةً خِصْبَةً، خَالِيَةً مِنَ الرُّعاةِ، بَعِيدَةً عَنْ أَعْيُنِ الرُّقَباءِ، فَانْفَرَدْتُ بِها، فَنَتَجَتِ الإِبِلُ [5]، وَوَلَدَتِ الغَنَمُ، وَسَالَتِ السَّمْنُ...

فَقَالَ النُّعْمَانُ: أَوَ مَا تَخَافُ النُّعْمَانَ ؟.

قَالَ: وَمَا أَخَافُ مِنْهُ ؟. وَ اللهِ لَرُبَّمَا لَمَسْتُ بِيَدِي هَذِهِ مَا بَيْنَ سُرَّةِ أُمِّهِ وَعَانَتِهَا، كَأَنَّهُ أَرْنَبٌ جَاثِمٌ.

قَالَ النُّعْمَانُ مُنْكِراً مَا سَمِعَ، وَقَدْ ضَجَّ رَأْسُهُ بِالغَضَبِ: أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ؟.

قَالَ: نَعَمْ أَنا.

فَهَاجَ وَجْهُهُ غَضَباً، وَطَلَعَتْ أَوَائِلُ خَيْلِهِ، فَقَالُوا: حُيِّيتَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ.

 وَحَسَرَ المَلِكُ النُّعْمَانُ عَنْ رَأْسِهِ، فَإِذَا خَرْزَاتُ مُلْكِهِ، تَبْدُو لِلشَّيْخِ تَتلأْلأُ عَلَى تَاجٍ صَغِيرٍ فَوْقَ جَبِينِهِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ المَلِكُ.

 فَقَالَ النُّعْمَانُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ ! كَيْفَ قُلْتَ؟.

قَالَ الشَّيْخُ وَقَدِ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ، وَتَوَجَّسَ شَرّاً، أَهْوَنُهُ الجَلْدُ:

- أَبَيْتَ اللَّعْنَ، لا يَهُولَنَّكَ ذَاكَ القَوْلُ مِنِّي، فَوَاللهِ لَقَدْ عَلِمَتِ العَرَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ لابَتَيْهَا [6] أَكْذَبُ مِنِّي.

فَضَحِكَ النُّعْمانُ مِنْهُ، ثُمَّ مَضَى.

 

 

شرح بعض المفردات:

[1]- الشّيحُ وَ..: نَبَاتَاتٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ، تُحَسِّنُ طَعْمَ لَبَنِ الأَنْعَامِ وَسَمْنِها.

[2]- الوَهْدَةُ: المُطْمَئِنُّ مِنَ الأَرْضِ، وَما انْخَفَضَ مِنْها، (جَمْعُها: وَهْدٌ، وِهَادٌ، وُهْدانٌ، أَوْهُدٌ).

[3]- يَخْصِفُ نَعْلاً لَهُ: يُرَقِّعُ حِذَاءَهُ.

[4]- الأَنْعَامُ: الدَّوَابُّ (الغَنَمُ وَالبَقَرُ وَالجِمَالُ).

[5]- نَتَجَتِ الإِبِلُ: وَلَدَتْ، وَأَنْجَبَتْ..

[6]- لابَتَا المدينَةِ: المُرَادُ بِهِمَا جِهَتَاها وَناحِتَاها.

انتهت

 


من كتاب:

قصص من تاريخنا

تأليف: أحمد عكاش

منشورات: دار الإرشاد للنشر - حمص - سورية.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • لطيفة خالد | 2013-09-26
    وللأكارم بسّاتين ربيعية مزّركشة بشّقائق النّعمان ..وطفولة مختبئة مثل زيز نخبئه في زهرة شقائق النّعمان نطيّره نلعب معه ونلحقه ونتبعه ..حللّت أهلا وسهلا أستاذنا الرائع...
    • أحمد عكاش | 2013-09-27

      الأخت الغالية (لطيفة خالد): بإشارتك إلى الطفولة و(الزيز) أعدتني بسرعة (الخاطرة) عقوداً من السنين إلى الخلف، إلى ذاك العهد الذي أضحى بعيداً جداً عنّا، تفصلنا عنه أكداس من السنين، كنّا فيها صغاراً أبرياء بسطاء، لا هموم ولا مشكلات، نأكل من الطعام ما حضر، فلا نشعر بفقر ، ونرتدي من الأردية ما تيسّر، ثمَّ لا ننظر الذي تتدلّى من عنقه ربطة عنق، ومن كان جِيدُهُ عُطلاً من العقود والربطات، ثمَّ لا فرق عندنا أن يكون من آل فلان ولا آل فلان، ولا نكترث أن يكون حاكمنا ديمقراطيّاً عادلاً، أو ديكتاتوراً سفّاحاً، الأهمّ عندنا هذا الطائر الصغير الأسود، ذو الأجنحة الملوّنة العجيبة، والذي يُصدر (أزيزاً) لا تُخطئه آذاننا الرهيفة، إنَّه حبيبنا (الزيز)، وينتفض الجميع، يشمّرون جلابيبهم عن سيقانهم وتبدأً المطاردة، وماهي إلا جولة صغيرة حتى يكون الصيد مربوطاً بخيط يطوف طائراً فوق الصغار بأزيزه الرائع، هل سمعْتِ إحدى سيمفونيات موزار أو بيتهوفن ؟ لعمري لقد كان ذاك (الزيز) حينها خيراً منهما لحناً، ...

      ملأ الله أيّامك وروداً وهناءة وربيعاً خضرته لا تنتهي، أراك لا تزالين إلى الخير سابقة، تفبّلي مني باقة (شقائق النعمان) وتحيط بها (وردات من (جوري) الشام، والسلام.

  • طيف امرأه | 2013-09-26
    اولا ...
    أهلا بحضوركم الكريم
    فقد أضاء الموقع وصدح الحرف
    وجلبتم من جعبتكم الفريدة القيمة أجمل ما بها والطف
    فقد بدأت السلام بأجمل ما طلب الرحمن بالابتسام والابتسامه صدقة
    ذكرني النعمان بقصة الحجاج ..ولا اظنها تغيب عنكم !
    حضوركم فاض علينا زهورا بشتى الالوان
    ورسمت لنا اعذب واروع لوحة قشيبة
    زادكم في السعادة انعام
    طيف بخالص التقدير

    • أحمد عكاش | 2013-09-27

      سيّدتي (طيف): كنتُ قد أوشكت أن أكتب لك صباح اليوم، لكني لسبب أجهله حقيقة، أرجأت الكتابة إلى ساعة كهذه، إنها بعد منتصف الليل بساعة ونصف، هل هو البحث عن هدأة الليل؟ هل هو حبّ الخلوة بلوحة المفاتيح هذه ؟ هل هو حبّ الوحدة ؟ لا أعرف.

      النعمان خرج ينشد الطبيعة: الحقول والأزهار والنسائم الربيعيّة، ونحن منذ سنوات لم نرَ ربيعاً، ألا يوجد بين فصولنا فصل اسمه (الربيع)؟ هل غدت سنواتنا خريفاً كلّها ؟ حقيقة منذ سنوات لم أرَ الطبيعة الحقيقيّة في الربيع، قد أكون رأيت الخضرة في الحدائق الصناعيّة، ولكن أين هذه الخضرة من هاتيك الرياض النضرة الفوّاحة تحت الشمس المكشوفة؟ إني لأتساءل: كيف تصبح نفس إنسان ما رأت عيناه جمال الربيع منذ أعوام؟ كيف سيكون لون قلبه وهو لا يذكر من حياته القريبِ عهْدُها إلا الدخان القاتم المشحون برائحة الرصاص والدم ؟ صدّقيني يا سيّدتي أنّي بتُّ أخجل ممّن أُجالسهم، فلم يعد لي حديث أتبادله معهم إلا: الحرب والموت والتهجير والسؤال عن فلان وفلانة: أين هم الآن ؟ تحت أي سماء ؟ من مات منهم ومن ما يزال ينتظر الموت ؟ هذا ما جعلني أنزوي بعيداً عنكم في هذا الموقع، قد تقولين: عرفنا أنّك صرت تكتب في موقع آخر، وفي برنامج جديد ...أجل، صدّقيني: (مكره أخاك لا بطل)، هنا من دفعني دفعاً للمشاركة في هذه المواقع (لأتسلّى)!، كأنَّ السجين يمكن أن ينسى حرّيته، كأنّ المجروح يمكن أن ينسى دماءه، كأنَّ السقيم يمكن أن يسلو عن العافية التي غادرته، لا تعتبي عليّ سيّدتي إذا رأيت منّي جفوة، فأنا في حقيقتي بعيد عن نفسي، بعيد عن إحساسي، وقاك الله السوء، النعمان وجد شيخاً أضحكه بكذبه، وطبيعة رائعة كخدّ العذراء متّع بها نظره وقلبه وذهنه .. فأين أجد أنا سلواي ؟.

      االاستماع للمحزون يجلب الحزن، والجلوس إلى المريض يُشْعِرُ بالمرض، وأنا محزون القلب ومريض الروح، فسامحيني إذا أحزنتك، أمّا المرض فلا أقبله لأحدٍ أبداً. وهبك الله ثوباً مزركشاً من الصحّة والسعادة، وإلى لقاء، أرى أنّي تكلّمتُ كثيراً و... لم أقل شيئاً ذا بال.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق