]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

جـنِّـيَّـةُ الكُـتُـب . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-10 ، الوقت: 08:46:43
  • تقييم المقالة:

في ليلةٍ من ليالي الصيف ، كنتُ وحيداً في البيت ، ساهراً أمام النافذة المفتوحة ، طمعاً في هبَّاتٍ منَ النسيم ، وكتابٌ بين يدَيَّ ، أطالعُ مُحتواه بتثاقُلٍ ، وفجْأَةً أحسستُ باضطرابٍ بين أوراقه ، وباغتتني حركةٌ غيرُ مألوفةٍ ، فانتفض جسمي كلُّهُ من شدَّةِ الذُّعْرِ ، وألقيْتُ بالكتاب على الأرض ، فانبثقت منه امرأةٌ في ثوبٍ أبيض شفافٍ ، ودون أن تبينَ أعضاؤها الحميمةُ ، وغمرت الحجرة بضوْءٍ ساطعٍ ، ونطقت مثلما ينطق البشرُ ، وقالت لي :

ـ أنا جِنَّيَةُ الكتب .. وجئتُ لأسألك عن الكتب !!

عقدتِ الدَّهشةُ والخوفٌ لساني ، وشككْتُ لثواني أنِّي أحلمُ . غيرَ أن الجِنِّيَّةَ اقتربت منِّي بخُطى مسْموعةٍ ، ووضعت راحتَها على كتفي اليسرى ، وقالت :

ـ لا تخفْ .. فأنا جنِّيَّةٌ من أهل الخير ، ولا أبْغي منك إلاَّ أن تخبرني عن الناس والكتب .

فقلتُ متلعثماً :

ـ الناس كثيرون ، والكتب أكثر ، والقراءة أقلُّ بكثيرٍ !!

فبدا عليها الحُزْنُ واضحاً ، وجعلَ ضوْؤُها يرتعشُ في عيْنَيَّ ، وسألتني :

ـ لماذا ؟

فلمْ أُحِرْ جواباً .

وانتظرتْ لدقائق ، وطالَ الصَّمْتُ بيننا ...

وما هي إلاَّ لحظة حتى انتبهْنا معاً إلى صوْتِ الهاتف المحمول ، يُرْسِلُ إشارةَ تنبيهٍ ، تدُلُّ على ورودٍ رسالَةٍ نصِّيَّةٍ ، فخطر ببالي جوابٌ ، وقلْتُ لها :

ـ هذه العُلْبَةُ وأخواتُها هي ما استبْدَلها النَّاسُ بالكتبِ .

وبانت أنها لم تفهمْ عنِّي ، وهي تنقلُ نظراتها بيني وبين الجهازِ ، فاسترْسلْتُ في الكلام ، وأضفْتُ :

ـ إنَّ سحَرَةً بارعين ، ظهروا في هذا الزمان ، ألقواْ بين أيدي الناس فنوناً ومبتدعاتٍ ، شغلوهم بها ، وملأوا بها دُنْياهم ، وأُعْجبَ بها أكثرُهُمْ ؛ فهي تستجيبُ لغرائزهم الدُّنْيا ، وتدعوهم للرَّاحة والفراغ .

فسألتْ :

ـ أيوجدُ ما هو أعظم من الكتب ؟

فقلْتُ :

ـ بالنسبة إلى الحاضر ، يوجد الكثيرُ ، وهواها جميعاً غلاَّبٌ .

فقالتْ :

ـ يا للخيبة ، فقد كنتُ أظنُّ أَنْ لا شيْءَ يفوقُ عظمة الكتب ؛ ففي زمن سليمان كان الذي عنده عِلْمُ الكتاب أقوى منَّّا نحن معشر الجنِّ والعفاريت .

فتبسَّمْتُ قليلاً ، وقلْتُ لها بثِقَةٍ طارئَةٍ :

ـ شياطينُ الإنس ، وعفاريتُ الآلات ، أقوى منكم ، ومن الكتب . ولم يعُدْ من البشر من يستعينُ ببعضكم إلاَّ ضعفاء ، يرجون أن تقضوا لهم مآربَ أخرى .

وإذْ سمعتْ منِّي ذلك تراجعتْ عنّي إلى الكتاب الملقى على الأرض ، ووقفت في وسطه ، وقالت لي ، ودموعٌ من اللُّؤْلُؤِ تهْمي فوق خدَّيْها النورانيين :

ـ الآن فهمْتُ لماذا وجدْتُ الناس يسْتدعون جِنِّيات الحب ، والنَّسْل ، والرِّزق ، والحرب ، والسِّلم ، والمال ، والحُكم ، بل وحتى جنِّيات الرياضة ، ولا يستدعونني أنا !!

يا لتعاسة حظّي !!

ويا وحدتي ... !!

ثم عادت من حيث أتت ، وابْتلعَها الكتابُ ... وبقيْتُ وحْدي في الظَّلامِ ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق