]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفأْرَةُ العجيبة .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-13 ، الوقت: 09:15:50
  • تقييم المقالة:

منذ أنْ وقعت تلك الفأرةُ العجيبةُ في قبضتي ، وأنا أسيرُ هواها ، ومُنْقادٌ لسحرها ، أميلُ حيثُ تميلُ ، وأدورُ أين تدورُ ، وأتوقَّفُ متى تتوقَّفُ ... وأحتفظ بها لنفْسي ، أغلب الأوقات ، ولا أُفْـلِتُها من يدي إلاَّ في لحظات الأكل ، أو ساعات النوم ، أو حين تضغط عليَّ ظروف شديدةٌ ، فأنفصلُ عنها رُغْما عنِّي ، وأدعُها في مكانٍ آمنٍ ...

ولكن يحْدُثُ أحياناً أن أتناول طعاماً خفيفاً بيدٍ ، وأظلُّ مُمْسِكاً بها في يدي الثانية ، وأحْمِلُها معي إلى الفراش ، وأجعلُها تنامُ معي ، وأصطحِبُها إلى أماكن أخرى ...

وللشهادة ؛ فلقد وجدْتُها مختلفةً عن الفئران المألوفة وغير المألوفة ؛ فهي فأرةٌ ذكيَّةٌ ، ونشيطةٌ ، وعبقريَّةُ الزمان ، ونابغةُ العصْرِ ، تمتلِكُ حاسَّةَ شمٍّ قويَّةً ، وبصرُها حديدٌ ، ولا تتعبُ من الحركة ، والتنقل ، هنا وهناك ، وتنفذ أحياناً إلى عوالم خفية ، وأقطار بعيدةٍ ، وتُذْهلُني بطريقة بحْثها الدَّؤوبَةِ ، واكتشافها لكثير من المواطن ، والأجناس ، والحكايات ، والأخبار ، والأحداث ، والمخلوقات ...

بل إنها جعلتْني أتعرفُ بناسٍ من مختلف الشعوب والأوطان ، وأنشأت بيني وبينهم صداقاتٍ ، وعقدت أواصر متينة ، وأنبتت عواطف حقيقية ؛ فلا يمُرُّ يومٌ دونَ أن يطْرَقَ بابَ غُرْفتي صديقٌ أو صديقةٌ ، أو يرسلَ لي باقة وردٍ ، أو أغنيةً جميلَةً ، أو تُحْفَةً فنّيَّةً ... وإذا غِبْتُ قليلاً ثم عُدْتُ تفاجأْتُ برسائل تحملُ أشواقاً ، وأسئلةً عن أحوالي وأخباري ...

والفأرةُ جاهزةٌ للعمل في أَيِّ وقْتٍ ، ومُطيعة دائماً ، فلا تطلبُ مني شيئاً ، ولا تأكلُ ولا تشربُ ولا تنامُ ، ولا يبدو عليها التَّعبُ والضَّجرُ ، بل تفعلُ ما آمُرُها به ، ولا تعْصي لي أمْراً ، وتملأُ أوقات فراغي ونشاطي ، وجِدِّي وهزْلي ، ولا ينْتابُها العَجْزُ إلاَّ حين ينقطعُ التَّيَّارُ الكهربائيُّ ، فتَتَمَلْمَلُ قليلاً ، وتنتفضُ في حركتها ، ثم تهْمَدُ ريثما يعود التَّيَّارُ ...

والحقيقة أنني لستُ وحْدي من يمْلِكُ هذه الفأرةَ العجيبة ؛ فإنَّ كثيرين في العالم يملكون مثْلها ، ويتعلَّقونَ بها مثلَ تعَلُّقي ، ويستفيدون من خدماتها الغنيَّةِ والمتنوعة .. وقد وصلَ الأمرُ ببعضهم أن انْدغَموا فيها ، وحوَّلوها إلى بصماتٍ في أناملهم ، وهي بصماتٌ تختلفُ من شخص إلى آخر ، ولوْ بدت في الظاهر متشابهة ؛ ذلك أنَّ كُلَّ فأرةٍ تنوبُ عن صاحبها ، ولا يصدر عنها إلاَّ ما يأمُرُها به من خيْرٍ أو شرٍّ ، ولا تعملُ إلاَّ برأيه ، ومشورته ، واختياراته .. وهي خَيْرُ عَيْنٍ تنبثقٌ من أعماقِ الإنسان .. وإنْ كانت عجيبةً إلاَّ أنها في الأول والآخر مجرَّد فـاْرَةٍ ... !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق