]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رسالة اعتذار إلى والدي ...

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-16 ، الوقت: 15:52:26
  • تقييم المقالة:

والدي العزيز :

أعتذر إليك ، وأطلب منك أن تسامحني ، وتصفح عني ...

فاليوم ، أقف ذليلاً عند قبرك ، وأُبلِّلُ ترابَه بدُموعي ، وأقدم لك اعتذاراتي ، وفي  أعماقي يقينٌ أنك تصغي إليَّ ، وتصلُ إليك كلماتي ...

يا والدي إنِّي أعلنُ لك أنني فشلْتُ في مسار حياتي ، وأني لقيْتُ ذلك المصير الأسوأ ، والأسود ، الذي طالما حذَّرتني منه ، وأكَّدتَ لي مراراً أني إذا سرْتُ في الحياة سيْراً مُعوجاً فحتْماً سأسقطُ في نهاية الطريق ، ولوْ لاحتْ لي في جوانبه بعضُ المناظر الخلابة ، واسْتهوتني قليلٌ من المشاهد الفاتنة ...

ولم أسمع يوماً إلى كلامك ، ولم أعمل بأيِّ نصيحةٍ من نصائحك ، وغرَّتني الأماني ، وأُعجبتُ بأحلامي ، وأقنعت ذاتي أني أعيش زماني ، وأستمتع بشبابي ، وأنني حرُّ في حياتي ...

ولم أدركْ أنَّ الزمانَ يمرُّ ، ويقطع من أعمارنا أياماً وليالي لا تعودُ ..
وأنَّ الشباب ينقضي ، ولا يعودُ على صاحبه إلا بما ترك من عملٍ ، وادَّخر من زادٍ ...

وأنَّ حياتي أمانةٌ في عنقي ، إذا خُنْتُها خانتني ...

لم أدركْ هذا إلاَّ أخيراً ، بعد أنْ تأخرَ عنيِّ الهَدفُ الشَّريفُ ، والنجاحُ الحقيقي ، والاستقرارُ الطبيعيُّ ... ووجدتُ نفسي في مهبِّ الريحِ ، تتقاذفني شياطينُ القلق ، والكآبة ، والمرارة .

آهٍ من طيْشِ الشباب !!

وآهٍ من غرور الإنسان !!

كنتُ أظنُّ أنَّ الآباءَ لا يُوافقون أبناءَهم ، وأنهم يُخْطئون حين يراقبونَهم ، ويرشدونهم إلى الطريق ، وأنهم يُمارسون حقّاً غير مشروعٍ ، ويكونون مُتزمِّتين في الرأي ، والكلمة ، ويخافون أن يُكلِّفهم أبناؤُهم ما لا يُطيقون ، ولا يرْجونَ ، ويحرصون أن لا يفاجئوهم بما لا يتوقَّعون من أمورٍ تستدعي كثيراً من النفقات والمساعدات ؛ فهم جبناءٌ ، بخلاءٌ ، ولكنهم مستبدُّونَ .. و ـ في أحسن قوْلٍ ـ محافظون ...

محافظون على السائد .. محافظون على النظام .. محافظون على الواقع .. محافظون على الماضي والحاضر ... أما المستقبل فإنهم لا يفكرون فيه ، ولا يطمحون إليه ، فقد حققوا غاياتِهم كلَّها حين تزوجوا وأنجبوا ، والأبناءُ ضمن ما ملكت أيْمانُهم !!

هكذا كنتُ أظن ، وأفكر ، ونزغَ بينك وبيني الشيطانُ ، وبثَّ في صدري نزعةَ التمرَّدِ ، وقلْتُ : له دينُهُ ولي ديني .. له حياتُهُ ولي حياتي .. وما زلْتُ في بداية العمْرِ ، وبعْثَرْتُ عُمْري في قارعات الطرقات ، وسهرتُ الليالي ، ونِمْتُ النهارات ، وذقْتُ أصنافَ الشهوات ، وتقلَّبْتُ بين أحضان النساء ، وسكرتُ ، وانتشيْتُ ، ولعبْتُ ، ولهَوْتُ ، وقضَيْتُ مرْحلة طويلَةً عريضةً ، ولكني اكتشفْتُ أنها كانت فارغَةً ؛ لأنها لم تتركْ لي شيئاً بين يدَيَّ ، ولم تعُدْ عليَّ سوى بالنَّدم ، والعجْز ، والضياع ...

نعم يا والدي إنِّي أشعر الآنَ بالعجز ، والضياع . والنَّدمُ يعُضُّ قلبي ، ولسْتُ أبكي بالدَّمعِ ، ولكن أبكي بالدَّمِ ...

فاغفرْ لي يا أبي فقد لوَّثْتُ دمَكَ النقيَّ ، وادْعُ لي ؛ فأنتَ الصالحُ ، وليس أنـا !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق