]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فنّ إدارة الصراع بين حركة النهضة ونداء تونس

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2013-09-15 ، الوقت: 13:04:56
  • تقييم المقالة:
بقلم: صابر النفزاوي -محلل سياسي- تتالت اللقاءات بين الشيخ راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي ،وتواترت تصريحات الغزل المتبادل بين قيادات من النهضة وحركة نداء تونس ،فما الذي يحدث بين الحزبين ؟..هل أننا إزاء تقارب استراتيجي أم ظرفي؟..هل يمكن الجزم بوجود تقارب حقيقي بين الطرفين؟.. نجد أنفسنا مضطرين إلى مقابلة هذا “التقارب”بقدر كبير من الاستغراب لأن النهضة والنداء ليسا مجرد خصمين سياسيين فبينهما خصومة وجودية –إن صحّ التعبير- تقوم على تكفير سياسي متبادل فكلاهما يرمي الآخر بمعاداة المصلحة الوطنية العليا وتهديد استحقاقات الثورة،وهذا التراشق مبني على معطيات موضوعية تتعلّق بما هو معروف عن نداء تونس من إعادة رسكلة للتجمعيين ،كما لا يمكننا التغاضي عن التباعد الإيديولوجي العقدي بين الطرفين،ولما كان ذلك كذلك فإنّ هذا التقارب النسبي الحاصل يستدعي ولاشك النظر والتمحيص من أجل محاولة الكشف عن أبعاده ودلالاته ورهاناته. كلنا يعلم بأنّ نداء تونس هو أحد مكوّنات ما يسمى “جبهة الإنقاذ الوطني” ذلك الفضاء التعبوي الذي صنعته الجبهة الشعبية أساسا ،ولمّا كانت مصالح حزب السبسي تدفعه إلى البقاء في خندق جبهة حمّه نظرا لاستفادته جماهيريا من الانخراط في العمل الجبهوي مع قوى اليسار واكتسابه المزيد من العمق الشعبي داخل الجهات،ولمّا كان الاستعداء الكامل لحركة النهضة لا يصب كذلك في مصلحة الحزب تأكّدت من ثمّة ضرورة البحث عن صيغة وسطية توفيقية يبدو أنّ حركة نداء تونس وجدتها في اتفاق سري بينها وبين النهضة يقضي بظهور”النداء” بوجه مزدوج لا بخطاب مزدوج، لذلك ليس صحيحا أنّ الرؤية العلائقية الجديدة للنداء تفترض تقديم دور ما يسمّى بالحمائم على دور الصقور لبناء فضاء علائقي جديد ،لأن الشق “المتشدد”نفسه لديه دور في عملية البناء بما أنّه عنصر جذب ثابت للقواعد الحزبية ،وما يبدو من تناقض في التصريحات بين القيادات يدخل في حقيقته في إطار ما يسمّى “التكاذب السياسي” الذي تتوزّع على أساسه الأدوار،وينطبق هذا التحليل كذلك على حركة النهضة. فسياسة الوجه المزدوج لحركة نداء تونس تفترض من جهة التعامل مع الجبهة الشعبية خصوصا وجبهة الإنقاذ عموما بخطاب المشايعة والتأييد المعلن،ومن جهة أخرى عدم الانخراط الواسع في أعمال التعبئة الشعبية ،فقد رأينا كيف صرّح السبسي بعد لقاء باريس بأنه لا تنازل عن المطالب الجوهرية لجبهة الإنقاذ لكن بعد إعلان الجبهة عما يسمّى “أسبوع الرحيل”أعلن الباجي أنّ حزبه غير معني بذلك وبالتالي وجّه دعوة ضمنية للقواعد بعدم معاضدة الجهود الميدانية للجبهويين.. اتّساقا مع ما سبق ينقدح سؤال مثقل بالحيرة ؛ما مصلحة الطرفين من هذه العلاقة المرتبكة والمربكة؟.. بالنسبة إلى حركة نداء تونس فإنها تطمح إلى الإبقاء على شعرة معاوية مع الجبهة الشعبية وحركة النهضة معا للظفر بهامش للمناورة باللعب على التناقضات الكامنة بين الخصمين العقديين،وكذلك الظهور أمام الرأي العام كقوة وسطية ومحورية بين جميع ألوان الطيف السياسي والحزبي ؛كما أنّ النداء وقف شاهدا على النتائج الوخيمة للاستعداء المنهجي لحركة النهضة من خلال نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 ،فانتقادها بشكل ممجوج يؤوله العوام على أنّه عداء للهوية العربية والإسلامية؛فضلا عن هذا وذاك ليس من مصلحة نداء تونس فكّ الارتباط الكامل بالجبهة الشعبية بما أنها على يقين أنّ تقارب حركة النهضة معها هو تقارب ظرفي تكتيكي ولا يرتقي إلى الموقف الاستراتيجي المبدئي وبالتالي هي حريصة على عدم وضع البيض كله في سلة النهضة ،كما لا يفوتنا أنّ جبهة الإنقاذ رغم عدم تجانس مكوناتها تمثّل قوة ضغط معتبرة على الترويكا وبالذات على حزب النهضة. أما فيما يتعلّق بحركة النهضة فإنّ الاتفاق الذي فصّلت فيه القول يساعد على احتواء الجبهة الشعبية وعلى إفراغ ما يسمى جبهة الإنقاذ من مضمونها وبالتالي التوصل إلى تحجيم محاولات التعبئة”الشوارعية”. كما يجب ألاّ نغفل عن أنّ التقارب مع نداء تونس يساهم في امتصاص الاحتقان السياسي والاجتماعي وبطبيعة الحال ترطيب الاجواء ولو نسبيا يصبّ ضرورة في مصلحة أحزاب السلطة .كما أنّ استفحال الأزمة يجعل التقارب مع النداء يُظهر حركة النهضة أمام الرأي العام كطرف منفتح على الحوار وقابل لتقديم تنازلات مرّة للخروج من الانسداد السياسي لما فيه خير البلاد والعباد. هناك نقطة أخرى جديرة بالإشارة وهي نظرة حركة النهضة التجزيئية لما يسمّى جبهة الإنقاذ ،فهي تميّز بين تيارين داخلها تيار إصلاحي حركي ديمقراطي تمثله حركة نداء تونس ،وتيار آخر فوضوي ،عدمي ،انقلابي تقوده الجبهة الشعبية ..؛طبعا هذه الرؤية التقسيمية تدخل في سياق تشجيع الانقسام داخل الجبهة من خلال ثنائية التقديس والتدنيس إن صحّ التعبير ،لكنّ هذه النوايا المبيتة لا تحجب حقيقة وجود اختلاف موضوعي بين جبهة شعبية راديكالية ونداء تونس براغماتي . هناك مسألة أخرى رأينا ضرورة التعريج عليها ،فاستقالة الصحفيين حمزة البلومي وسفيان بن فرحات من قناة “نسمة”تدخل في سياق متصل بما كنا بصدده من تحليل للتطورات العلائقية بين الحزبين الأكبر في تونس،فما حدث لا يعود في حقيقته إلى تغيّر خط القناة المحسوبة على “نداء تونس”وتحوّل بوصلتها إلى الحزب “الحاكم”بل يعود إلى تكيّف مع الرؤية الجديدة للنداء ،والحوار الذي تمّ تمريره مؤخرا للشيخ راشد الغنوشي يمكن إنزاله في خانة التأقلم مع المقاربة الجديدة . صفوة القول، سيكون من قبيل “البانغلوسية” السياسية أن يذهب بنا الظن إلى حد الاعتقاد بوجود تقارب حقيقي بين النهضة والنداء ،فما نحن بصدده ليس إلا ضربا من ضروب إدارة الصراع لا حلّه،فنحن إزاء استبطان لحالة الجفاء والقطيعة عبرتوظيف آلية الإلباس والالتباس لحل معضلة التوفيق بين ضرورات العمل الحزبي ومقتضيات الحراك السياسي.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق