]]>
خواطر :
شُوهد كلب (أكرمكم الله)، في فصل البرد يلهثُ... تعجبت منه البهائمُ، كيف يكون الحال في فصل الحرُ...أجاب الكلب، لذلك الحال أنا من الآن أتهيأ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جدلية الأغنية / الوحدة والنغم

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2013-09-09 ، الوقت: 15:14:11
  • تقييم المقالة:

أزمة الأغنية / الوحدة والنغم

 يقول ابن خلدون / ان الأمم والشعوب أول ما تمس , تمس في أغانيها.لذا تطرح الأغنية الجزائرية في كل مرة,وفي كل حفل فني وفي كل مهرجان, عدة تأويلات ,سواء على المستوى المحلي او الوطني او الإقليمي العربي او حتى العالمي. ذاك ان الأغنية بمختلف تصنيفاتها الشعبية /  او الأندلسية /  او العصرية / او الوهرانية / او الرايوية / او الصحراوية / او الملتزمة او الدينية / او البدوية / او القبائلية / او الشاوية,لم تعد مرتبطة بوجدانات  وشعور الجمهور الجزائري,منبعها القلب وإنما العقل أيضا ,ترفيها..., تثقيفا..., وحضارة.

يقول (روجو) /  بقدر ما تكون محليا بقدر ما تكون عالميا,واذا كانت رسالة ابن خلدون للناس اجمعين متمثلة في نقل القيم الإنسانية المحلية , لعدة خصوصيات,بل,لعدة وحدات وعدة أنغام.

الوحدة الأولى /

الفن عموما لايمكن له أن تقوم له قائمة وسط الفوضى ,ذاك ان الفن عموما هو نظام وجمال... قائم في المقام الأول على التناسب,وكل المؤشرات التي تبعث بها الأغنية عندنا في يومنا هذا ,بلا هدف تسعى من الترف الى الترف,تسير بإتجاه واحد وفي وقت واحد وفي مكان واحد ووحدة واحدة ونغم واحد حتى إن أختلفت الطبوع وتباعدت المسافات في دولة بحجم قارة جغرافيا وبحجم كل القارات فنيا مجتمعة .

كان شرخا واحدا في أبسط فن من فنوننا هو شرخ في ثقافتنا إجمالا, و ينعكس سلبيا على الذوق العام,في ظل إستفحال المادة والرقم على الوحدة والنغم .و لأن الثقافة أولت الى مهام أخرى في التثقيف الجاد الهادف الواع ,وبالتالي كل القيم المادية والمعنوية أصيبت بأزمة التأويل والتداعي والتراسل في الحواس,عندما تعطى المسموعات ألوانا غير ألوانها,والمشمومات غير أنغامها,وتصبح المرئيات غير عاطرة لتوليد احساسات لاتعني بها اللغة الشعرية الموسيقية الغنائية بتاتا.

الوحدة الثانية /

ولأن المغني صار واحدا في واحد في واحد (111)كما يقول الشاعر الرئيس السنيغالي (سنغور),هو مؤلف الكلمات وهو الموسيقي وهو المركب وهو المؤدي وهو المنتج, ضاعت الأغنية في الوحدة واحد,ناهيك عن  عدم وجود بحث جاد وواعي يعمل على تطوير الأغنية في ظل التطور المعرفي والثقافي والفني  والبشري أيضا ,وفي ظل إنفجار المعلومة والفكرة والكلمة والصورة والموسيقى الشعرية الغنائية.ذاك أن أغانينا لم تعد قادرة على تحول أية فكرة قابلة على التغيير من وحدة الكلمة والنغم والأسلوب الى رسالة,وبالتالي ضاع الذوق العام,وأولت الحواس عن الأغراض التي كانت تؤدى بها الأغنية و خرجت عن مهامها الإنسانية عامة ,ولم نعد نفرق بين أغاني الملاهي الليلية والأغاني الوطنية والأغاني الملتزمة ,مادامت جميع الطرق صارت عند العامة تؤدي الى الرقص.ناهيك عن (الروبوتيزم) او الآلية التي أستعبدت كل مايدور في فلك الأغنية,وأصبحت تؤدي معنى الطابع الصنمي للأشياء,وانتقل ما يميز البضائع الى ما يميز الأغنية  لونا وكتلة ومساحة وحجما وعرضا وطلبا.صار الربح والنجاح هو كل شيئ والأغنية لاشيئ,بل أغترب المغني كلية وصار (الألبوم) هو كل شيئ  والغناء لاشيئ,وبالتالي لم يعد التثقيف يجدي نفعا مع أغنية وليدة اللحظة,تؤدي أغراضا بافلوفية ,ومنعكسا شرطيا مناسباتيا ليس إلا, سرعان مايزول السبب إن غاب المسبب,وكما لم يعد اللحن او الصوت طاقة وقدرة إنسانيتين خلاقتين قادرتين على الإبداع,ما دامت الوسيلة الإلكترونية صارت تقوم مقام غاية الملكة والموهبة, ومادامت الحاجة الى الربح السريع هي أم الإختراع.

الوحدة الثالثة /

ولما كانت الثقافة عموما ليست من أولى أولياتنا ,أصيبت الأغنية بالشطط المعرفي والفني,والمس بالذوق العام ,ولم تعد الأغنية إجمالا تثير إنتباها او أية قضايا حضارية,وأصيب على جراها المجتمع بعدم التوازن ما بين الإنسان والمحيط وما بين القيم المادية والقيم المعونية,وبالتالي صار العازف الموسيقي يعزف وهو لايدري لم يفعل ذلك والمغني كذلك والمؤدي وكذا الجمهور, إذا ما أعتبرنا للأغنية اليوم جمهورا,وفي ظل الإنسحاب العام من التجمعات الفنية.كما أن عدم تصنيف فنوننا وطبوعنا جغرافيا وفنيا زاد الوضع تأزما, و الرسالة الفنية توجه الى أي أحد من الناس ومن جميع الأعمار وفي جميع المستويات,إبتداءا من المدرسة الى المحيط والى سائر أفراد المجتمع عامة. زاد أيضا الوضع تعقيدا حلقة الوصل والهيئة المشرفة بين الإنسان الفنان صاحب الموهبة والجمهور,حين تصير بعض وسائل الإعلآم تربط الأغنية بهز الجسد, كل أغنية راقصة,وحين تصير كل أغنية ترفيها,وحين تصير كل أغنية تكرارا لما أودي في السابق عن لاحق.توجه الى جيل واحد, يكرر نفسه على شريط قديم يدور الى المربع الأول .فاته أن يراعي بأن الذوق العام تطور أيضا, وأن كافة الحواس تطورت. بل صارت تؤدي مهاما اخرى غير المهام الفيزيولوجية التي خلقت عليها أول مرة. صار الذوق فكرة ,من تلك الفكرة التي تغير وجه المحيط إجمالا,تعيد للوعي واقعه الوجداني- عوضا عن فقد الوعي- تغييرا وتفكيرا وليس البقاء والتمسك على الأطلال لفظا ولحظا وإشارة ورمزا, تقرب له القرابين وخصال إيقونات الترديدات والترنيمات القديمة . وكأن الجميع أصبح مخدرا , مذهلا مندهشا, او في حضرة راهب حبر صاحب كنيسة مقدس,لايدل النغم فيه على النغم ذاته وإنما على عظمة الدهشة والذهول . صحيح الكلاسيكي عامل مهم لتربية الناشئة على ما هو سليم من مخارج حروف سليمة ولحن وأداء ووعي,لكن علينا ان نعي ان الجمهور تغير بتغير المجتمع الجزائري في جميع الميادين, ومتطلباته أيضا تغيرت, وإيقاع المن تغير في عز الوسائط الإعلامية أيضا,وماربحه الجمهور في ميادين معينة في يوم ما  خسره في الثقافة والفن,وبالتالي لم يعد يعرف مغنيه وأغنيته,كما لم يعد المغني يعرف جمهوره ولا الأغنية أيضا. الجميع أغترب وأصيب بالتفكك ولجأ  الجميع الى اللا معقول,لاتوجد حبكة ولاحدث ولاموضوع ولارسالة ولاعاطفة جياشة تمس مباشرة وجدانات الجماهير,ولذا يصير التفوق  نابع من طاقة بلا قلب. زاد الوضع تأزما نشر الأغنية الصفراء على غرار نشر الكتب الصفراء ونشر الثقافة الصفراء وحضارة الصفراء,اغنية الدراويش هز الرؤوس والدوران الفارغ حول الحلقة التي أنطلق منها (ماجلان الفنان),في عالم يشهد فيه النهايات بالجملة!نهاية التاريخ (فوكوياما),ونهاية الجغرافيا (العولمة),ونهاية الشعر ونهاية الفلسفة,ونهاية الثقافة والحضارة (ابن خلدون),ووصولا الى نهاية الدول, ومع انتشار الرقم والرقمية و(الآلة) حتما سوف نصل الى نهاية الكلمة المعبرة والفكرة معا وبالتالي حتما سوف نصل الى نهاية الأغنية,إن بقي الحال على ما هو عليه ,وإن بقي الناشر هو القاعدة ,في ظل إختلاط حابل الوحدة مع نابل النغم سوف تبقى الأغنية تراوح مكانها دون مرجعية ولا خلفية أونتربولوجية  ولا فهرس سوسيولوجي إثنولوجي أنتربولوجي ودون تقدم ملموس.

الوحدة الرابعة /

تقول الحكمة الزنجية / أنه يمسك بالحياة ويعيد توزيعها حسب قاعدة الغناء وعدالة الرقص.نتساءل بدورنا ما الذي يمسكه المغني عندنا ليعيد توزيعه و – فاقد الشيئ لايعطيه -  وحسب أي قاعدة وعدالة ,وهو فاقد لشيئ جملة وتفصيلا,ما الرسالة التي تريده ان توصله لقارئ (...) محتمل لأغنية ناجحة محتملة....!؟

الأغنية قانونا وعدالة,وشفاعة وتعزية,حين تصاب المؤسسات بالشطط,حين تصبح العلاقات الإنسانية قانونا وعدالة,وحين تمسك بكل عناصر دواليب الحياة وعناصر الحياة / ماء...,...نار...,هواء...,وتراب او عناصر الحضارة / إنسان ...,تراب...,وزمن ,حسب قول المفكر الجزائري مالك ابن نبي / او عرق...,بيئة....وتاريخ حسب قول (تين),وكما يجب ان يفهم ليس كل ما يعرض بضاعة ,نفس الشيئ ليس كل ما يعرض أغنية ,لابد للدولة أن تخلق هيئة معينة لإعادة الإعتبار للأغنية الجزائرية وتصنيفها من جديد, ما لله لله وما لقيصر لقيصر, وما هو ترفيهي وما هو توجيهي ,وما هو للعلب الليلية وما هو لعامة الناس وما ينبع من القلب يصل الى القلب,وبين ما ينبع من سوء الأخلاق وما يخدش القيم ومن الكلمات البديئة البافلوفية السافرة الساقطة التي تحرك الغرائز والدعوة الى العنف فيه والى السادية المرضية,وبين اللطف والمحبة والدعوة الى السلام والمحبة المحلية والعالمية .فقط ,حين يكون الحب وطن الحلول كما تقول الصوفية,وحينما يكون المغني صاحب رسالة تماما مثله مثل المعلم والخطيب والمحاضر,والأغنية ثقافة وملكة إبداعية خلاقة ميزان الفضل فيهما الفن والإتجاه الى الإنسانية بالمقام الأول,وبكل ماتعني الكلمة من لغة ومعنى.

دعنا نعترف أولا الأغنية الجزائرية في ازمة,بكل المقاييس,تأليفا ولحنا ومسيقيا واداءا وجمهورا,فالجميع يحلق في دوائر فضائية بعيدا عن قواعد الجدب الأرضي العام,وفي المزيد من خسارة ما كان مكتسبا وتعويد المستمعين والمتفرجين على الجاهز اللحظة, عوضا عن أغنية نفي اللحظة في مكان وفي كل زمان ,لكافة الأفراد..,لكافة الأسرة...,ولكافة المجتمع.والتكوين وتنمية المواهب والرجوع الى الخصوصيات المحلية  مع تقويمها وتقييمها حتى تسطع فضيلة الأغنية الجزائرية الحديثة من جديد لكافة ربوع سكان البلد اولا ومن تمة لكافة سكان المعمورة,لكن بعد التثقيف والتهديب للإنسان اولا وللمادة ثانيا وللوحدة الفنية ثالثا وللمادة النغمية رابعا. صحيح الأغنية لاتقرر مصيرا مم ولاتثبت رأيا معينا,لكن , يبقى أن نذكر تاريخيا الأغنية الجزائرية أنقذت عدة طبوع فنية كانت في طريق الزوال ,بل عدة معارف تاريخية أدبية وأرخت لحقبة معينة من تاريخ الجزائر قبل وأثناء  الحقبة الإستعمارية وبعدها,و كوثيقة مقروءة مسموعة مرئية.كما أنقذت يوما الثقافة والإعلام وحتى السياسة من الركود والتهميش وقدمت تضحيات جسام في سبيل إسترداد حرية الجماهير الجزائرية ,  وساعدت في نشر الحضارة الديمقراطية حرية ومساواة في حدود إنتشار التسامح.أنقذت المسرح والسينما الجزائرية. نتساءل بدورنا اليوم  لم الجميع أدار ضهره,لم لايرد هؤلاء  الجميل للمغني وللأغنية,وينقذونها من التهميش وعدم التقنين والتصنيف ومن أبواق مفسدي الذوق العام ,المحسوبين على الغناء وعلى ثقافة البلد...., ومن تمة تمس حضارة الأمة والجمهور أذا ما مست الأغنية بشطط ما وبشرخ ما ,ومن تم تكمن المشكلة...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق