]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حق الملكية الفكرية (رؤية شرعية معاصرة)

بواسطة: نادر العريقي  |  بتاريخ: 2011-10-23 ، الوقت: 13:55:02
  • تقييم المقالة:

 

حق الملكية الفكرية (رؤية شرعية معاصرة)

كتابة / نادر محمد العريقي

مدرب في المواطنة وحقوق الإنسان

ماجستير في القانون جامعة أسيوط

 Nadder22@yahoo.com

اليمن - تعز تـ(771552675)

تعرف الملكية الفكرية بأنها حق الإنسان في الاستفادة المادية والمعنوية من ثمار إنتاجه العلمي والأدبي والفني والتِقَني وحقه في التصرف فيه والتنازل عنه والاستئثار به. والمتتبع للحياة الفكرية والثقافية يلحظ  اهتماما كبيرا بموضوع (الملكية الفكرية) نتيجة التطورات العالمية الراهنة وكتجل من تجليات العولمة ذلك لأنها تكتسب أهمية كبيرة عند وضع السياسات الدولية والوطنية في الميادين القانونية والاقتصادية والاجتماعية فضلا عن الثقافية ، فقد أصبحت موضوعا يفرض نفسه في العلاقات التجارية والثقافية بين الدول كما أصبح لها تأثيرا  خطيرا اقتصادي وتكنولوجي مما دفع إلى التفكير في البحث عن سبل لتوفير الحماية الشرعية والقانونية لهذه الموضوعات مثل براءات الاختراع والتكنولوجيا الحيوية والتجارة الإلكترونية والعلامات التجارية إضافة إلى حقوق التأليف الأدبي والفني في مختلف المجالات العلمية والإنسانية0 وأصبح من التساؤلات المطروحة  ، هل درس فقهاء الشريعة الإسلامية المحدثون هذا الموضوع ؟ وهل حرصت الشريعة على حماية هذه الحقوق وتنظيم أوضاعها بما يكفل تحقيق المصالح المشروعة وصيانة قواعد العدالة و حماية مسيرة التقدم الإنساني من كل مظاهر الاستغلال و التلاعب؟ وهل يصح تمليك الأفكار بما يعني احتكارها ومنع استخدامها إلا بمقابل مالي؟ وهل يدخل منع نشر الكتاب أو نسخه ضمن كتم العلم المنهي عنه شرعا؟ وما هي المعايير الشرعية التي تحفظ لكل ذي حق حقه؟  

موقف القانون والفقه الإسلامي

روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها‏،‏ أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردّها؟ فقال‏:‏ لا‏،‏ بل يستأذن ثم يكتب‏.‏ غير أن ما ذكر عن الأمام أحمد لم يوافقه عليه جميع أهل الفقه والقانون بل انقسموا إلى فريقين منهم من غالى في تأكيد حق الملكية الفكرية، ومنهم من مانع في التسليم بهذا الحق . المغالون في تأكيد حق الملكية الفكرية

فهذا الفريق غلبوا المصلحة الخاصة على المصلحة العامة فوقفوا إلى جانب المؤلفين والمبدعين والشركات المنتجة ومؤسسات الطباعة والنشر في تقرير حق الملكية الفكرية مطلقا ولو أدى ذلك إلى  جني الأرباح الطائلة واحتكار المنتج الفكري والثقافي وتوريثه  وإنما حملهم على ذلك جملة اعتبارات :- · استدلوا بقوله (ص) "إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" يعني الإنسان يُدرِّس كتاب الله ويأخذ عليه أجرا فبالأولى إذا نشر كتاباً أو منتجا فكريا في نوع من أنواع المعرفة. · أن في احتكار المؤلف تحفيزاً للناشر والموزع بأن يبذل كثيراً من الجهد والمال في الإعلان والدعاية للمؤلف فيساعد على انتشاره وإذا لم يحتكر الناشر أو الموزع حق المؤلف بحيث يضمن من بيعه عائداً مجدياً يعوض ما بذله في سبيل نشره من كلفة الإعلان والدعاية بالإضافة إلى ربح مجز لن ينشط للبذل في سبيل الدعاية والإعلان عن المؤلف وبالتالي يتحدد مجال انتشاره وانتفاع الناس به. · فيه تشجيع للبحث والعلم وشحذ همم العلماء لنشر أفكارهم وهذا من أهم وسائل تقدم الأمة وتصحيح منهجها حيث إن إعطاء الحق المالي يدفع الناس إلى التأليف وإلى السهر والتعب والجمع والبحث المضني و والصبر على مشاق البحث . · الناشر زبون يحقق مكاسب مادية ودعائية من نشر المؤلف فهل نقول مع هذا بحرمان المؤلف الذي كد فكره وأجهد نفسه وأفنى وقته في مؤلفه من عوض مالي لقاءه، وأن يكون غنيمة باردة لدار النشر. · ومما لا شك فيه أن أصحاب الأشرطة والاسطوانات، قد بذلوا في إعدادها وقتا وجهدا ومالا، وليس في الشريعة ما يمنعهم من أخذ الربح الناتج عن هذه الأعمال، فكان المعتدي على حقهم، ظالما لهم، وآكلاً أموالهم بالباطل. · * ثم إنه لو أبيح الاعتداء على هذه الحقوق ، لزهدت الشركات في الإنتاج والاختراع والابتكار ، لأنها لن تجني عائدا ، بل قد لا تجد ما تدفعه لموظفيها ، ولا شك أن توقف هذه الأعمال قد يمنع خيراً كثيراً عن الناس ، فناسب أن يفتي أهل العلم بتحريم الاعتداء على هذه الحقوق. · اغتيال عمل مؤلف إن هو إلا سلوك إجرامي تأباه الشريعة الإسلامية ، و في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) ما يكفي لحماية حقوق المؤلفين. · أن الشريعة و إن كانت تدعوا إلى تعميم المنفعة ونشر ما فيه مصالح الناس وخيرهم لكن ذلك في نظرها لا يبرر الاعتداء على حقوقهم فيما هو نافع و مفيد  بل إن تعميم المنفعة بما يبتكره الأفراد له قواعده و أصوله ومن أهم هذه القواعد التي تحقق المصلحة و تمنع الضرر الاعتراف بهذه الحقوق و تنظيم نشرها و الاستفادة منها بأحكام تنسجم مع طبيعتها وظروف التعامل معها.  

 المانعون من حق الملكية الفكرية

وأما هذا الفريق فقد غلبوا المصلحة العامة على المصلحة الخاصة فوقفوا إلى جانب حق الأمة في الحصول على العلوم والمعارف ولو أدى ذلك إلى تضرر النخب المثقفة والعقول المبدعة والشركات المنتجة وإنما حملهم على ذلك الاعتبارات الآتية:-  *أن ذلك من كتمان العلم الذي حذرت منه الشريعة في كثير من نصوصها ومنها قوله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) وقوله (ص) (من كتم علما يعلمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار). · أن هناك دوافع توجب كسر الاحتكار، ومن هذه الدوافع: العدل ورعاية المصلحة العامة التي تقضي أنه لا تتقدم الإنسانية إلاّ بفضل انتشار الفكر ( والاحتكار يحدد انتشاره ). · القواعد الشرعية التي تؤيد ما سبق والتي تنص على أن (المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة) و(يغتفر الضرر الخاص في دفع الضرر العام). · أن صاحب الفكر ( المؤلف ) مدين للإنسانية إذ فكره ليس إلاّ حلقة في سلسلة تسبقها حلقات وتتلوها حلقات، وإذا كان قد أعان من لحقه فقد استعان بمن سبقه ومقتضى ذلك أن لا يكون ( حق المؤلف ) حقاً مؤبداً. · الإسلام حرَّم الاحتكار واعتبر المحتكِر خاطئا ومَن احتكر سلعة من السلع التي يحتاج إليها المسلمون فهو خاطئ ويصاب بالإفلاس وغير ذلك كما ورد في الآثار والتاريخ.. ·  أن الفكر حياته في انتشاره لا في الاستئثار به.

الموقف الشرعي بين الحق الخاص والحق العام

من الملاحظ أن هذه المسألة يتنازعها أصلان مقرران في الشريعة الأصل الأول وجوب نشر العلم وحق الحصول عليه والأصل الثاني حرمة مال المسلم إلا بطيبة من نفسه وكلاهما أصلان تقررهما كم وافر من نصوص الشريعة ، إلا أنه من الحقائق المتفق عليها في الشريعة الإسلامية أن المصلحة العامة ومصلحة الجماعات أولى بالاعتبار من مصلحة الخاصة أو مصلحة الأفراد ووفق هذه الحقيقة المقررة أرى أن الأصل هو تقديم مصلحة الإنسانية في الحصول على المعرفة في شتى المجالات بما يحقق تقدمها على مصلحة الشركات والمؤلفين ودور النشر في حماية والاعتراف بحقوق الملكية الفكرية إلا أن هذا الأمر ليس على إطلاقه إذ قد تبدو حالات يكون الأولى والأوجب فيها شرعا حماية الملكية الفكرية كونه أصلا من أصول الشريعة وإن كان يتعلق بمصلحة خاصة وذلك إذا كان لا يصطدم بمصلحة العامة في الحصول على المعرفة أو كان يقرر المصلحة العامة ويحفظها مثال ذلك أن يؤدي احتكار الإبداع الفكري إلى تحفيز الناشر والموزع بأن يبذل كثيراً من الجهد والمال في الإعلان والدعاية للمؤلف فيساعد على انتشاره أو يكون فيه تشجيع للبحث والعلم وشحذ همم العلماء لنشر أفكارهم فهنا يكون الأولى حماية حق الملكية الفكرية لعدم تعارضه مع المصلحة العامة بل يحفظها من الضياع. ومما يشهد لذلك ما ورد من نهيه (ص) بل وتحذيره الشديد عن أخذ الأجرة لتعليم القرآن كونه يعيق الكثير من أبناء الأمة المعسرين من تعلم القرآن كما في حديث أبي ابن كعب قال ( ( علمت رجلا القرآن فأهدى إلى قوسا فذكرت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أخذتها أخذت قوسا من نار فرددتها ) ) إلا أن من المعروف اليوم سكوت أهل العلم عن ذلك بل وسعيهم لتوفير هذه الأجور لمن يعلم القرآن لأنهم يدركون أنه من دون ذلك ستحرم الأمة من تعلم كتاب الله فما كان قديما يتعارض مع مصلحة الأمة صار اليوم هو ذاته المحقق لهذه المصلحة فتغيرت الفتوى فيه وهو ما يؤكد نهج العلماء قي تغيير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعوائد والأشخاص.

مقترحات وتوصيات

مع إدراكي أن هذه القضية تحتاج إلى المزيد من البحث والتأصيل إلا أني حاولت أن أقرب الأمر للباحثين الشرعيين والقانونيين باستخراج الأصول العامة التي تقوم عليها هذه القضية والمتمثلة في أصلين الأول وجوب نشر العلم ، والثاني حرمة مال المسلم كما بينت القاعدة العامة التي يتم الموازنة فيها بين هذه الأصول وهو تقديم الأصل الذي يرتبط بمصلحة عامة على الأصل الذي يرتبط بمصلحة خاصة ، وإقرار الأصلين في حال انتفاء تعارضهما ، أو في حال تأكيد وتأييد كل منهما للآخر ، ولذلك أدعو لكل من يتصدر للفتوى أو التقنين في قضية (الملكية الفكرية) أن يدرك أن الأمر يختلف باختلاف الزمان وظروف المؤلف المادية وطبيعة البلاد التي يباع فيها الابتكار وهل هي غنية أم فقيرة ؟ ونوع الإبتكار ومدى احتياج الأمة إليه ويجعل قبلته تحقيق وضمان الحقوق الفكرية للمؤلف بما لا يصطدم مع حق الأمة في امتلاك المعرفة ،وأختم كلامي بالقرار الذي صدر عن مجمع الفقه الإسلامي في جدة بخصوص الحقوق المعنوية ، ومما جاء فيه :" أولاً : الاسم التجاري ، والعنوان التجاري ، والعلامة التجارية ، والتأليف والاختراع أو الابتكار ،هي حقوق خاصة لأصحابها ، أصبح لها في العُرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتموّل الناس لها . وهذه الحقوق يعتد بها شرعاً، فلا يجوز الاعتداء عليها. . .ثانيا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً ، ولأصحابها حق التصرف فيها ، ولا يجوز الاعتداء عليها لكن مع مراعاة الضوابط الشرعية، عدم وجود ضرر، عدم وجود غش، عدم وجود مُحرَّم، عدم وجود ما يتنافى مع الشريعة الإسلامية).  


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق