]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أحمد عكاش : معلِّمي الذي لم ألتقِ به !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-22 ، الوقت: 16:23:54
  • تقييم المقالة:

لمْ أفتقِدْ شخصاً في عالم (الفيسبوك) عامَّةً ، وفي موقع (مقالاتي) خاصَّةً ، كما افْتقدْتُ الأستاذ القدير ، السيد (أحمد عكاش) ؛ فقد اضطرته ظروفٌ قاهرةٌ أن يتوارى عنا فترةً من الزمن ، ويغيبَ بقلمه ، وفكره ، وعلمه ، وحكمته ..

ويكفي أن أخبر الجميع أنه من (سوريا) ، فهو ـ إذن ـ معذورٌ في هذا الغياب .. مع رجائي له بطول العمر ، وموفور الصحة والعافية ... !!

نعم أفتقده ، وأسأل عنه ، وأترقب عودته وظهوره ، كل يومٍ .

وأُمنِّي نفسي بلقاءٍ معه ، وتواصُلٍ ؛ فقد وجدتُ فيه الرجل العربي الأصيل ، والكريم ، وشممْتُ فيه أنفاس الرجل المسلم ، المؤمن .

وكلما دارَ حوارٌ بيننا ، وتجاذبنا أطراف حديثٍ ، تخيَّلْتُهُ مثالاً لمعلِّمي العرب القُدامى ، الذين كانَ الناسُ يقصدونهم كي يتعلموا اللغة ، والتاريخ ، وأصولَ كثيرٍ من العلوم ... ولا غرْوَ فسيرةُ الرجل تشهدُ على ذلك ؛ فقد عمل مُدرِّساً للغة العربية في بلده ، وساهم بمؤلفات تعليمية هامَّةٍ في ميدان اللغة العربية ، ومؤلفات دينية شيقة في ساحة التاريخ .. وعناوينُ كتبه تدُلُّ على نوع اهتماماته الخالصة ، والصادقة ، منها : (فن التعبير للمتفوقين / المجتهد سبيل النجاح في اللغة العربية / معجم الارشاد الأصغر / أسهل الاملاء / أصول الإنشاء والتعبير/ الألفاظ الكتابية ) .. و(مهاجرون وأنصار / كرماء العرب) .. ثم مجموعة قصصية بعنوان : (الرقص على إيقاع الجرح) .

وما زلْتُ أذْكرُ أوَّلَ احتكاكٍ بيني وبينه ، وأول رسالةٍ بعثها إليَّ وبعثْتُها إليه ، وأستحضر تلك اللقاءات القليلة ، التي كنَّا نجتمعُ فيها لنعرض بضاعتنا الأدبية ، فننظر فيها ، ونُبْدي ملاحظاتنا ، وتعليقاتنا ، وآراءنا .. وكان دائماً ذلك اللغوي البارعَ ، والنابغةَ (العُكاشِيَّ) ، التي لا تفْلَتُ من عيْنِهِ الثاقبة شاردةٌ أو واردةٌ من (الألفاظ الكتابية ، والألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة) ، والرسوم البيانية ، ويدُلُّنا عليها برفْقٍ ولينٍ ، ويُصَحِّحُ لنا أخطاءنا ، ويرشُدُنا إلى مواطن ضُعفنا ، وآثار زلاَّتنا ، كما يفْعَلُ أبٌ مع أبنائه ، وليس كما يفعلُ معلم مع تلاميذه ، فقد كانت علاقته بنا أكْبرَ ، وألطفَ ، وأرْحم ...

وكان أشَدَّ ما يكرهُ التَّصادم بين أعضاء (الصالون الأدبي) ، والخلاف الشديد فيما بينهم ؛ فكان يحاولُ دائماً أن يُهدّئ بين النفوس ، ويوفِّقُ بين وجهات النظر ، ويقربَ المختلفين إلى مواضع الاتفاق ، ويأخذ بيدهم جميعاً إلى واحة الحق ، والصواب ، ويُعْطي لكل ذي حقٍّ حقَّهُ ، دون أن يضطرَّ إلى أن يُجاملَ المخطيء فيقول له أحسنت ، أو يتغاضى عن حسنات المُصيب ، فيتْرُكَهُ هَمْلاً ...

ولا يبدو منه الغضبُ إلاَّ إذا لمسَ من أحدنا غُروراً أحمق ، أو صدر من مُشاركٍ ما ينبيءُ عن سوء خليقة ، أو فساد عقيدة ، أو تطاولٍ على النبي وصحابته الكرام ، أو جهالةٍ بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي ... أو يئسَ من أنْ يَرُدَّ أحدنا عن زيْغِهِ ووقاحته ، ووجد أن خلاف (فلان) مع زميلٍ له قد أفسد للوُدِّ قضِيَّةً ...

حينئذٍ ، فقط ، يشحذُ قلمَهُ ، ويَتَسَلَّمُ راية الدفاع عن الحق ، ويكرُّ في الميدان مثل حمزة بن عبد المطلب ، ولا يأْبَهُ بأبي جهلٍ ، أو بهندٍ وعبْدِها وحْشِيٍّ !!

لقد كان (أحْمدَ) في قراءته لنصوصنا جميعاً ، وكان يُعَلِّقُ عليها أجمل تعليق ؛ بحيث تصلُحُ تعليقاته أن تكونَ نُصوصاً نقديَّةً ، صالحَةً للنشر ، بشكل مستقلٍ ، في باب النقد الأدبي ؛ فهو ينثر فيها آراءً ثاقبةً ، وأحكاماً صائبةً ، وفوائد جمَّةً لمن يريدُ أن يشُقَّ طريقاً ناجحاً في ميدان الأدب والنقد ...

وأشهدُ أني كنتُ أستفيدُ من ملاحظاته كثيراً ، وأقرأ باهتمام توجيهاته ، وأحفِّزُ نفسي إلى أن أكونَ عند حُسْنِ ظنِّهِ ؛ فقد كتبَ إليَّ يوماً أنَّ ثقتَهُ بي كبيرةٌ ، وبقدْرِ ما أسعدتني هذه الثقة فقد شعرْتُ ، في نفس الوقت ، أنها قيْدٌ ، وأيُّ قيْدٍ !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق