]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الغريب . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-12 ، الوقت: 10:37:07
  • تقييم المقالة:

أجهدْتُ ذهني بعمليَّة التذكر فلم أظفر بما أريدُ .. وناشدتُ من يُسْعفني ببعض الذكريات فلم أعثر على أحدٍ ؛ فقد كان معظم من أعرفهم قد انتقلوا إلى الدار الأخرى ، ومنهم من استقروا في أوْطانٍ نائيةٍ ...

واهتديْتُ إلى فكرة أن أتجَوَّلَ في شوارع وأزقة المدينة ، لعلِّي ألمحُ أثراً من آثار الزمن الماضي ، فتنتعشُ ذاكرتي ، وتستضيءُ جوانبُ نفسي ..فوجدتُ معالمَ جديدةً ، ودُنْيا غير الدنيا التي أبحث عنها ، واجتاحني شعورٌ داخليٌّ أنني غريبٌ ، في وسطٍ غريبٍ ، مع وجوه غريبة ...

ورأيتُ فيما يرى اليقظانُ بناياتٍ عصريَّةً ، ومنازل حديثة ، تتنافسُ فيما بينها في العُلُوِّ ، والضخامة .. ومَرْكباتٍ مزدحمةً في الطرقات من أحدث نوْعٍ ، وأغلى طرازٍ .. والناسَ يتحركون بصخبٍ وعجلَةٍ ، وأيديهم مُمْسكةٌ بآلاتٍ صغيرة الحجْم ، يضعونها فوق أذانِهم ، ويتكلمون طول الوقت ، ويصرخون ، ويقهقهون ، ويهْمِسون ، ويبتسمون ، كأنما أصابهم مسٌّ من الشيطان .

والفتياتَ في غاية الجمال والإثارة .. والشُّبانَ يرافقُونَهُنَّ بجرْأَةٍ وحريَّةٍ ... وكثيراً من الأماكن تغُصُّ بهم جميعاً ، يجلسون متقابلين حول موائد ، يأكلونَ أشياءً عجيبةً ...

والمقاهي لم أُشاهدْ مثلها فيما مضى ، فهي رحْبَةٌ جدّاً ، وتحتلُّ مساحاتٍ شاسعةً من الأراضي ، ويَخْدُمُ فيها الذكورُ والإناثُ معاً ، وهم يرتدون زِيّاً مُوَحَّداً أنيقاً ...

والأطفالَ يتصرَّفون مثل الكبار ، والكبارَ مثل الصغار ، والنساءَ مثل الرجال ، والرجالَ مثل النساء ... ورجالَ الأمْنِ لا يتصرَّفون مثل رجال الأمن !!

وبحثْتُ عن الأشجار والنباتات فلم أعْثُرْ إلاَّ على حاوياتٍ عمْلاقةٍ ، مُكَدَّسَةٍ بالأزبال والقاذورات ، وتفيضُ عنها إلى الأرصفة ، مع أن الوقْتَ نهارٌ    !!

وصادَفْتُ في جولتي أفواجاً من التلاميذ ، يشْغبون ، ويتحرَّشون ببعضهم البعض ، ويذكرون أهدافاً ، وأرقاماً ، وأسماءً ، تبيَّنَ لي أنَّها لِلاعِبي كرة القدم .

ومرَّ من أمامي بائعو السمك ، وعرباتُ الفواكه والخضروات ، ومُوزِّعو إعلاناتٍ لشركاتٍ وأسواقٍ أجنبيَّةٍ ...

ورأَيْتُ ناسي مثل الأجانب ، وأنا مثل الغريب .

باغتتني المناظرُ ، واستولت عليَّ الحيرةُ والدَّهْشَةُ ، وفكَّرْتُ أن أعودَ من حيثُ أَتيْتُ ، قبل أن أنسى كُلَّ شيء !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق