]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في حارتنا رجل مجنون

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-09-23 ، الوقت: 22:04:01
  • تقييم المقالة:
في حارتنا رجل مجنون     منذ أتيت وزوجي لنسكن هنا، قالوا لنا: في حارتنا رجل مجنون، يدعى مأمون، يصرخ في منتصف الليل بلا سبب سوى الجنون، فيعكّر صفو الحارة، ويزعزع أمنها، يمتزج ضحكه ببكائه المحزون، وهو سرّ دمارها، ولولاه لكانت كبقعةٍ في ولاية أمريكيّة، أو في حيّ باريسيّ، لكنّ قضاء الله قد كان، وسنثاب على صبرنا على هذا المأفون.      رأيت الأوساخ تتراكم على سلالم العمارة، والأولاد يدبّون عليها، لم تكن للأطفال براءة الأطفال، بل كانوا كأطفال الجنّ، إذا رأيتهم عليك أن تسمّي بالله لعلّهم يختفون، يتنطّطون ولا يمشون، يتقافزون ولا يهدؤون،ّ يصرخون ولا يسكتون، مصطلحات النّوم، والاستحمام، والرّحمة، لا تتضمّنها قواميسهم، لعبتهم المفضّلة قرع الأجراس، وطرق الأبوب، وضرب مأمون، ثم الذّوبان، وكأنّ شيئاً لم يكن، كالشّياطين يعرفون تماما متى يظهرون ومتى يختفون؟    كانت أصوات المطربين تصدح من آلات التّسجيل، وراء كلّ باب يصرخ مطرب، قد لعنه الفنّ، وتبرأ منه الطّرب، قد أضاع البوصلة وفقد الإشارة، إن شعروا بتقصيره في إسعادهم عاونوه بالطّبل حيناً، وبالتّصفيق حيناً، وبالرّقص وبالتّشجيع حرصاً على مزيد من الإثارة، أمّا في حفلات الزّفاف فتهيج وتموج العمارة، حتّى تحسّ وكأنّ إعصار تسونامي ٌقد ضرب الحارة.       كسر العقلاء زجاج سيارتنا بحجر طائش، وهم يتعاركون، ولم يتدخّل مأمون، وسرقوا قطرة الماء من الخزّان، والنّور من الأسلاك، في منتصف الليل كنت ألحظ حجارةً تهاجم زجاج النّوافذ، وبضع زجاجات فارعة تلقى بعنف وسط الشّارع، وكيس نفايات يقفز من الطّابق الخامس إلى الأرض، لتأمين مزيد من النّظافة للحارة.     في حارتنا تمنع الأحلام، وتفرض الكوابيس على كلّ السّكان، كما يفرض الزّيّ الموحد على النّزلاء في مشافي المجانين، في حارتنا يشنقون القطط، ويُرَحِّلون العصافير، ويَذبحون الحمام، ويعتبرونه رمزاً للشّؤم والخراب، ويتفاءل السّكان بالغربان، ويعتبرونها رموزاً للسّلام والوئام، في حارتنا تنقلب المفاهيم، ولكن ليس لمأمون أيّ علاقة بشيء مما كان أو يكون.     كانوا يتبعونه، يطبّلون وراءه ويصفّقون، هو لعبتَهم المفضّلة، في الشّتاء يمرّغونه في الوحل، وفي الصّيف يقذفونه بالحجارة، وعلى أنغام غضبه يعزفون: مجنون مجنون، وإن أعطاه محسن خبزة، أو قطعة نقد يخطفوها من يده، ويولّوا مدبرين، منصورين ومظّفّرين، هذا هو النّصر الوحيد الذي يتحقّق في الحارة، وما عداه هزائم متلاحقة، هزيمة تمسك بكفّ هزيمة، في كلّ يوم يسطّرونُ فصلاً من فصولها، ويحبكونهُ بمنتهى الشّطارة.      في حارتنا لا يحلو للنّساء تبادل القصص والأحاديث إلّا من شبابيك العمارة، ولا يمكن أن تدخل إلى حارتنا نملة دون أن تستقبلَها كلّ النّسوان، ويضربون حصاراً حولها؛ ليعرفوا وجهة الزّيارة، وهدفها ومدّتها، ويجرون مسحاً عميقاً لها من شعرها حتّى أخمص قدميها، ويسألونها عن نمرة حذائها، ومصدر هذا الفستان، ويغازلها كلّ السّكّان، ويطلبون رقم هاتفها، وتفاصيل العنوان، ولا علاقة لمأمون بكلّ ما كان، فهو الوحيد الذي يتساوى عنده الرّجال والنّسوان.    ما جدوى العيش في حارة أعقل من فيها من يسمّونه المجنون؟ قرّرت الرّحيل من الحارة، غير آسفة على شيء، ولكنّني سأحمل معي حزني على فراق مأمون، ليتني آخذه معي لأعرف على أيّ شمّاعة سيعلّقون فشلهم بعد رحيل مأمون؟                                                                                                عزيزة محمود الخلايلة                                                                                                 مشرفة اللغة العربية                                                                                                   مكتب تربية الخليل                                                                    Email : azizah_m2012@yahoo.co                                                              m                                       
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق