]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الموْءودُ . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-25 ، الوقت: 09:22:24
  • تقييم المقالة:

(عصام) لا يهْوى الرَّسمَ فقط ؛ وإنما يعشقُ الموسيقى أيضاً . ويُميِّز بين الجيِّد والرَّديء . فكما يمْلكُ أصابعَ ماهرةً في فنِّ الرسم ، يمْلكُ كذلك أذناً موسيقية واعيةً .

ولكنَّ أبويْهِ لم يلاحظا ذلك . ولم يهْتمَّا به من هذه الناحية . هما يهُمُّهما فقط أن يُذاكرَ دروسَه ، وينامَ باكراً ، ويأكل طعامه بانتظامٍ ، ولا يُشاهد أيَّ برامج للأطفال ، إلاَّ في ساعةٍ محدَّدَةٍ ، في عطلة نهاية الأسبوع .

و(عصام) ولدٌ مُطيعٌ ؛ يُرضي أبويْه ما أمكنه ذلك ، ويُحافظ على مواعيد أكْله ، وشُربه ، ونوْمه ، وذهابه إلى المدرسة ، وإلى الشارع ، وإلى الحمَّامِ أيضاً .

ويحْرِصُ أن يبدُوَ أنيقاً في مظهره وهنْدامه ، مُهذَّباً في سلوكه وكلامه ، ومُرَتَّباً في كلِّ أموره ...

الأَمْرُ الوحيدُ الذي يبدو فيه عابثاً ، ومُشاغباً ، ومُنْطلِقاً على سجيَّتِهِ ، مثل عصفورٍ غريرٍ خارج عُشِّهِ ، هو الرَّسم .. !!

ففي الرسم يُعبِّرُ عن ذاته بحُرِّيَّةٍ ، ويتصرَّفُ بعفْويَّةٍ ، ويتمرَّدُ على النِّظام ، والقواعد ، والمواعيد ، وأبيه ، وأمِّهِ ... ويُصَوِّرُ عالماً آخر ، من وحْي خياله ، يرى فيه كائناتٍ عجيبَةً ، تُشاركُهُ أحداثاً غريبةً ، تُدْخِلُ السرور إلى قلبه الصغير ، ويفرحُ ، ويضحكُ ، ثم يجدُ نفسه في النهاية وحيداً ... !!

وأبوه وأُمُّهُ لا يلاحظان ذلك . ولا يُعْجبُهُما حالُهُ إذا ألْفياهُ يرْسمُ في أوقاتٍ مسروقَةٍ ؛ فالرَّسمُ ـ في رأيهما ـ مضيعةٌ للوقت ، ومفْسدةٌ للعقل ... !!

ومُعَلِّمُهُ أيضاً لم يسْأَلْهُ يوماً ـ أو سأل زملاءَه ـ إنْ كانوا يتمتَّعون بمواهب خاصَّةٍ ، أو يعشقون فنوناً مميَّزَةً ... المعلِّمُ يهتمُّ بالدروس فقط ، ويشغلُ مواسمَه بالتَّمارين ، والأسئلة ، والأجوبة ، وامتحانات آخر السنة ، ولا يُفَرِّقُ إلاَّ بين الناجحين والرَّاسبين ... !!

و(عصام) ينجَحُ كل عامٍ ، ويحصلُ على درجات حسنةٍ ، ويفرحُ به أبواه ، ويفخرُ به مُعلِّمُهُ ...

وهو لا يقنعُ بهذا النجاح ، بينه وبين نفسه ، فيخْتلسُ لحظاتٍ من الزمن ، ويعْكفُ على الرَّسم ، ويخافُ على نفسه ، وعلى رسومه ، فَيُخَبِّئُها في دفترٍ سِـرِّيٍّ ، سمَّاهُ (دفتر الذكريات) ...

ويغتنمُ تلك الفرصَ القليلة ، التي يجلسُ فيها مع أبويْهِ ، يشاهدون التلفازَ ، ويُصْغي باهتمامٍ إلى قطعٍ موسيقيةٍ ، تلْتقِطُها أذناه ، ويشعرُ بنشوةٍ ، وطربٍ ، يترسَّبان في أعماقه ...

وأبواه لا يلاحظان ذلك ، وينتبهان فقط إلى عقارب الساعة ، وعند إشارة معلومةٍ يأمرانه بالذهاب إلى النَّوْمِ ...

وينامُ (عصام) .. وتستيقظُ أحلامُهُ ؛ فيرى فيما يرى النائمُ كائنات رسوماته ، ترقصُ حواليْهِ ، على أصوات موسيقى عذْبَةٍ ، وتُشاركُهُ الحياةَ ، والبهجة ، والآمال ... وحين يستيقظُ لا يجدُ إلاَّ بقايا دموعٍ ، يمْسحُها براحةِ يدِهِ ، قبل أن يلاحظها أبواه ... !!

ويمْرضُ ذات يومٍ ، ويفقدُ شهِيَّتَهُ للأكل ، ورغْبته في النوم ؛ فيخْتلُّ نظامُ حياته ، وتضطربُ مواعيده ، ويغيبُ عن المدرسة ...

ويتمَلْمَلُ أبواه ، ويتبَلْبلان ... !!

ويتفاقمُ مرضُهُ ، فيحْتاران ، ويحْتارُ معهما الطبيبُ ؛ فهو لم يجدْ له عِلَّةً ظاهرةً ، وأعضاؤه سليمة ، والتحاليلُ لا تكشف عن أيِّ جراثيم أو فيروس ...

ولكنَّ صحَّةَ (عصام) تزدادُ سوءاً أكثر ، ويشحبُ لوْنُهُ ، ويشتدُّ هُزالُهُ ، ويقْضي أغلبَ يومه يُحَدِّقُ في سقْفِ الغرفة ، يبتسمُ بحُزْنٍ ، ويُشيرُ بيديْهِ ، ويُتَمْتِمُ بشفتيْهِ ... ويقتربُ منه أبواه ، ويُحاولان جاهِديْنِ أن يفْهما عنه شيئاً ، ويسألُ الأبُ الأمَّ :

ـ أهذه نغماتٌ ؟!

فتَرُدُّ الأُمُّ في حيرةٍ :

ـ أَشُكُّ أنها نغماتٌ ... !!

وتسأَلُ الأُمُّ الأبَ :

ـ أهذه حركاتُ طيورٍ وفراشاتٍ ؟!

فيقول الأبُ :

ـ أظنُّ أنها حركاتُ طيورٍ وفراشاتٍ ... !!

وفي لحظةٍ يُرْخي (عصام) يديْهِ وجفْنَيْهِ ، وينامُ .. ينام .. ينام ...

ذات ليلةٍ والحُزْنُ يطْوي القَلْبيْنِ عثَرَ الزَّوْجانِ على (دفتر الذكريات) ، ففتحاه ، فانتشرت في الغرفة كائناتٌ عجيبةٌ ، وصَدحتْ أنغامٌ ساحرةٌ ، وتراءى لهما (عصام) ، وهو يمْسِكُ بعصا دقيقةٍ ، وفُرْشاةِ ألْوانٍ ... !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق