]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لمْ يحْضُر الطبيبُ بعدُ ... (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-10 ، الوقت: 11:13:58
  • تقييم المقالة:

عندما وصلَ الطبيبُ إلى المستشفى وجدَ الرَّدْهةَ غاصَّةً بالناس ، وهذا لا يحدُثُ إلا في اليوم الأول من الأسبوع ، أو إذا حدثٌ أمرٌ عظيمٌ ، واليوم ليس (الإثنين) ، إذن لا شكَّ أنَّ هناك حدثاً جللاً .

وكان هناك جمْهرةٌ من النساء ، يَلْغطْنَ بكلمات المُواساة ، وأصوات النَّحيب ، وأنهار الدموع ، وهُنَّ يَحُطْنَ بامرأَةٍ منْبَطِحَةٍ في الأرض ، تصْرُخُ ، وتُوَلْوِلُ ، وتعْوى مثل أنثى حيوان جريحٍ ...

واتَّجَهَ في البداية إلى الشُّباك الزُّجاجي ، وسجَّلَ حُضورَه في السِّجِلِّ الضَّخْمِ ، وتقدَّمَ من مُمَرَّضَةٍ حسناء ، وسألها بعينيْهِ عمَّا يجْري ؟ .. فقالت له بأنَّ طفْلاً صغيراً مات ، منذ لحظات ، في قاعة المستعجلات ...

ولمْ يُفاجِئْهُ النَّباُ ، ولمْ يَبْدُ عليه أيُّ تأثُّرٍ ؛ فهو طبيبٌ يتوقَّعُ الموْتَ في كثيرٍ من الحالات ، ورُبَّما هذه الحالة من تلك الحالات التي يكونُ الموْتُ فيها حاسِماً .

وأرادَ أن يخترقَ الأجساد المُتَجَمِّعَةَ ، فاسترْعى انتباهَ الحاضرين ، وصوَّبوا إليه نظراتٍ كأنها سهامٌ ، وحدَّقتْ فيه المرأَةُ بجنونٍ ، فشعُرَ باضطرابٍ خفيفٍ ، وقليلٍ من الحذر ، غير  أنه عزمَ أن يُواصلَ السَّيْرَ ، لكنَّ المرأَةَ انتفضت من مكانها ، واندفعت نحوه بقُوَّةٍ ، وعفاريتُ الغضبِ تقْفِزُ من عيْنيْها ويديْها ، تريدُ أن تُمْسك بخناقه ، وتخْمِشَ وجْهه ، فحالَ بينهما حارسٌ كان يقفُ قريباً منهما ، وتدَخَّلُ بعضُ الرجال ، فاندهشَ الطَّبيبُ ، وابتعدَ عن الجميع في صُحْبَةِ طبيبٍ زميلٍ له ، بينما المرأةُ تُواصِلُ صُراخَها ، وعويلَها ، ولعناتها عليه ، وعلى المستشفى كُلِّها ...

وسألَ زميلَهُ ، وهما يصْعدان إلى الطابق الثاني ، فقالَ له :

ـ جُلُّ ما أعْلمُهُ أن ذوي الطفل أتَوْا به إلى المستشفى ، منذ ساعةٍ مُبَكِّرَةٍ من الصَّباحِ ، وكان يُعاني من حالَةٍ حرِجَةٍ ، لم يعْرفْ كيف يتصرَّفُ حيالها المُمَرِّضُ ، في قسم المستعجلات ، فحقنَهُ بإبْرَةٍ مُسَكِّنَةٍ للألم ، ونصَحَ أبَويْهِ أن ينتظرا قُدومَ الطَّبيبِ المُخْتَصِّ ، ومرَّتْ ثلاثُ ساعاتٍ ، واشتدَّتْ أزْمَةُ الطِّفْلِ ، ولَمْ تُجْدِ محاولاتُ بعْضُ الممرضين ، ففارقَ الحياةَ ...

ـ ومنْ يكونُ ذلك الطبيبُ المُخْتَصُّ ؟

فتوَقَّفَ زميلُهُ بُرْهَةً ، ونظرَ إليه بهدوءٍ ، وقال له :

ـ أنتَ ...

فَزَمَّ شفتيْهِ ، وزفَرَ بأنْفِهِ ، واتَّجَهَ صوْبَ مكْتَبِهِ ، وأغْلَقَ وراءَهُ البابَ ...

ومَرَّتْ دقائقٌ ، خرجَ بعْدها يحْمِلُ في يديْهِ ورقَةً ، مكتوبٌ عليْها :

موْعِدُ حضور الطبيب (...) من الساعة العاشرة صباحاً إلى الساعة الواحدة زوالاً .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق