]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المُعلِّمُ الأسطورةُ . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-11 ، الوقت: 09:22:12
  • تقييم المقالة:

كان حُلْمي الكبيرُ أن أتغلَّبَ عليه ، وأُحطِّمَ أسطورتَهُ ، وأُنْزِلَهُ عن عرشه ، وأَتربَّعَ فوقه ، بدلاً منه ..

وتوجَّهْتُ إلى مُعلَّمي ، وتوسَّلْتُ إليه أن يُلقِّنني أصعبَ فنون القتال وأشْرَسَها ، وأن يقسوَ عليَّ في التدريبات والتمارين ، حتَّى أصبح أقوى وأخطر ...

وكان معلِّمي يتعجَّبُ لسرعة تعلُّمي ، واستجابتي الفوْريَّةِ لتقليد حركاته وضرباته المُبْتكرة ، وكنتُ أزيدُ عليها حماستي وفُتُوَّتي ؛ فتبدو أكثر مهارةً !!

وفي حلبات المنافسة كنتُ أقْضي على خُصومي بسهولةٍ ، و أفوزُ في كثيرٍ من الجوْلاتِ بالضربات القاضية ... إلى درجة أن كثيراً من أنْدادي كانوا يهابون مواجهتي ، ويحذرون أن يلتقوا بي في البطولات الكبرى ...

وصعد نجْمي في الآفاق ، وملأت صُوري المجلات والشاشات ، وتصدَّرتْ أخباري عناوينَ الصحف والإذاعات ، وحصدْتُ الجوائز والميداليات ، وحصلْتُ على عديدٍ من الألقاب والحفلات . ولم يكن يُنَغِّصُ فرْحتي سوى ذلك اللقب الذي التصقَ بي أكثر من غيره ، وهو : (تلميذ الأسطورة) ... !!

وكان يجِنُّ جنوني أكثر حين يسترسلُ أحدُهم في الوصفِ والتَّحليلِ ، ويشرحُ أنني أقْتفي آثارَ (الأسطورة) ، وأسيرُ على نهْجه في أساليب القتال ؛ فقد كان حلمي أنْ أكون أنا الأسطورة  !!

وكان معلِّمي يتابِعُ إنجازاتي ، وخطواتي كلها ، في الميادين .. وفي الحياة ...

وذات مرَّةٍ قادني إلى غابةٍ ، خارج المدينة ، وتوقَّفَ بي عند جانبٍ منها مُحاطٍ بكثيرٍ من الأشجار ، وقال لي :

ـ أتَرى إلى هذه الأشجار ؟

فنظرْتُ إليها دون اهتمامٍ ، فتابع :

ـ أتدري ما هو سِرُّ قُوَّتها ، وثباتها ، وجَمالها ؟

فَلُذْتُ بالصَّمْتِ ، كعادتي حين يتكلَّمُ بعيداً عن حُلمي ، وأجابَ :

ـ إنَّهُ يكْمُنُ في نُمُوِّها معاً ، ونفْعِها جميعاً للطبيعة الأُمِّ ، دون أن تُفَكِّرَ إحْداها أن تَقْطعَ الأخرى !!

فبدا على وجهي الاسْتغْرابُ ، وعدمُ الاستيعاب ، فاقترب منِّي تماماً ، وقال لي وهو يُصَوِّبُ إلى صدري ورأسي أصابعهُ كأنها قُضْبانٌ من الفولاذ :

ـ اليوم سأَكْشِفُ لك عن حركةٍ قويَّةٍ جدّاً ، سوف تجعلك تنتصر على عَدُوِّكَ الكبير .

فغمرتْني نشْوَةٌ عارمَةٌ ، وتأَهَّبْتُ بكل حواسّي وأطرافي ، لتعَلُّمِ الحركة ...

فنظرَ إليَّ من فوق إلى تحت ، وأبعدَ يدَهُ عنّي ، وقالَ بهدوءٍ :

ـ التلميذُ النَّجيبُ لا يُحَطِّمُ معلِّمَهُ ؛ بل يتعلَّمُ منه ، ويصيرُ حلَقَةً من سلسلة الأبطال ، ولا يَجْحَدُ فضْلَ الآخرين !!

فأُسْقِطَ في يدي ، وتهاويْتُ عند قدميْهِ .

فمسَحَ بيده على رأسي ، بحنانٍ لمْ أَسْتشعِره من قبلُ ، وقال لي بحِكْمَةِ الشُّيوخِ :

ـ عدُوُّكَ الكبيرُ نفْسُكَ ، فانْتصرْ عليْها بأن تكونَ مثْلَ شجرةٍ في غابةٍ !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق