]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حوارٌ فوق رصيفٍ ساخن

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-09-23 ، الوقت: 12:56:55
  • تقييم المقالة:

 

 

حوار فوق رصيف ساخن !

 

محمد الحداد

في حوارٍ جادٍ وساخنٍ مع أحدِ الأصحاب كنا نتناولُ فيهِ الأحداثَ الدراماتيكية السريعة التي حدثتْ في مصر مؤخراً وأسرار التجربة القصيرة لحكمِ رئيس مصر المخلوع محمد مرسي وتداعياتها الخطيرة.. برقتْ فجأةً في سماءِ الحوار ومن دون ترتيبٍ مُسبق أسئلة عاصفة انحرفتْ بحوارنا إلى وجهةٍ أخرى لم نكن نخططُ للوصولِ إليها..لكنَّ تلك الأسئلة على بداهتها بدتْ لي غريبة وطريفة ومثمرة في وقتٍ واحد.

الأسئلة وجهها لي صاحبي بتهكمٍ ساخرٍ قائلاً: مرسي هذا أغبى رئيسٍ عربيٍّ فعلاً..لماذا أدخلَ نفسهُ مُبكراً في دوامةٍ خاسرة سَلفاً تعصفُ بجدرانها المتهرئة رياحٌ تنظيرية صارمة يغلبُ عليها طابعٌ إيديولوجي بحت لن يُحسمَ الصراع فيها لأحد وتركَ مصالحهُ الذاتية التي كان بإمكانِ السلطة أنْ تجودَ بها عليه وتقدمها لهُ على طبقٍ من ذهب؟لماذا لم يستثمر فترة تربعهِ على رأسِ هرمها الذهبي من أجل إثرائهِ الشخصي؟ ألم تُمكّنهُ سلطاتهُ الواسعة من فتحِ أبواب مغارات علي بابا المصرية ونهبِ ما فيها من كنوزٍ مثل أيّ زعيمٍ عربي آخر سابقٍ أو لاحق؟ لماذا لم يبتلعْ مصرَ كلها؟ ألمْ يسعفهُ عامٌ كاملٌ ليفعلَ ما فعلهُ غيرهُ في يومين؟

الحق..جاءتْ أسئلة صاحبي مُباغتة تماماً وغير متوقعة كأنها حزمة سِهامٍ حادة انطلقتْ دفعة واحدة من قوسٍ موتور ملَّ من طولِ انتظار..كان صوتهُ مرتفعاً بعض الشيء وذو نبرةٍ غاضبة..قلتُ لهُ عجيب..أسئلتكَ المثيرة هذهِ ربما لم تخطر حتى على بالِ أشرس معارضي مرسي على كثرتهم رغم سيول الاتهامات الكثيرة التي وُجِّهتْ إليهِ سواء أثناء بقائهِ في السلطةِ أو حتى بعدها..لذا هي جديرة فعلاً بالتوقف عندها طويلاً..لكن قبلَ أنْ تفسرَ كلامي على أنهُ مديحٌ مجاني للرئيس المخلوع دعنا نتفقُ أولاً أنهُ لم يكن لصاً انتهازياً كغيرهِ ممنْ تربّصَ بالفرصةِ المناسبة وجاءَ من آخر الصفوف بدبابةٍ أمريكيةٍ أو أوربيةٍ مُرقّطة قافزاً فوق الحواجز لينقضَّ فجأة على مقودِ القيادة الأول ويمسك بزمام الأمور ليصبحَ زعيم البلاد الأوحد إلى الأبد كما فعلَ كلُّ زعمائنا الآخرين..فالرجل خرجَ بولادةٍ طبيعيةٍ في وضحِ النهار من رحمِ صندوقٍ مصريٍّ خالص..وأمسكَ عصا السَبق في مضمارٍ ديمقراطيٍّ لم يلمحْ أحدٌ عليهِ أيَّ غبار..لن تنكرَ أنهُ وصلَ إلى سدةِ الحُكم بأمر الشعب فأصبحَ رئيساً منتخباً لكلِّ المصريين..أما ما تلا ذلك من أوضاعٍ مُضطربةٍ شهدَتها مصر أثناء حكمهِ أو بعدها فأنا أزعمُ أنَّ احتمالاتِ حدوثها كان متوقعاً جداً مع أيِّ مُرشحٍ آخر فيما لو تمَّ لهُ الفوز في تلك الانتخابات بدلاً من مرسي..وافقني صاحبي على ما قلتهُ فشجعني ذلكَ على أنْ أسترسلَ أكثر فأضفتُ : ليسَ سراً أنَّ مرسي ظلَّ بعد الرئاسة هو ذاتهُ قبلها..لم يتغير منهُ أيّ شيء..لم يمتلكْ سيارة خاصة بهِ ورفضَ الانتقال إلى قصرِ الرئاسة وفضّلَ ألا يغادر شقتهُ التي كان يستأجرها من مالكها وظلَّ حتى يوم تنحيته عن هرم السلطة يتذيلُ قائمة أوطأ مَن يتقاضى رواتب بين جميع رؤساءِ العالم وبقيَ ابنهُ يعملُ موظفاً بعقدٍ متواضعٍ في دولةٍ خليجيةٍ بعيدة..والجميع كان على معرفةٍ بكلِّ ذلك..هنا قاطعني صاحبي قائلاً :ألمْ أقلْ لكَ أنهُ غبي؟ تأملْ أينَ آلَ مصيرهُ الآن هو وجميع قياداتِ الإخوان بعد أنْ كانتْ السلطة في أيديهم..أيُّ غباءٍ أكثر من ذلك؟أنا لا أريدُ إثباتَ شيءٍ يُنافي تلك الحقيقة..لكن أتدري..ليتهُ فعلَ العكسَ مثلَ غيرهِ وأراحنا من فوضى الدماء التي تُسفكُ اليوم في شوارع مصرَ كلها..ليتهُ سرقَ البلدَ ومنحَ أهلها الأمن والسلام! لمحَ صاحبي ابتسامة عجبٍ رسمها فمي بعفوية وفي عينيَّ بعضَ الاستغراب من كلامهِ هذا فحاولَ أنْ يُبددَ بعضَ الضبابِ فقال: نعم..مَنْ منعهُ من ذلك حقاً؟هل ضربهُ أحدٌ على يديهِ كي لا يفعل؟ لذلكَ لا يلومنَّ إلا نفسه..ضحكتُ وقلتُ لهُ مازحاً: مَنْ يدري ربما لو كان فعلها لأصبحَ اليومَ قائدَ مصرَ الأوحد ومُنقذها المُلهَم..ربما كان ينقصهُ القليلَ من خبرة الحُكم ودهائهِ لا أنكرُ هذا أبداً..تلك المَلَكة المفقودة التي كان يبدو واضحاً أنَّ مرسي افتقرَ إليها تماماً.

قال:أتدري..شعوبنا تستحقُّ ما يحصلُ لها وأكثر..قلتُ لهُ لماذا؟ قال لأنها مُصابة بداءِ نفاقٍ مُزمنٍ استشرى في جميعِ بدنها دونَ أنْ تدري..فهي تظهِرُ توقاً مُتعطشاً للحرية لكنها تُبطِنُ حنيناً غريباً لمنْ يُعيدُ لها عبوديتها الأليفة إلى نفسها! قلتُ لصاحبي لا أوافقكَ الرأي في هذهِ النقطة أبداً..لكنَّ الزمنَ تغييرَ كثيراً ويبدو أنَّ شعوبنا بعدَ طولِ انتظارٍ يئِستْ أن يأتيها حاكمٌ من ذلك الطراز النادر الذي قرأتْ عنهُ كثيراً في كتبِ التاريخ حتى حفظتها عن ظهرِ قلبٍ..ويبدو أنها لن تراهُ على الحقيقةِ أبداً..لذا هي لم تعُدْ تثقُ كثيراً بمثالياتِ الرجل الذي يخشى على نفسهِ من فتنةِ سُلطة تأتيهِ مُقبلة على حينٍ غرةٍ بكاملِ مفاتنها فيركلها قائلا لها دعيني..لَأِنْ أنامَ مظلوماً خيرٌ لي من أنْ أنامَ ظالماً..فيزدادُ الشعبُ تمسّكاً بهِ ويَصرُّ على أنهُ أهلٌ لها فلا يجدُ مَفراً غير الرضوخ لهم ولا يلفي نفسهُ آخرَ الأمرِ إلاّ وقد تلبسَ بها فيقبضُ زمامها على مضضٍ ثم يقعدُ للناسِ على الأرض! تلك صورة قديمة لم يَعُدْ يحلمُ بها أحد..ولن تجدَ اليوم مَنْ يحفلُ لفقدانها!

قالَ لي اسمع يا صديقي ولا تعجب ممّا سأقولهُ لك..ليتَ مرسي كان لصاً مُحترفاً يعرفُ تماماً ما يصنع..ليتهُ قايضَ شعبهُ بصفقةٍ مزجاة تمنحهُ حقَّ أنْ يبتلعَ مصرَ كلها مقابلَ أنْ يَهبَ أهلها السلام! لو أنهُ فعلَ ذلك لأصبحَ اليوم كما قلتَ أنت: قائدها المنقذ...صدقني ليتَ جميع حُكّامنا يمارسونَ علينا أسوأ ديكتاتورياتهم التي ألفناها وتكيفنا مع نسائمها العليلة..فليسرقونا ..لينهبوا ثرواتنا وخيرات بلادنا وليستأثروا بالسلطةِ لهم وحدهم وليورثوها إلى أبنائهم إذا أرادوا..لن نُنازعهم على مُلكهم المقطوع هذا لكننا نريدُ منهم مقابلَ ذلك أنْ يمنّوا علينا ويمنحونا نعمة الأمن التي أصبحنا نفتقرُ إليها الآن فحسب..ليهنئوا بالحُكم وليمنحونا السلام مقابل ذلك!

كان صاحبي يرعدُ ويُزبدُ بحرقةِ مَنْ خبرَ شؤونَ الحُكام وشجونهم ويئسَ من أيِّ أملٍ منهم.. فتساءلتُ مع نفسي عن سرِّ قناعة الخنوعِ واليأسِ الغريبة تلك التي زُرعتْ في نفوسنا دونَ أنْ ندري عبرَ تاريخٍ طويل من ظلمِ حُكامنا إلى الدرجةِ التي بِتنا نتعاطى معها وكأننا إزاء مصيبة مفروغ من وقوعها أو لوثة نحملها معنا في دمائنا ونورثها دون أنْ نعيَ مخاطرها ..قناعة مَنْ تعبأ حدَّ التخمةِ بما ألفناهُ مِمّا لقنهُ لنا حكامنا من أنَّ السلطة مغنمٌ لهم لا مغرم..كانت عينايَ تبحثانِ هنا وهناك عن ترجمةٍ دقيقة لذلك المعنى الذي تستبطنهُ حكمة اليأسِ هذهِ وكأني بها تُفسرُ كلَّ ما يحدث اليوم في بلداننا التي ابتليتْ بلعنةِ التغيير.

تأملتُ طويلاً حكمة اليأسِ التي كانت تقطرُ بها كلماتُ صاحبي وأنا أستمعُ إليهِ بعجبٍ وقلتُ مع نفسي يا إلهي ما هذه المصيبة المزدوجة..إما أنْ يكونَ الحاكمُ لصاً ماكراً أو نظيفاً جاهلاً؟ إمّا أنْ يبتلعَ البلاد لوحدهِ أو يضيعها بقلةِ خبرتهِ بأمور الحُكم؟هل من المُقدّر علينا دائماً أنْ نختارَ أحدَ الشرّين وفي كليهما مُحتّمٌ ضياع البلادِ؟

مَنْ يدري لعلَّ صاحبي كانَ مُحقاً في كلِّ الذي قالهُ...وربما كُنّا جميعاً..من دونهِ مُخطئين !

لكن بعد كلّ مهرجانات الدم التي نَصبتْ أوتادها في كلِّ شبرٍ من البلاد لم نعدْ نشكُّ لحظة واحدة أنهما معاً وكلَّ مَنْ تخندقَ معهما في تلكَ المعركة المفتوحة..كانوا جميعهم مُخطئين.. وخاسرين!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق