]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عنترة العبسيّ

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-09-16 ، الوقت: 08:26:43
  • تقييم المقالة:
عنترة العبسيّ

    ما أصعب أن تبيع قلبك، فيضعه المشتري على رفّ الحمّام، قرب معجون الحلاقة، ومعجون الأسنان، ليدهن منه قليلاً، بعد فرك رغوة الصّابون على ذقنه ووجهه، ثمّ يجفف كلّ ما كان.

    ما أصعب أن تسير في نفس الطّريق مرّتين يوميّاً، وتمشي على ذات التّراب، وتتعثّر بنفس الحصى، وتشاهد وجه صاحب الدّكّان محنّطاً ومسمّراً كالمومياء في نفس المكان، يحملق في جيبك قبل أن يلمح وجهك، ولا يفكّر بشيء سوى الأثمان، ولا يأتي بائع الكعك، ولا بائع القهوة، ولا بائع الصّحف، ولا يتحرّك شيء، سوى عجلات السّيارات، تجلد الإسفلت، في كلّ ثانية جلدتين، ويئنّ الشّارع  ولا يسمع أنينه إنس ولا جان.

     ما أصعب أن تلقي التّحيّة كلّ يوم على وجه بلاستيكيّ حنّط منذ زمان، وبقي متسمّراً في نفس المكان، لا يشبه إلّا وجه رمسيس الثّاني، يتمدّد في المتحف كبركان خمد منذ زمن بعيد، ولم يعد له دور إلا استقبال السّيّاح الأجانب؛ لينظروا إليه نظرة جامدة بلهاء، ويلتقطون عشرات الصّور لكلّ الأجزاء، صورتان لوجهه، وسبع ليده، وعشر لقدمه، وثلاثون للحذاء، نجّاه الله ببدنه ليكون لمن خلفه آيةَ، بعد أن صنع منّ قوم موسى آيات للعذاب والهوان، والجبروت والطّغيان.

 

ما أصعب أن تحشد قواتك، وتهدد بمئة ألف مقاتل، يشعلون الأرض ناراً، ويحوّلون الدّنيا إلى رماد، وينسفون الجبال، ويَذَروها قاعاً صفصفاً، وتتبجح قائلاً : عنترة إذا غضبَ غضبَ له مئة ألف لا يسألونه فيم غضب، وتحملق باعتزاز في الجيوش التي تتقدّم، وفي الرّايات التي تقترب، وتضحك للزّحف، وتطرب لصليل السّيوف، ثمّ تكتشف أنّ هؤلاء جند الأعداء، وأنّ جندك ليسوا في الميدان.

     كلّما جاسوا حول الدّيار كنت أستنجد بعنترة، كلّما حاموا حول الحمى كنت أستنجد بعنترة، كلّما اقتربوا من القطيع، أو سرقوا نعجة، كنت ألوّح بسيف عنترة، كنت أقول سيأتيّ فتى الفتيان، ويحصد رؤوسكم كالزّرع، وسيطحنكم قبل الأوان

 إنّه الثّورة المظفّرة.

   سمعت البارحة أنّه سيلقي بياناً، هرولت إليه، ونسيت لسرعة قلبي أن أنتعل الحذاء، شاهدته في السّوق المركزيّ، وقد تحلّق من حوله الفتيان الذين سمعوا عن الصّولة والصّولجان، لم يبق فتى من فتيان عبس، إلّا وجاء ليكحّل عينيه برؤية عنترة عن قرب، كلّهم  توافدوا لرؤية عضلات عنترة، لرؤية الفارس الذي ما هان، تكلّم يا عنترة، فالكلّ ينتظر البيان، تزاحم الفتيان وتدافعوا، في محاولة للاقتراب منه، أعلن عنترة أنّه ترك الميدان، ولم يعد جنديّاً في حرب عبس وذبيان، وأنّه سيبيع سيفه بالمزاد العلنيّ، ويعتزل كلّ ما كان، ويعلن حربه على ( اللوك )الجاهليّ، وينكر نسبه لشدّاد، وحتّى لأمه زبيبة، ويسبّ داحس ويشتم الغبراء، ويعلن أنّه لم يعد راغباً في عبلة، وأنّه سيشترى بنطالاً بلا خصر، وعلبة (واكس) وحذاء إيطاليّاً، وزجاجة عطر فرنسيّة، وكريماً واقيا من أشعة الشّمس، ويبيع الجاهليّة.

        بكَيتُ بكَيتُ بكَيتُ، ما لهذا جئتك حافياً يا عنترة، دميت قدماي من الأشواك، ووعورة الطّريق، كُلُّ الأمهات الثّكالى حمّلوني رسائلهم إليك، فَهَدَّ ظهري ثقل الحمل، وارتفع أنيني في الطّريق، فيك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما وُصف لي فتىً فأحببت أن أراه إلّا عنترة، لا تبع الفروسيّة والحميّة، ولا تُعِدْ القول بأنها جاهليّة، إن كانت جاهليّة فما أصعب أن نعيش دون الجاهليّة!

عزيزة محمود الخلايلة

مشرفة اللغة العربية

مكتب تربية الخليل

Email : azizah_m2012@yahoo.com                        

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق