]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صمتُ صاخبٌ بخوذٍ صفراء

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-09-16 ، الوقت: 13:51:02
  • تقييم المقالة:

 

صمتٌ صاخبٌ بخوذٍ صفراء

 

محمد الحداد

صورةٌ جميلة شاهدتها بالصدفةِ المَحضة أثارتْ اهتمامي وطرقتْ بابَ فضولي وجعلتني أتتبعُ تفاصيلَ خبرها عبرَ الشبكةِ العنكبوتية..الصورةُ تظهرُ إضراباً عن العملِنظّمهُ مهندسون وعمالٌ بريطانيون اقتصرتْ فكرة إضرابهم بأنْ فرشوا خوَذهم الصفراءَ على الأرضِ بتناسقٍ هندسيٍّ مُنظمٍ وبديع بدون أنْ يُرافقَ إضرابهم هذا أيّ مظهرٍ من مظاهرِ العُنفِ أو الصِدام مع أجهزةِ الأمنِ المتواجدةِ قربَ المكان.

مشهدٌ صامتٌ غريب لا حِراكَ فيهِ أبداً..فأيُّ نوعٍ من الإضرابٍ كان؟

لسنا مَعنيين كثيراً بما كان يُطالبُ بهِ المضربون فلن يُغيَّرَ ذلك من الأمر شيئاً لكنَّ ما لفتَ نظري شخصياً في تلكَ الصورة أنها جمعتْ في آنٍ واحد بين غرابةِ الفكرةِ وذكاءها وسِعةِ خيالِ مبتدعيها..إذ رسَمتْ بوضوحٍ لا لبسَ فيهِ أكثرَ آلياتِ الاحتجاجِ والإضرابِ السلمي براعة بأسلوبٍ مُبتكرٍ بلغَ أعلى درجاتِ الرُقيّ والتحضر.

بهذا الصمتِ الحكيم استطاعَ هؤلاء المضربون أنْيُعبّروا عن سَخَطهم ويطرقوا باباً كبيرة كانوا موقنين تماماً أنَّ سلالاً من الحلولِ التي تُرضي طموحاتهم المشروعة تكمنُ ورائها مباشرة فاختصروا بذلكَ نصفَ الطريقِ نحو الحل من دونِ أنْ يستنزفَ الأمرُ منهم إلا الوقت اليسير الذي رتّبوا فيهِ خوَذهم الصفراء هذهِ فحسب فلفتوا إليهم الأنظارَ بسرعةٍ ويُسرٍ وتمكنوا أنْ يفرضوا سطوة احترامهم بانتهاجهم هذهِ الوسيلة غير المطروقة سابقاً..

إليكم المشهد مُختصراً..إضرابٌ صامتٌ أصفر اللون..تُقابلهُ في الجانبِ الآخر وعلى مبعدةِ بضعةِ خطواتٍ فقط نظرةٌ صامتة أيضاً لا تقلُّ عن الأولى جمالاً وروعة لكن بثيابٍ عسكرية..موقفٌ كانَ يفترضُ غضباً فوضويّاً عارماً لو أنهُ حدثَ في مكانٍ وزمانٍ آخرَين.

مَنْ يتأملُ الصورةَ جيداً سيلحظ بيُسرٍ كم هي مُريحة للعينِ والعقلِ معاً.. وسيتفهمُ فوراً الأسبابَ التي أثارتني فيها وجعلتني أتتبعُ تفاصيلها الكاملة.. فالإضرابُ خلى من أيةِ هتافاتٍ صاخبة بل من أيةِ أصواتٍ أخرى قد تخدشُ الأسماعَ والأذواق..ومن دونِ أيةِ مناظر تؤذي العينَ أيضاً لأنَّ منظمي هذا الإضراب اختاروا بوعيهم المسؤول المُضي في أقصرِ الطرقِ المؤديةِ إلى أهدافهم بأيسر الوسائل وأكثرها أمناً وسلاماً في وقتٍ واحد.. فضمِنوا بذلك إيصال مطالبهم دونَ أيّ لبسٍ أو تعقيدٍ أو تكلفٍ ودون عَسفٍ في الرأي أيضاً.

ربما يكمنُ السرُّ في كلِّ تلكَ الراحةِ السمعيةِ البصريةِ أنَّ الإضرابَ بعثَ ابتداءً برسائلِ سلامٍ واطمئنانٍ واضحتين إلى مَنْ يهمهم الأمرلذالم يستلزم من الجميع أكثر من نظرةٍ خاطفةٍ ليتفهموا قضية المضربين بوضوح.

ثم أنَّ الصورةَ كانتْ نظيفة فعلاً بمعنى أنها خلتْ من أيةِ تفاصيل فوضوية مما يمكنُ أنْ يُصاحبَ مثل هكذا إضرابات عادة..الأمر الذي كان متوقعاً لهُ أنْ يُفضيَ ببساطةٍ إلى مالا يمكن التنبؤ بعواقبهِ لو انفلتَ فيهِ عِقالُ الحكمة.. خاصة في ظلِّ التباين الصارخ في وجهاتِ النظر واختلافِ الرؤى لكنهم اختاروا أنْ يرسموا لوحة رائعة ملئوا كلَّ تفاصيلها بألوانٍ زاهية وظللوها بحكمةِ صمتهم الشفيفة..

ثمة انطباعٌ فوريٌّ آخر يمكنُ لأيِّ متأملٍ للصورةِ أن يخرجَ بهِ وهو أنَّ سيرَ الأحداثِ يبدو للعيانِ بطيئاً..بل ساكناً لكنَّ ذلكَ لم يمنع الرسالة أنْ تصلَ بسرعةِ الضوء لذا استحقَّ المشهدُ منّا فعلاً أنْ نتأملهُ طويلاً بكلِّ هذا الاهتمام ونملأ بهِ أعيننا مرة بعد مرةٍ ..فمشهدٌ نظيفٌ مثلَ هذا لا يمكنُ أنْ تملهُ العينُ أبداً وسنعترفُ أنَّ حدوثهُ أو تكرارهُ على الشكلِ الذي يجعلُ منهُ تقليداً مُتّبعاً شيءٌ أشبهَ بالمستحيلِ حتى على مستوى العالم المتحضر أما في بلداننا العربية فلن نجرأ أبداً أنْ نحلمَ بمشاهدتهِ في ساحاتنا ومياديننا الصاخبة في يومٍ من الأيام.

بعد ذلك كلهُ لن يستلزمَ الأمرُ منّا كثيرَ فطنةٍ لنعرفَ أنَّ إضراباً كهذا نجحَ بامتيازٍ لأنهُ أثمرَ بإيصالِ مطالبِ المُضربين كاملة إلى حكومتهم وهو هدفُ الإضرابِ الأول..ولأنهُ انتهى كما بدأ بلا خسائرَ تُذكر ومن غيرِ تشنجٍ أو انفعال وبشكلٍ يليقُ تماماً بطرفي الخِلاف..ومن دون أنْ يتركَ أيضاً أية احتمالاتٍ مُعاكسة ربما تخذلُ آمالَ منظمي الإضراب من عدم نيل حقوقهم المشروعة بعد أنْ أوصلوها بهذا الرُقيٍّ المُتفردِ إلى حكومتهم.

المعادلة متكاملة إذن..ولم يكن ممكناً لها أبداً أنْ تكتملَ هكذا لولا أنْ تساوى طرفاها في درجة وعيٍّ واحدة..توازنَ طرفا المعادلة فسمحَ بأنْ تأتي النتائجُ كما هو متوقعٌ لها تماماً وهذا هو السرُّ المزدوج لنجاحِ الإضرابِ الذي لم يكن متوقعاً لهُ أبداً أنْ يحصدَ كل هذهِ الغِلال المثمرة من نجاحهِ لولا أنَّ بذورَهُ زُرِعتْ في أرضٍ خصبةٍ وفي مناخٍ ربيعيّ حقيقي..وبأجواءٍ معتدلةٍ وهادئةٍ وفي وقتٍ محسوبٍ بدقةٍ وتحت رعايةٍ مُتكافئةٍ من طرفي النزاع.

خطوتانِ محسوبتانِ بدقة سارتا معاً جنباً إلى جنبٍ كانَ لابدَّ منهما معاً لإتمامِ المسيرِ نحو نهايةٍ ناجحة..رغم أنَّ البعضَ قد يجدُ فيهما الكثيرَ من تسويقٍ موظفٍ بشكلٍ لا يخلو من فنونِ الاستعراض والتمظهر لكن ما الضير في ذلك طالما أنَّ الطرفين يتنافسانِ في سباقٍ يحرصُ كلاهما على تقديمِ صورةٍ راقيةٍ إلى الآخر المُختلَف معهُ مُزينة بألوانٍ رائعة عبّرتْ عن الرقيّ والانضباط والشعور العالي بالمسؤولية الذي تقتضيهِ مواقفُ مصيرية مثل هذهِ.

هذا الحدث رغم غرابتهِ ليس يتيماً أبداً في المشهدِ السياسي الاحتجاجي السلمي العالمي ولن يكونَ الأخير قطعاً...فثمة حالاتٌ أخرى مشابهة لهُ في المضمونِ تتكررُ في أماكن وأزمان مختلفة وإنْ اختلفتْ وسائلها وتباينتْ طرقُ التعبير عنها بتعدد الأساليب المتبعة في ذلك لكنها تتفقُ في نتيجةٍ واحدة وهي أنها تخدمُ الغرض الرئيسي الذي من أجلهِ خرجتْ تلك التظاهرات.

ثمة بالتأكيد ما يشذ عن ذلك..وتسليط الضوءِ على تلك الحالةِ التي ذكرناها باعتبارها نموذجاً مثالياًلا يعني إطلاقاً أنْ نعصبَ أعيننا عن حالاتٍ أخرى مُغايرة لها قد ترافقُ أحياناً بعضَ التظاهراتِ والإضراباتِ التي ربما تكونُ قد ابتدأتْ بشكلٍ سلميٍّ أيضاً لكنها انحرفتْ لاحقاً عن مسارها المخطط لهُ تحت أيّ مُسببٍ كان.

لكن لماذا يبدو لنا ذلك الإضراب أو ما يماثلهُ من تظاهرات مِثالية أكثر مما يجب رغم إقرارنا بقلةِ حدوثها بهذا الشكلِ الراقي؟ لماذا تلتصقُ بحادثةٍ مثل هذهِ كل تلك الغرائبية التي توشك أن تصلَ حدَّ الخرافة في مجتمعاتنا العربية طالما كانت تندرجُ أساساً ضمن الممارسات الإنسانية المتحضرة؟  

الأمرُ كلهُ بالتأكيد يندرجُ ضمن ثقافة التظاهر والاحتجاج ولا يبتعدُ كثيراً عن حدودِ دائرتها الضيقةِ هذهِ أبداً..لكنهُ شئنا أم أبينا يعكسُ حتماً مدى وعي الشعوب بدورها الكبير في صنعِ الحياة وممارسةِ جميع حقوقها المُتاحةِ من أجلِ الوصولِ إلى ذلك الهدف المُقدس...ثقافة لا تزالُ عندنا أشبهَ ما تكون بطفلٍ حديثِ الولادةِ لم يُغادرْ صخبَ طفولتهِ وشغبهِ الفوضوي بعد..لذا لا غرابة في أنَّ وسائلنا في التعبير لازالتْ تتخذ أيضاً أشكالاً إنفعالية بدائية كنوعٍ من تنفيسٍ انفجاريٍّ غير محسوب لمنسوبٍ احتقانيٍّ عالٍ ضاربٍ بعمقٍ في الجذور يؤشرُ لفداحةِ اختلافاتنا المتراكمة.. لذا تأتي تلك الوسائل المناقضة لذلك النموذج المثالي كترجمةٍفوريةٍ وعفوية لِكلِّ ما يعتلجُ في مكنوننا النفسي الذي يعكسُ كلَّ إحباطاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية..لذا ليسَ غريباً ألا نجدَ حتى اليوم وسيلة مُغايرة مناسبة نعبرُ بها عن كلِّ ذلك إلا بشكلها العنفي الإنفعالي المتطرف..

مقابل رسائل السلام والعمل والبناء التي ترسلها تلك الخوذ الصفراء..ثمة دائماً في ضفتنا العربية خوذ من نوعٍ آخر بلونٍ وغاياتٍ ووسائلَ مغايرة تماماً..خوذ حمراء قاتلة وليسَ بالضرورةِ أبداً أنْ تكونَ خوذنا هذهِ مرئية للعيان..لكنها محملة دائماً برسائلَ مشحونة على الدوام بشفراتِ عنفٍ سرية مفخخة تمدها بالموتِ والخراب..ويبدو أنَّ كلَّ خوذةٍ ستظلًّ تبعثُ برسائلها بطريقتها الخاصة..ستظلُّ خوذهم الصفراء التي ترتديها رؤوسٌ ممتلئة تليقُ بها الحياةُ تبعث برسائل اطمئنانها إلى الجميع فتبدعُ وتشيدُ وتَصنع..حتى إذا انتزعتْ منها بعضُ حقوقها خلعتها بهدوءٍ وفرشتْ بها الأرضَ بتناسقٍ منتظم لتلفتَ الأنظارَ إلى مطالبها المهضومة بصمتٍ مَهيب ولترسلَ بذلكَ رسائلَ أخرى لا تقلُّ عن الأولى براعة وَرُقياً وتحضراً..وستظلُّ خوذنا نحنُ أيضاً تبعثُ برسائل تُطلقُ إشاراتها السرية المشفرة في كلِّ حين إلى أيادٍ تقبعُ في ظلمتها على جمر الإنتظار لتتسلمَ الإذنَ باستلالِ سلاح المبادرةِ والضربِ على زنادِ الموتِ والخراب..ويبدو واضحاً أنَّ ضفتنا العربية ستظلُّ ممهورةً بتلك الخوذ الحمراء الصِرف لوقتٍ طويل..

لمرةٍ أخيرة لنتأمل الصورة جيداً..ولنلقيَ بما تبقى من أسئلتنا الحائرة : كم تبدو المسافة بعيدةً حدَّ المستحيل بين خوذهم الصفراءَ الصامتة وخوذنا الحمراء الصاخبة؟ أوَليستْ مسافة تشبهُ ذلك التباين الصارخ والفادح بين الحياةِ والموت؟ أليستْ مفارقة مُحزنة وصادمة معاً أنَّ الصورتين تتنفسانِ أسبابَ بقائهما على قيدِ الحياةِ في أرضٍ واحدةٍ وبين أناسٍ يُفترضُ أنهم متساوونَ في درجةِ إنسانيتهم ومتشابهونَ في تطلعاتهم وأحلامهم نحو مستقبلٍ واحد يليقُ بهم جميعاً دون تمييز؟لماذا يظلُّ نموذجَها بعيداً جداً عن اشتراطاتِ واقعنا العربي الشائك بظروفهِ وتفاصيلهِ الملتهبة إلى الحدِّ الذي نكادُ نعدُّ حصولها عندنا ضرباً من المستحيل؟

أسئلة حائرة كأنها طعنة نجلاء في خاصرةِ الحياة والإنسانية والسلام.. ربما ستظلُّ الإجابة عليها هي الأخرى مفتوحة على قِفارِ المستحيل..

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق